كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

غزة … وفلسفة الدعاء


 اعتذر للقارئ الكريم إذ اكتب هذا المقال على عجالة من أمري حيث احزم أمتعتي استعداد للسفر عودة إلى أرض الوطن، ولكن قررت أن اكتب هذا المقال إجابة على تساؤل الأخ علي بن سليمان الرواحي وهو كاتب وصديق ذو ميول ليبرالية، حول فلسفة الدعاء في أزمة غزة الحالية. فالأخ علي يرى من منطلقاته الفكرية أن الدعاء كما يقول في منتدى الفلسفة الصغرى في موقع فرق (لا يخفى على الجميع أن اللجوء للدعاء وبقية تنويعات المقدس، يكشف عن عجز ٍ دنيوي في التعامل مع الأحداث والوقائع، وعن عدم قدرة هذا الكائن على مواجهة التحديات المختلفة بنفس الآليات والطرق.)اهـ.  على هذا الرابط
http://www.farrq.net/forums/showthread.php?t=2532
 
وأقول للأخ علي وغيره من الليبرالين والعلمانيين أن عليهم مراجعة مناهجهم الفكرية والفلسفية، فلا يليق بمن نصّب نفسه في قائمة النقّاد والمحلّلين أن يقع في فخ النتائج المسبقة التي لا تحجر صاحبها في سجون الزاوية الواحدة في النظر وحسب بل هي أيضا تقيد عقولهم عن الانطلاق في فضاء الرؤية الكلية والقراءة الشمولية.  وكثيرا ما يقع المتعصبون المتدينون والملحدون على حدّ سواء في فخاخ النتائج المسبقة التي تجرفهم بعيدا عن الموضوعية والبحث العلمي الملتزم بالحِرَفية الأكاديمية.
إن فلسفة الدعاء في الإسلام ليست تعبيرا عن العجز الدنيوي كما يزعم الرواحي بل الدعاء تعبير عن الوصول إلى أقصى غاية ممكنة في العمل الدنيوي، فالدعاء لا يأتي من المؤمن إلا حين ينجزّ واجباته ومهامه بإخلاص وإتقان وتفان بحيث لا يبقى هناك شيء باستطاعته فعله إلا وقد أنجزه، وما وراء ذلك مما يقع خارج نطاق قدرته البشرية، فهو يوكله إلى الله القادر في الضمير المؤمن على فعل كل شيء.
    

إن الدعاء الذي يتحدث عنه الرواحي والقائم على التسليم بالعجز لا يسمى في العرف الإسلامي دعاءً وإنما هو تواكل جاء الإسلام لتصحيح مفاهيمه في أذهان المؤمنين، وقد مررت شخصيا بتجربة قريبة جداً حيث خضت في الأيام الماضية امتحانات الزمالة الطبية لنيل شهادة FRCPath  

الطبية من الكلية الملكية البريطانية لعلوم الأمراض، وهي امتحانات أقل ما يقال عنها أنها الأصعب في مسيرة أي طبيب، ولكن بفضل الله تعالى اجتزتها بكل سهولة ويسر وتوفيق من الله بعد أن أنجزت ما تتطلبه الامتحانات من دراسة وبحث ومراجعة واستعداد وتهيئة نفسية وكان للدعاء دور كبير في تثبيت أقدامي وشعور بالثقة بالنفس والاقتدار وعدم الاضطراب بالرغم من طول الامتحانات العملية والتحريرية التي كانت لمدة أربعة أيام متوالية وفي كل يوم ثمان ساعات من الضغط النفسي والإنهاك الجسدي، ولكن توفيق الله وبركة الدعاء والأخذ بالأسباب جعلتني اجتاز الامتحانات بنجاح بينما تساقط الكثيرون حتى من البريطانيين أنفسهم لتقصيرهم إما في العمل أو في الدعاء الذي كنت أحضهم عليه حضا!

مشكلة الليبراليين أنهم ينظرون إلى الإنسان لا باعتباره كلاً واحداً بل باعتباره مقطعاً مجزءاً وأنه ليس سوى عقل محض، ولكن الإنسان أكثر تعقيدا واشتباكا مما يطرح الرواحي وغيره، بل الإنسان كما يقول فهمي جدعان في كتابه المميز “الطريق إلى المستقبل” عبارة عن عقل ووجدان ولا شعور وخلفيات معرفية ورغبات فطرية، كل هذه تتفاعل وتتمازج لتنتج لنا الفكر والسلوك البشري. والدعاء يأتي موافقا للتوجه العقلي بربط الأسباب بخالقها، وموافقا مع الوجدان واللاشعور والخلفية المعرفية القارة في أعماق الفطرة بأن الارتباط بالله عملا ودعاء هو السبيل إلى النجاح والفلاح.


زكريا بن خليفة المحرمي -لندن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *