يناير 17, 2011 - فكر و حضارة    لا تعليقات

الانتفاضة التونسية دروس وعبر

فرّ مساء الجمعة 14/1/2011 طاغية تونس زين العابدين بن علي وهو المدرع بقوات الأمن والشرطة والجيش من أمام الجماهير الخالية من كل سلاح إلا سلاح الإرادة، ولى المستبد هارباً ولم يعقب أمام الأطفال والفتية الذين لا يملكون من القوة شيئا سوى قوة الإيمان بمبدأ الحرية. إن الانتفاضة الشعبية التونسية ضد الظلم، وضد الديكتاتورية وضد الجبروت لم تحطم أصنام الطغيان فحسب بل وأعطت جميع الشعوب العربية دفقا من أمل بغد أفضل وانتفاضات أكبر ضد الفساد والاستبداد. 

  

بخلاف الثورة الإسلامية في إيران والثورة البوليفارية في فنزويلا وبقية الثورات اليسارية في أمريكا الجنوبية تميزت الانتفاضة التونسية بميزة فريدة من نوعها، وهي ميزة غياب القيادات الملهمة التي تكون سببا في تحريك الشارع وتهييج الجماهير، فكل الانتفاضات والثورات الشعبية السابقة كان فيها شخصيات كارزمية ملهمة تنفخ في الأمة أنفاس الثورة وتسكب فيها وقود الاستمرار. فلذلك استبق المستبدون شعوبهم وقتلوا الشخصيات الملهمة وشردوها في بقاع الأرض، لا بل وتآمروا مع دول المنفى على تقييد تلك القيادات الشعبية وشلّ حركتها كي تموت مفجوعة منفية لا ترى أوطانها إلا في أحلام الموتى، الشعب التونسي اليوم يبرهن للطغاة أن قتل القيادات الملهمة أو تهجيرها لن يوقف طوفان الثورات الجماهرية ولن يستطيع أن يصد انتفاضات التحرر الوطني من الظلم والفساد والطغيان والاستبداد. 

  

من الدروس الرائعة التي تعلمتها الشعوب العربية من انتفاضة التحرير التونسية درس الصبر وقبول التضحيات، فالحرية لا تعطى والحقوق لا توهب وإنما تنتزع من المستبدين والفراعنه المتغطرسين. ومعظم الاحصاءات تكاد تجمع على أن الشعب التنوسي قدم قرابة السبعين شهيدا قبل هروب الطاغية، وهذا رقم بسيط جدا إذا ما علمنا ان مئات الشهداء كانوا يموتون سنويا في سجون الطغاة وفي مقابر الجوع ومساكن الصفيح التي رماهم فيها الزبانية. 

  

درس آخر من دروس الانتفاضة التونسية هو تأكيد الأهمية غير المسبوقة للعالم الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي في الانترنت، فعلى جميع الشعوب العربية أن تتعلم استخدام الانترنت وأن تبدأ في فضح الطغاة وأزلامهم وتعرية ممارساتهم أمام العالم، فهذا الفضح يقوي الثورة ويزيد من تماسك جماهير الانتفاضة، كما يساهم في ارتقاء الوعي الجمعي بضرورة المطالبة بالحقوق وعدم الخنوع للظلم. 

  

درس مهم آخر وهو التغلب على الدعايات الترهيبية التي يقوم بها الطغاة، ففي أول كلمة ألقاها الرئيس التونسي المخلوع أعلن عزمه الضرب بيد من حديد على المنتفضين في مدينة أبو زيد التونسية التي انطلقت منها شرارة الثورة، بيد أن خطابه ذاك كان عديم القيمة، فالنفس البشرية يتملكها الخوف -بل والرعب- قبل مواجهة الخطر ولكنها حين تواجه الخوف وتنغمس في أتونه يتبدد الخوف من القلوب تماما، وتحل محله رغبة عارمة في الحياة والانتصار على الموت. وفي هذا الإطار تروى بعض كتب التاريخ أن الإمام أحمد بن حنبل سُئل بعد محنة خلق القرآن: ألم تخشى بطش الخليفة؟ فقال: إنما هو السوط الأول. أي أنه كان خائفا قبل التعرض للتعذيب، وبمجرد ابتداء التعذيب تلاشت تلك المخاوف وصار كالجبل الذي لا تزعزعه الرياح ولا تهده الأعاصير. 

  

درس مهم آخر وهو أن ما زعمه الفلاسفة الاجتماعيون كبراتراند رسل وغيره من أن التقدم العلمي والتكنلوجي قد صادرا قدرة الشعوب على الثورة ضد الظلم والاستبداد بسبب استخدام الطغاة للتكنلوجيا في مراقبة ومتابعة  المعارضين وملاحقة كل من تشم فيه ريح الثورة، فالانتفاضة الشعبية التونسية أكدت بما لا يدع مجال للشك أن الإنسان قادر على التكيف مع جميع الظروف لا وبل هو قادر أيضا على الإبداع واختراق الحواجز، فلم تنفع جميع تنكلوجيات العالم التي كان يحتكرها بن علي، وانتصرت إرادة الشعب الذي لا يملك إلا تنكلوجيا الثورة من أجل الحرية، وكما ان الطغاة يمتلكون قدرا كبيرا من التكنولجيا تعينهم على التضييق ضد الشعوب فإن لدى الشعوب كذلك إمكانات إبداعية تستطيع بها التفلت من لاقبضة التكنلوجية للطغاة وهو ما حصل فعلا في تونس. 

 

كما زعم براتراند رسل أيضاً أن الثورات ضد الطغاة لا يمكن أن تنجح إلا كانت مدعومة بثورة من داخل القصور أو انقلابات العسكر أو بقوة خارجية تحتل الدول وتعمد إلى تغيير أنظمتها، الشعب التونسي أثبت لرسل ولغيره من الفلاسفة وعلماء الاجتماع أن الشعوب قادرة على التحرر من الظلم دون استعانة بالقوى الخارجية ودون انتظار لثورة العسكر أوانقلابات القصور. 

  

درس آخر نستفيده من الانتفاضة التونسية، وهو أن نجاح الانتفاضات الشعبية والثورات الجماهرية مرهون بوعي تلك الجماهير وقدرتها على مواجهة الدعاية الإعلامية للحاكم المستبد، فقد حاول النظام التونسي البائد أن يرهب المجتمع بفكرة (الانفلات الأمني) و(عصابات السرقة والتخريب) التي كان وراءها أجهزة النظام السرية، لكن الشعب التونسي كان واعيا لهذه المكيدة وأعلن منذ البدء أن تلك العصابات ليست سوى أسراب من قطعان أجهزة النظام المستبد، وهكذا يجب على كل الشعوب أن تعي مثل هذه الألاعيب التي قد تشل بعض الانتفاضات، بل أن الشعب التونسي قام بخطوة أكبر حيث عمد الأهالي إلى تنظيم صفوفهم من أجل تأمين مدنهم وحماية قراهم. 

 

من الدروس المهمة والتي يجب أن لا تغفلها الشعوب العربية، هو عدم حيادية وسائل الإعلام الغربية التي لم تبال بما يحدث في تونس، وكأن من يقتلون على أيدي الطاغية ليسوا بشرا، ولا إخوة لهم في الإنسانية، نفس تلك الوسائل هاجت وماجت متسابقة في نقل وتضخيم واختلاق الأكاذيب حول المظاهرات الإيرانية التي حدثت بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة. إن تجاهل وسائل الإعلام الغربية -خاصة الفرنسية منها- للأحداث في تونس ليؤكد على أن الإعلام الغربي ليس حرا ولا نزيها وإنما هو إعلام موجه من قبل السلطات الغربية التي لا تزال تضمر روحا غير متسامحة ليس مع العرب والمسلمين وحسب بل ومع بقية شعوب العالم غير الغربي. 

 

درس آخر أتمنى أن يعيه كل طغاة العالم خاصة المستبدون في عالمنا العربي، وهو أن ما حدث لنظام زين العابدين بن علي يمكن أن يحدث لأي نظام مستبد آخر، بل إن الوقت بات مواتيا لهبوب رياح التغير وإعاصير الثورات وزلازل الانقلابات، فالشعوب المظلومة بدأت تدرك هشاشة الأنظمة المستبدة وعدم ولاء جلاديها، بل إن أولئك الجلادين أنفسهم هم من أوائل الناس الذين سيتبرأون من النظام المستبد وسينقلبون عليه حتى لا يسحلهم الشارع سحلا انتقاما منهم وتشفيا. 

 

وعلى المفدسين المتعيشين على ظلم الأنظمة المستبدة أن يدركوا أن الشعوب واعية بما يفعلون، وأن الفرصة ربما لن تسنح لهم للهرب ومغادرة بلدانهم قبل أن يلقي الشعب عليهم القبض ويحاسبهم حسابا عسيرا، فعلى الطغاة احترام الشعوب وتخفيف القيود، وعلى المفسدين كف أيديهم عن نهب مقدرات الدولة، والتوبة إلى الشعوب، والأوبة إلى الضمير الوطني قبل أن يطاردوا في الأرض والسماء كما حصل لزين العابدين وجلاديه الذين رفضت الدول التي كانت تعينهم على الاستبداد استقبالهم. 

  

وأخيرا لا ننسى الدور الهام للمثقفين والمفكرين والشعراء في إلهاب مشاعر الجماهير، فالمثقف الحقيقي حيا كان أم ميتا جدير بنفخ روح الانتفاضة في الشعوب، وفي تونس كانت روح الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي تفيض على كؤوس الجماهير من شراب الثورة المقدس، وقد كانت الجماهير التونسية تواجه بطش جلادي النظام المستبد وهي تردد كلمات أبي القاسم التي يقول فيها: 

إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة * فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ 

ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي * ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ 

ومــن لــم يعانقْـه شـوْقُ الحيـاة * تبخَّـــرَ فــي جوِّهــا واندثــرْ 

إذا مـــا طمحــتُ إلــى غايــةٍ  * ركــبتُ المُنــى, ونسِـيت الحـذرْ 

ولــم أتجــنَّب وعــورَ الشِّـعاب * ولا كُبَّـــةَ اللّهَـــب المســـتعرْ 

ومــن لا يحــبُّ صعـودَ الجبـال * يعش أبَــدَ الدهــر بيــن الحــفرْ

نشر بتاريخ 17/01/2011 في مجلة الفلق على هذا الرابط http://alfalq.com/2072/الانتفاضة-التونسية-دروس-وعبر

اترك تعليق