يناير 13, 2011 - فكر و حضارة    لا تعليقات

السلطان الأكبر

 قراءة في خطاب السلطان قابوس في افتتاح مركز جامعة السلطان قابوس الثقافي

قليلة هي الامتيازات التي تمنحها الوظيفة للإنسان خاصة حينما يكون طبيبا لا يقدره الناس إلا ساعة يطيّر بهم المرض، ومن بين امتيازات الوظيفة في مستشفى جامعة السلطان قابوس شرف الحصول على فرصة استقبال السلطان قابوس في حرم جامعته التي صار موظفوها مؤتمنون عليها بمجرد الحصول على شرف العمل بين أرجاءها.

الجامعة عموما وقسم العلاقات العامة خصوصا يمثلان قمة المهنية سيما البروتوكولات الرسمية، فالتنظيم وتوزيع المهام والأدوار يضخان في الدماء شعورا بجلال اللحظة وهيبة الشخص الزائر، وقد تم توزيع المقاعد على شكل لوحة أنيقة يمثل الطلبة فيها الثمار اليانعة المتدلية من علٍو يكون فيها الموظفون وأعضاء هيئة التدريس بمثابة الشجرة التي تسقي وترفد تلك الثمار بما حباها الله من علم ومعرفة.

القاعة التي تجمّع فيها المستقبلون للزائر الكريم تسع خمسة آلاف شخص، وهي مصممة على هيئة ملعب مغلق يوجد على إحدى جنباته مسرح مجهز بجميع أدوات الإضاءة ومكبرات الصوت وشاشات العرض، وكنا نرقب لحظة قدوم الموكب السامي من خلال الشاشات المتعددة، وحين لاحت معالمه ضجت الصالة بالتصفيق الحار من الطلبة الذين غلبتهم الحماسة فلم تتوقف أيديهم عن التصفيق حتى دخل الضيف وقام له الجميع محيين وهاتفيين.

جاء لقاء السلطان بطلبة الجامعة وموظفيها مليئا بالحماس والعاطفة والأشجان، فزيارته إلى الجامعة تعتبر تشريفا كبيرا ليس للطلبة وحدهم ولا لأعضاء هيئة التدريس والموظفين وحسب بل هو تشريف للفكر والثقافة في عمان، فمن الجدير بالذكر أن السلطان لم يقم بافتتاح أيٍّ من منجزات النهضة العمانية طيلة السنوات العشر الماضية وإنما كان يوكل أمور الافتتاح إلى الوزراء وأفراد الأسرة المالكة باستثناء “الجامع الأكبر”.

وقيام السلطان شخصيا بافتتاح “الجامع الأكبر” و”القاعة الكبرى” ضمن مبنى “مركز جامعة السلطان قابوس الثقافي” يحمل إشارة واضحة مضمونها أن الدين والثقافة هما من أولى أوليات التنمية التي يستقى منها السلطان إستراتيجية البناء الحضاري للأمة العمانية، ويبدو كذلك أن ألقاب “الأكبر” و”الكبرى” ليست مسميات اعتباطية وإنما هي مفاهيم تحمل دلالات قاطعة على أن هذا السلطان “الأكبر” يريد كسر حواجز الأرقام القياسية للمنجزات الحضارية لمن سبقه من أئمة وسلاطين عظام تناوبوا على حكم هذا البلد العظيم، فيكون قد حقق لعمان ما لم يحققه غيره، وهذه الإنجازات لا تمثل مجدا شخصيا للسلطان وحسب، بل هي أيضا ضمانة للأمة العمانية تُلزم كل من يخلف السلطان على السير في طريق منجزاته “الكبرى”.

وكما جاء اللقاء صاخبا بالفرح والتصفيق والدموع من قبل الطلبة وموظفي الجامعة جاء خطاب السلطان مليئا بمشاعر الرضا والفرح السلطاني التي اختلطت بظلال الوداع التي أبكت الكثيرين.

افتتح السلطان خطابه بالتذكير بأنه رجل “الكلمة”و”صدق الوعد” وأن هذه الزيارة هي وفاء عهد قطعه السلطان في زيارته الأخيرة قبل عشرة أعوام في 2000م، حين قال للحضور أن اللقاء القادم سيكون في القاعة “الكبرى” من المركز الثقافي.

تمحور الخطاب السلطاني حول ثلاثة نقاط أساسية:

أولا: تأكيد أهمية العلم والمعرفة. وفي هذا الإطار تحدث السلطان عن متابعته مسيرة التعليم بمختلف مستوياتها، من المراحل الأولى إلى مرحلة الدراسات العليا، وأكد على متابعته مسيرة بعثات التعليم والأنشطة العلمية والثقافية التي يقوم بها المبتعثون. وذكّر بالمنجزات التي تحققت في هذا الصدد من إنشاء مؤسسات حكومية وتشجيع القطاع الخاص على المشاركة في الإنتاج التعليمي. ربما يقول البعض أن هذه المتابعة هي جزء من مهمات السلطان الاعتيادية، لكن آخرون ربما يرون أن المتابعة السلطانية تحمل في طياتها بشائر تغيرات ضرورية في مؤسسات التربية والتعليم بسبب تردي مخرجات التعليم وضعف المستوى العام لطلبة المراحل الأولى.

ثانيا: ضرورة متابعة التطورات العلمية على أساس من التدبر والتجربة. وهنا يطرح السلطان مفهوما تعليما حديثا يعرف بالتطور المهني المستمر أو Continuous Professional Education وهو يقوم على قاعدة الاستمرارية التعليمية وعدم الاكتفاء بالحصول على الشهادات، وهو متضمن في الأثر المنسوب إلى النبي الكريم “أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد”. كما تحدث السلطان عن تشجيعه المستمر لمؤسسات البحث العلمي، وجدير بالذكر أن صاحب السمو السيد شهاب بن طارق آل سعيد رئيس مجلس البحث العلمي كان حاضرا الخطاب، ولعله استقبل هذه الإشارة بكثير من الاهتمام والوعي بضرورة التقدم في مجال البحث العلمي.

ثالثا: الحديث عن معايير الجودة العالمية. وذلك يعني أن الإستراتيجية التعليمية للسلطان بدأت في الانتقال من الحديث عن (كم) في مخرجات التعليم إلى الحديث عن (كيف) في تلك المخرجات وجودتها، ومع أن الحديث عن الجودة يؤيده الجميع بيد أن البعض قرأ في هذا الكلام إشارة إلى عدم حضور خطط حكومية قيد التنفيذ من أجل القضاء على مشكلة انغلاق الآفاق أمام خريجي التعليم العام بسبب عدم وجود مؤسسات تعليم عالي تستطيع استيعاب أعدادهم المتزايدة.

أيضا تطرق خطاب السلطان إلى جدلية قديمة حين تطرق إلى التمييز بين ما سماه (العلم النافع) وما (لا طائل من ورائه)، وهذه القضية اختلف حولها الفلاسفة والمتكلمون، حيث ذهب فريق إلى أن كل العلوم مفيدة ولا يوجد علم غير نافع، وذهب آخرون إلى أن هناك علوما فاسدة كعلوم السحر والشعوذة والجريمة وهناك علوم نافعة، والرأي الأقرب إلى النفس هو أن كل العلوم مفيدة، ولكن استخدامات تلك العلوم هي محدد (النفع) و(الضر). بيد أن دعوة السلطان نحو ما سماه (العلم النافع) ربما يقرأ فيه البعض توجها حكوميا نحو (رأسملة) التعليم واعتماد المنهج البرجماتي القائم لا على أساس التعليم من أجل التعليم، وإنما من أجل التعلم بغية سد احتياجات سوق العمل، وهذا المنهج وإن كان قائما بالفعل خاصة إذا ما علمنا أن المكرمة السامية بتخصيص 1000 بعثة دراسية إضافية لم تتطرق إلى التخصصات المعرفية المتعلقة بالتاريخ والتراث بيد أننا نظن أن حديث السلطان عن العلم النافع إنما هو مرتبط بحديثه عن العلم القائم على التدبر والتجربة، أي أن السلطان لا يريد لطلبة العلم أن يتقبلوا العلوم والمعارف بصورة سالبة، فأمثال هذه العلوم النظرية لن تنفع أصحابها لافتقادها روح النقد المتمثلة في التجربة والتدبر.

في ختام حديثه أكد السلطان على دعوة الجميع إلى المثابرة والاجتهاد وبذل المزيد من الجهود من أجل بناء مستقبل أفضل لعمان وأبناءها، وشكر الحاضرين قائلا: (ونحن لا نشك في أنكم ستسعون لتكونوا عند حسن الظن بكم)، وهذه العبارة تحمل رسالة تكريم وطني للطلبة وموظفي الجماعة وأعضاء هيئة التدريس الذين يمثلون نخبة المجتمع فكريا وثقافيا في لحظة تاريخية انتشرت فيها الشائعات حول وجود خلية سرية تعمل ضد عمان والسلطان لصالح جهات خارجية.

ومن الملاحظ في هذا الخطاب أنه وبخلاف خطاب عام 2000م المرتجل والذي ما تزال كثير من عباراته ونصوصه حاضرة وبقوة في ذاكرة العمانيين خاصة تلك المتعلقة بدعوة السلطان إلى ضرورة اعتماد المناهج النقدية في القراءات المعرفية خاصة التاريخية منها، وحديث السلطان عن حرية التفكير ودعوته الحضور إلى عدم الخنوع لمن يريد مصادرة حرياتهم! جاء هذا الخطاب مكتوبا ومحسوبا كي لا يتكرر الجدل المثير الذي خلقته دعوة السلطان إلى عدم مصادرة الفكر بين النخبة المثقفة التي اعتبرتها جسرا للارتقاء بحرية الكلمة، وبين من اعتبرها حصان طروادة يريد منه المثقفون المنشقون تسميم أفكار المجتمع وإشاعة روح الحرية غير المسؤولة!

فهل جاء خطاب السلطان المكتوب متجاوزا حماسة كلمة ربما تخرج من شفاه السلطان فتخلق صخبا جديدا في وقت يريد السلطان فيه أن يطمئن على أن الأقدار إن لم تطاوع دعوات المحبين فإنه لن يغادر هذا الوطن إلا وهو كما تمنى له وأراد (وطن السلم والأمن والأمان)؟!

لم يحمل خطاب السلطان وعودا كبيرة ولم يتحدث عن منجزات قريبة ولم يشر إلى أية لقاءات قادمة مع أبناءه الطلبة، فساد شعور عميق بالحزن، وكأن هذا اللقاء يمثل اللقاء الأخير وأن هذا الخطاب بمثابة “خطبة وداع” من أب “أكبر” يريد أن يطمئن على أن أبناءه سيكونون دائما عند حسن ظنه بهم فختم خطبته الوداعية بالقول (ونحن لا نشك في أنكم ستسعون لتكونوا عند حسن الظن بكم ونسأل الله دوماً أن يمدنا بعونه وتأييده، وأن يوفقنا إلى سبيل الخير. {ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا} والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

نشر هذا المقال في 20 ديسمبر 2010 في مجلة الفلق الإلكتورنية (http://alfalq.com/1950/السلطان-الأكبر)

اترك تعليق