كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

عمان وأنواء التغيير السياسي والاجتماعي

يعيش العالم العربي لحظة فارقة من تاريخه، فالشعوب العربية بدأت بالثورة ضد الاستبداد والظلم والتهميش والفساد، لم يكن مستبعدا بالنسبة للمستقرئ للواقع الاجتماعي العماني أن عدوى ما يحصل ستنتقل لا محالة إلى عمان نتيجة تراكمات نفسية واجتماعية كانت بالنسبة للكثيرين خارج نطاق التفكير. ولفهم هذا الواقع علينا القيام بدراسة تشريحية للتركيبة الاجتماعية والسياسية والأمنية والثقافية في عمان.

يمكننا تقسيم المجتمع العماني إلى أجيال ثلاثة، الجيل الأول هم الشيوخ الذين تجاوزوا الستين من العمر، عاش أفراد هذا الجيل بعض لحظات شبابه في العهد السابق لعصر المدنية الحديثة التي أرساها السلطان قابوس في عام 1970، أفراد هذا الجيل يرون الواقع لا بعين الفاحص المدقق وإنما بعين الرضا المقارنة بالعهد السابق، وعين الرضا –كما قيل- عن كل عيب كليلة، فلهذا هي غير قادرة على تبين أوجه القصور والمناطق التي تحتاج إلى تجديد وإبداع.

الجيل الثاني هو جيل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين الثلاثين والخمسين، هذا الجيل يمثل الفئة الفاعلة في المجتمع، فهم يمثلون أغلب أفراد الطبقة العاملة. وسنؤجل الحديث عنهم إلى حين.

الجيل الثالث هم شباب العشرينات فما دون، تتميز هذه الفئة بأنها اصطنعت على أعين الفضائيات والهواتف النقالة والإنترنت بما فيها من مواقع اجتماعية وغرف دردشة ومنتديات حوار، لذلك تربى أفراد هذا الجيل على قيم جديدة لم يعهدها الجيل الأول، فهم قد نشئوا على قيمة الحوار، والنقد، وحرية التعبير، والشعور بالمساواة، وضمور الشعور بالشخصيات الكارزمية الملهمة. تطلعات هذا الجيل ونظرته إلى الحياة تختلف عن تطلعات الجيل الأول، فهم لا يقبلون بالخطاب الإعلامي القائم على المقارنة بين ما قبل السبعين وما بعدها، بل المقارنة عندهم قائمة بين عمان اليوم وبين ما هو متوفر لدى الدول الثرية في المنطقة، وهذه المقارنة -المجحفة أحيانا- تؤدي إلى قدر كبير من الإحباط والاحتقان وفقدان الثقة في المؤسسات الاجتماعية والسياسية، فلهذا بدأت تنتشر بين بعض أفراد هذا الجيل ظاهرة اللامبالاة، والاستهانة بالمنجزات، وغاضت روح الحفاظ على المكتسبات، وتفشت الرغبة في الانتقام والتخريب.

إضافة إلى عامل مهم وحاسم لم يلتفت إليه الكثيرون، إنه عامل الزمن المتسارع، فالثانية عند أفراد الجيل الثالث صارت دقيقة، والساعة صارت يوما، واليوم صار شهرا، والشهر صار سنة وهكذا، فالإحساس بالزمن صار متسارعا إلى درجة أن عجلة الإصلاح والتنمية التي يحسبها الجيل الأول متسارعة يراها أفراد هذا الجيل أبطأ من السلحفاة.

الطرف الفاعل في الحياة العامة هو الجيل الثاني، وهو جيل يعاني من انشطار قيمي بين مبادئ الجيل الأول وقيم الجيل الثالث، بيد أن انتشار الفساد الإداري والمالي، وضعف العائد المادي الذي توفره الوظيفة نتيجة للضعف الكبير في الرواتب، إضافة إلى ظهور إشكالية انعدام فرص التعليم العالي للأبناء، كل ذلك وغيره دفع بالكثيرين من أبناء هذا الجيل إلى تبني ذات تطلعات الجيل الثالث، وتلبستهم حمى الرغبة الجامحة في التغيير.

المؤسسة الرسمية في الجانب الآخر تعاني من إشكالاتها الخاصة، فمن جهة توجد هناك شخصيات محورية ذات توجه تنموي وإصلاحي ساهم في بناء مقومات الدولة الحديثة، وتمت على أياديه البيضاء تحقيق منجزات النهضة التي تعيشها عمان اليوم، هذه الشخصيات –على رأسها سلطان البلاد-تمثل روح الحكمة والإخلاص وحب الوطن، في الجانب الآخر لا يستطيع المتابع إغفال بعض الوجوه التي شاخت على كراسيها، والتي ارتبطت أسماء بعضها -في العقل الجمعي العماني- بالفساد وإهدار المال العام، وبعض هذه الشخصيات له نفوذ في رسم سياسيات الدولة وتنفيذ خططها التنموية التي يرى بعض المختصين بأنها خطط غير فاعلة وتساهم في هدر المال العام وانسداد الأفاق بالنسبة للجيل الصاعد، فهي تستهلك المال العام في بناء الشوارع والفنادق والمعارض بدلا من استثماره في بناء الإنسان عن طريق إنشاء جامعات ومؤسسات تعليم عالي.

المؤسسة الأمنية أيضاً تعاني ذات الانشطارات القيمية، فمن جهة توجد هناك شخصيات وطنية مسالمة تمثل صوت العقل والهدوء والحكمة، وهي تنطلق في حركتها من مبدأ التسامح مع الناس والتعامل بالتي هي أحسن ومحاولة احتواء الجميع، في الجانب النقيض لا تعدم هذه المؤسسة وجود شخصيات متحفزة ساهمت بقصد أو عن غير قصد في تقييد حرية التعبير وبث ثقافة الخوف والتخوين وعدم الثقة حتى من أقرب المقربين، وهذه الثقافة لا تؤدي إلا إلى الانحراف وخيانة المجتمع والانقلاب على قيمه وهو ما رأينا بعض تجلياته في بزوغ مظاهر العبث والتخريب والاعتداء على الممتلكات العامة لدى بعض المحتجين من الجيل الثالث إضافة إلى بروز ظاهرة الخلايا والتنظيمات السياسية والأمنية التي تتكشف بين الفينة والأخرى.

المثقف العماني ذاته يعيش لحظة تيه حقيقية فهو يمشي في أرض ملغمة تتنازعها قيم متعارضة، فهو يريد الحرية ولكنه يعيش ثقافة القمع والتخويف، هو يريد التجديد ولكنه لا يجد سوى وجوه شائخة استمرئت الجمود والفساد، هو يريد الحفاظ على المكتسبات والمنجزات لكن الجيل الجديد يحاول أن يجرفه في أتون التغيير غير المنظم.

ما تحتاجه عمان اليوم هو حراك فاعل من قبل العقلاء القادرون على التواصل مع جميع أجيال المجتمع القديمة منها والحديثة، والتحاور مع جميع الأطراف الرسمية الحكيمة منها والمتحفزة، الهدف الأول هو وقف كافة أشكال العنف والتخريب والعبث بممتلكات الشعب ومكتسبات الوطن، إضافة إلى تقديم خطة عمل للحفاظ على المنجزات وإحداث تغييرات جذرية في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هذه التغيرات يجب أن تكون واضحة وشاملة وفق خطة زمنية مقبولة، وأول هذه التغيرات هي تلك القائمة على تفعيل دور مجلس الشورى باعتباره مؤسسة تشريعية مستقلة، وتأكيد مبدأ فصل السلطات، والتخلص بشكل نهائي من رموز الفساد، واستحداث منصب رئيس وزراء يؤسس حكومة تكون فيها الوزارات السيادية وقيادة القوات المسلحة بيد سلطان البلاد وفق دستور تعاقدي يكون الشعب فيه هو مصدر الشرعية.

نشر في جريدة الزمن العمانية بتاريخ 6/3/2011

One Response

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *