كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

الإعلام العربي والحراك الشعبي عمان نموذجا

         سنحاول في هذه االدراسة أن نقيّم آداء الإعلام العربي عامة والعماني خاصة في الفترة الماضية التي شهدت حراكا شعبيا عربيا غير مسبوق، فالمراجعات والعودة إلى الذات وتقيم المنجزات يعتبر أساسا مهما من أسس التقدم والبناء الحضاري.
نحن لسنا هنا في وارد هجاء طرف أو الانتقاص من مؤسسة ما، بل نحن هنا لنعيد حساباتنا بما يمهد الطريق لغد أفضل.
الإنسان مدني بطبعه حسب تعبير ابن خلدون، والمدنية في هذا الإطار تعني الاجتماع والاندماج في كيانات بشرية كبرى، وهذا الاندماج يوفر للإنسان القدرة على توفير احتياجات حياته من مأكل ومشرب ومسكن إضافة إلى الشعور بالأمن النفسي والأمان الاجتماعي، وهذا الطبع أو الغريزة تفترض عليه الاجتماع بغيره والتواصل معهم لتبادل الخبرات والمعارف والهموم والأحلام، وحين ابتدأت حياة الإنسان في التطور والتعقيد اضطر الإنسان إلى اختراع وسيلة تحفظ له معارفه وتقوم بنقل المعلومات من مجموعة بشرية إلى مجموعة بشرية أخرى. يقول المفكر العماني خميس بن راشد العدوي أن الكتابه مثلت ظاهرة غير اعتيادية ما تزال موسومة في ضمير كثير من المجتمعات البشرية بقوة سحرية، وهو ما يتجلى في ظاهرة الطلاسم والحروز والتمائم.
أدى اختراع الآلة الطابعة وانتشار الكتب إلى تدفق هائل في المعلومات في أوربا الأمر الذي أدى إلى ثورة معرفية وثورة اجتماعية وسياسية كما حصل في فرنسا. ثم انتقل الإعلام من الكتابة بتجليتاها المختلفة (الكتاب، المجلة، والجريدة) إلى الإذاعة ومن ثم التلفزيون وانتهاء بالإنترنت والهواتف الذكية.
ومع كل هذه السلسلة من الاختراعات في صناعة الإعلام يظل التلفزيون هو الأكثر تأثيرا، ذلك أنه قائم على الإبهار البصري الذي يعد أهم وسيلة لانتقال المعلومات. ويرجع الخبراء ذلك إلى أن العقل مجبول على ملاحظة اية حركة في مجال الرؤية كنوع من الدفاع عن النفس وهو ما يعرف بالاستجابة الموجهة. وقد وجد هؤلاء ان الاستثارة المتواصلة لهذه الغريزة تعمل على شل تفكير العقل فيما يشبه التنويم المغناطيسي.
أدرك علماء النفس أهمية وسائل الإعلام في التأثير على الأفراد فلهذا أسسوا ما يعرف باسم “علم النفس الإعلامي” وهو يدرس تأثير الإعلام على الشعوب. من الشخصيات العلمية المهمة في هذا المجال إدوارد بيرنز وهو ابن أخت الطبيب النفسي الكبير سجموند فرويد، انتقل بيرنز من النمسا إلى أمريكا وتوصل إلى نتائج حاسمة فيما يتعلق بتأثير وسائل الإعلام على المتلقين، فانشأ ما يعرف بعلم الإقناع الجماعي، واستخدم في المجال التجاري والسياسي. أدرك بينرنز وزملائه أن الإعلام قادر على ممارسة عملية غسل العقول وتشكيلها وفقا لثقافة الصورة المعروضة في الشاشة، فالإعلام هو الصانع للإيديولوجيا وهو المحدد للأهداف وهو الذي يصيغ الشعارات التي ترددها حناجر الجماهير.
وهذه الحقيقة يقر بها نائب الرئيس الأمريكي آل جورج في كتابه “الهجوم على العقل” بالقول: “ إن إمكانية التلاعب بآراء الجماهير ومشاعرهم يستغلها حاليا بصورة أشد عدائية جيل جديد من أنصار المذهب الماكيافيللي في الإعلام”.
لقد كان الإعلام وما يزال أداة من أدوات الحرب، فقديما كان الناس يستخدمون الشعر والأساطير، وبعد اختراع الطباعة قامت الثورة الفرنسية، وقد استغلت النازية والفاشية الإيطالية والشيوعية الروسية الإذاعة لترسيخ إيديولوجياتها. أما التلفزيون فقد كان العامل الاهم في إسقاط المعسكر الشرقي بداية من هدم سور برلين مرورا بحرب تحرير الكويت وانتهاء بإسقاط الاتحاد السوفيتي. ثم جاءت الانترنت لتقيم ما عرف بالثورة الخضراء في إيران عام 2009 التي سميت بثورة التويتر والربيع العربي الذي عرف بثورة الفيسبوك.
الإعلام العربي والحراك الشعبي:
في عالمنا العربي تمثل القنوات التجارية كقناة الجزيرة والقنوات الإخبارية الأخرى كالعربية والبي بي سي أهم مؤسسات الإعلام غير الرسمية حسب كثير من التقارير الدولية والعربية، وهي توفر قدرا أكبر من الحرية والموضوعية في التعاطي مع الشأن العربي مقارنة مع الإعلام الرسمي العربي الذي يعاني من إشكالات بيروقراطية وإيديولوجية عدة.
اعتمد الإعلام الرسمي في تغطيته للحراك الشعبي داخل بلدانه على التاءات الأربع، وهي التجاهل، والتكذيب، والتشويه، والتأليب ضد المحتجين. في المقابل اعتمدت وسائل الإعلام التجارية على الانتقائية حيث توسع في تغطية الحالة المصرية والليبية والسورية بينما أهملت عن سابق إصرار وترصد ما يحدث في مناطق أخرى. كما اعتمد هذا الإعلام على تضخيم الحوادث وفي أحيان ليست بالقليلة على بث الإشاعات غير الصحيحة. إضافة إلى ما بدأ يطفو على السطح من تحريض موجه ضد بعض الأنظمة، خاصة النظام السوري. في هذا السياق بدا واضحا أن الإعلام الرسمي للدول التي اعتبرت الإعلام التجاري محرضا ضد انظمتها استحدثت حربا تحريضية مضادة لإفشال المشروع الذي تقوده قنوات الإعلام التجاري، حتى ليمكننا تلخيص حالة الإعلام العربي بالقول انه إعلام تحريض وتحريض مضاد.
الإعلام العماني:
ابتدأ الإعلام العماني تغطية الأحداث بعد وقوعها مباشرة، ويبدو أن دافعه وراء ذلك كان أمران، الأول: أنه وعى الدرس الذي فشل فيه الإعلام المصري وغيره. الثاني: أراد استعياب المشاهد العماني حتى لا يتوجه إلى الفضائيات ومواقع الانترنت حيث يتم صناعة وتعليب الاشاعات، فمنذ بداية المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن في صحار بتاريخ 27 فبراير 2011 عمدت جميع وسائل الإعلام العمانية إلى محاولة استيعاب المشاهد العماني وتقديم الخبر الموثق إليه بعيدا عن التضخيم أو التهوين.
كما عملت تلك الوسائل في اليوم التالي للأحداث أي في 28 فبراير إلى فتح برامجها الإذاعية والتلفزيونية لتغطية أحداث المواجهات والنقاش حول أسباب ما جرى وتحديد النقاط التي ينبغي البناء عليها لتصحيح ما حصل.
كانت تلك التغطية مدهشة للمتابع العماني وغير العماني إلى درجة حدت بمجلة ميدل إيست أون لاين في ذات اليوم إلى نشر مقال يحتفي بتغطية الإعلام العماني للأحداث بعنوان (الإعلام العماني الأقل تعتيما). وتقارن فيه المجلة بين أداء الإعلام العماني وأداء الإعلام المصري والتونسي والليبي واليمني وغيرها من الإعلامات العربية لتصل بعدها إلى هذه النتيجة الحاسمة والتي كانت تعبر بلا شك عن رأي المشاهد والمواطن العماني أيضا، فقد علق بعض المحتجين عن ارتياحهم للتحول الذي حصل في الإعلام العماني وأثنوا على الانفتاح الإعلامي المدهش الذي حصل في اليوم الثاني للأحداث في عمان. كما أشاد موقع “الجزيرة نت” في 18 أبريل بالتغيير في الإعلام العماني وانفتاحه على المجتمع، ونشر مقالا بعنوان (الإعلام العماني على خطى التغيير). فإن كان المحتجون العمانيون وكثير منهم مثقفين وغيرهم غيره يصفون تغطية الإعلام في أيام الأحداث الأولى بالمهنية والموضوعية فما هو موقف المواطن العماني إجمالا من الإعلام العماني؟
لاكتشاف حقيقة المواطن العماني من الإعلام الرسمي في بلاده آثرنا التوجه مباشرة إلى المواطنين العمانيين من خلال القيام باستبيان مصغر حول موقف المشاهد العماني من التلفزيون العماني باعتبار التلفزيون أهم وسيلة إعلامية لتوجيه وصناعة الرأي العام.
تشير نتائج إلى قلة متابعة العمانيين لتلفزيونهم المحلي، وهذا ليس مستغربا فقد أشار نعوم تشومسكي في كتابه “صناعة الرأي العام” إلى أن الإعلام التجاري استطاع إزاحة الإعلام الرسمي حتى في الدول الكبرى، مما اضطر الإعلام الرسمي إلى الاندماج مع الكيانات التجارية الصاعدة”، وهو ما يمكن تلمسه في أداء قناة الجزيرة القطرية مقارنة بتلفزيون قطر الرسمي، أو قناة العربية السعودية مقارنة بقنوات المملكة الرسمية.
كما أن الإعلام التجاري يتميز بتعدد الشركات المتنافسة وبالتالي تعدد المنتج المرئي بين إخباري وتنويري وترفيهي بحيث لا يستطيع أي إعلام رسمي الجمع بين جميع هذه المنتجات المختلفة.
كما تشير نتائج الاستطلاع إلى أن 40% من المشاركين في الاستبيان لا يثقون في الإعلام العماني، وأن 48% منهم لا يعتبرون تغطية الإعلام للحراك الشعبي مهنية! هذه النتيجة بالخلاف من ما توصلت إليه مجلة ميدل إيست أون لاين، وهي نسبة كبيرة جدا، إذا ما أدركنا أن دور الاعلام الرسمي في أي دولة هو إقناع الغالبية العظمى إن لم يكن جميع المشاهدين والمتابعين بمصداقية خطاب هذا الإعلام.
علينا التذكير ابتداء ببعض الأمور الأكاديمية حتى لا ننجرف خلف الأوهام:
أولا: عدد الذي شاركوا في الاستبيان قليل جدا جدا بحيث من الصعب البناء على نتيجته.
ثانيا: توقيت الاستبيان كان بين أغسطس إلى أكتوبر، وهو وقت متأخر جدا عن الأحداث بحيث ساهمت عوامل متعددة في صياغة تصور المشاركين حول اسئلة الاستبيان.
ثالثا: السؤال بصيغة “هل تثق في الإعلام العماني” قد يكون مضللا لأن الثقة لا تكون بالمطلق وعدمها لا يمكن أن يكون بالمطلق.
رابعا: السؤال بصيغة “هل كانت تغطية الأحداث موضوعية” يفترض تحديدا لمعايير الموضوعية أو المهنية وهو ما لم يتضمنه الاستبيان.
خامسا: واضح جدا أن وجود منافسين أقوياء كقناة الجزيرة وغيرها من الفضائيات فرضت على ذهنية المشارك نمطا معينا في الإجابة على السؤالين الأخيرين وذلك عن طريق المقارنة بآداء تلك القنوات.
لقد كانت الإجابة على السؤالين الأخيرين بنعم أو لا تحتوي على فخ عاطفي كبير تفطن له البعض ووقع فيه آخرون!
إذن هل نرفض هذا الاستبيان ونرميه في سلة المهملات بسبب احتواءه على كل تلك الملاحظات الأكاديمية؟ لاختبار نتائج الاستبيان قمنا ببحث بمراجعة أرشيف الإعلام الرسمي العماني المنشور لعلنا نحضى بدراسة تقارب مضمون دراستنا الحالية، ووجدنا أن جريدة عمان “الرسمية” قد نشرت ملفا بتاريخ 5 أبريل 2011 استطلعت فيه الأخت هدى الجهوري آراء ثمان شخصيات إعلامية وثقافية ثلاث منها انتقدت الإعلام واعتبرت تأخره سببا لانتشار الإشاعة في المجتمع، و اثنتان اعتبرتا الإعلام الرسمي المصدر الأوثق للمعلومة الصادقة، بينما ذهب رئيس جمعية الكتاب إلى أن الإعلام لم يغطي القضايا التي تم النقاش حولها في مواقع الاعتصامات. أما الدكتور حسني نصر أستاذ الصحافة في جامعة السلطان قابوس قال أن الإعلام العماني كان مرتبكا ومقيدا. ووافقه على هذا الرأي داود بن سليمان القاسمي مدير دائرة الأخبار في الإذاعة العمانية الذي أقر بوجود إرباك وعزاه إلى التوجيهات المضطربة من المسؤولين.
إضافة إلى هذا الاستطلاع الذي نشرته جريدة عمان قمنا كذلك بمحاولة استقراء لمشاركات الأعضاء في المنتدى العماني الحواري الأبرز “سبلة عمان” حول تغطية الإعلام العماني للحراك الشعبي في عمان، في الأيام العشر الأولى من الأحداث.
تنوعت الكتابات بين عدة مواضيع منها ما هو محتفٍ بآداء الإعلام الرسمي، وتنوعت مواضيع الكُتاب كالتالي: الدعوة إلى عمل برامج حوارية في التلفزيون (1)، الدعوة إلى النقل المباشر من قلب الحدث (2)، الإحتفاء بالانفتاح الإعلامي يوم 28 فبراير (1)، وشكر خالد الزجالي لاستضافته للشيخ الخليلي (2)، وشكر التلفزيون لشفافيته في نقل اتصال حسين العبري (1)، ونقد شفافية التلفزيون المفرطة والتي اظهرت المواطنين العمانيين في هيئة لصوص وقطاع طرق (1).
في الجانب الآخر كانت هناك كتابات ناقدة لآداء الإعلام، وتنوعت مواضيع النقد كالتالي: المطالبة بتطوير الإعلام العماني (1)، نقد تغطية مسيرات الولاء العرفان (1)، المطالبة بتلفزيون مواطنين لا تلفزيون حكومي (1)، المطالبة بإقالة كبار المسؤولين في الإعلام (1)، دعوة لاعتصام الإعلاميين أمام الوزارة (4).
من مجمل هذه الكتابات نستطيع ملاحظة انقسام مواقف المواطنيين والكتاب حول آداء الإعلام الرسمي العماني قبل وآثناء الأحداث في فبراير، مع شبه إجماع على مهنية الإعلام في الفترة الأولى من ذلك الحراك.
السؤال الذي يجب أن يطرحه المسؤول الإعلامي العماني هو لماذا توجد شريحة ليست بالقليلة في المجتمع غير راضية عن آداء هذا الإعلام؟ للإجابة على هذا السؤال ينبغي علينا البدء مما قبل الأحداث وكيف تعامل الإعلام العماني مع تطورات المشهد الداخلي:
أولا: الإعلام العماني لم يتطرق إلى
-اعتصامات المعلمين في 2010
– المسيرة الخضراء الأولى يناير 2011
ثانيا: المسيرة الخضراء الثانية التي تداعى لها الشباب العماني من مناطق مختلفة وحضرها حشد كبير من الكتاب والأدباء والمدونين فقد عبر عنها الإعلام العماني بهذا الخبر الذي نشرته وكالة الأنباء العمانية واستنسخته جميع وسائل الإعلام العمانية.
مسقط في 18 فبراير/العمانية/ نظم عدد من المواطنين معظمهم
من الشباب أمام حي الوزارات بالخوير مساء اليوم مسيرة شارك
فيها نحو 300 مواطن رافعين لافتات مؤيدة لحضرة صاحب الجلالة
السلطان قابوس بن سعيد المعظم/ حفظه الله ورعاه/.
كما تقدم المشاركون في المسيرة ببعض المطالبات في
المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية.
ثالثا: أما في وقت الأحداث فقد نشطت وكالة الأنباء العمانية في بث كل جديد حول تطورات الوضع في صحار، في البيان الصادر يوم 27 فبراير وصفت الوكالة المحتجين بأنهم مجموعة مخربة، وعادت في ذات اليوم إلى تغيير هذا الوصف واستبدلته بمصطلح (المجموعة الاحتجاجية) الذي صار الإصطلاح الرسمي لوصف مجموعة المحتجين في صحار.
 بداية علينا تسجيل حقيقة مهمة وهي أن الإعلام العماني لم يكن تحريضيا لا ضد الحكومة ولا ضد المحتجين، والدليل أنه امتنع عن وصف المحتجين بالصفات المشينة كما فعل الإعلام الرسمي في كثير من الدول الخليجية والعربية اتجاه المحتجين في بلدانهم. كما أن التغيير في الاصطلاح يأكد رغبة الإعلام في استيعاب المحتجين واحتضانهم بدل تنفيرهم والتأليب ضدهم.
رابعا: من خلال متابعة بيانات وكالة الانباء العمانية نلاحظ هبوطا تصاعديا في الأنباء المتعلقة حول الحدث العماني فقد نشرت هذه الوكالة سبعة عشر نبأ في اليوم الأول للأحداث بتاريخ 27 فبراير وتناقص العدد في يوم 28 عشرين إلى أربعة عشرا ولم تنشر سوى أربعة في غرة مارس.
ابتداء من غرة مارس لم تتراجع تغطيات وكالة الأنباء العمانية فحسب بل حتى أداء التلفزيون والإذاعة العمانية في تغطية المشهد العماني، فالبرنامج الإذاعي المباشر تحول إلى برنامج تذاع فيه المشاركات المسجلة، فصار ذلك البرنامج أشبه ببرنامج هذا الصباح.
خامسا: فاجأ حسين العبري بتاريخ 2 مارس مقدمي البرنامج التلفزيوني “هنا عمان” بانتقاده اللاذع لأداء الإعلام العماني، ولقصر وقت البرنامج انهى المذيع خالد الزدجالي المكالمة مع وعد بالتواصل مع العبري في لقاء بعد أيام. ولكن ذلك اللقاء لم يكن مباشرا بل كان مسجلا وظهر فيه حسين أقل نقدا للإعلام، مما حدا به إلى الاعتصام بتاريخ 7 مارس أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون بدعوى أن الإعلام لم يظهر المقابلة كاملة، وتلاه بعد ذلك اعتصام للإعلاميين العمانيين بتاريخ 8 و 9 مارس أمام نفس المبنى.
وكالة الانباء العمانية والإعلام العماني لم تتطرق إلى هذه الأحداث، ولم تلتفت إلى اعتصام العاملين في ذات المؤسسة. في الجانب الآخر غطت جريدة الرؤية العمانية “غير الرسمية” أخبار ذلك الاعتصام ونشر محمد رضا اللواتي مقالا أجمل فيه مطالبات الإعلاميين وهي بحسب اللواتي أربعة: الحرية الإعلامية، وتحسين أوضاعهم الإدارية والمالية، وتغيير قانون المطبوعات والنشر، والمطالبة بتغيير بعض المسؤولين في الوزارة.
نلاحظ من تسلسل الأحداث أن هناك ارباكا واضحا في آداء الإعلام العماني كما ذكر من قبل الدكتور حسن نصر وداود القاسمي، ولعل لهذا الارتباك ما يبرره لأن الحدث كان عظيما وفجائيا، وفشلت كثير من الإعلامات العربية والأجنبية في التعامل مع هكذا أحداث.
أما لماذا ينتقد البعض آداء الإعلام العماني قبل الأحداث، وهو ربما يكون السبب الأهم في بناء مثل هذا التصور السبلي اتجاه الإعلام العماني، فيمكن إجمالها في ثلاثة أسباب:
أولا: يبدو ان الإعلام العماني حساس جدا اتجاه صورة المجتمع العماني والدولة في الداخل والخارج، بحيث يحاول قدر الإمكان تجنب تشويه تلك الصورة. هذا التوجه الإعلامي يمكن اعتباره نابعا من الثقافة العمانية وخصوصيتها القائمة على مبدأ “واجهة المنزل” أو (مجلس الضيوف) الذي يستقبل فيه الزوار والضيوف، فلهذا يعمد أهل البيت إلى جعله المكان الأنظف والأجمل حتى يبهر الزائرين، وإن كان البيت في كثير من الأحيان أقل بهاء من (المجلس).
 ونحن نتفهم هذه الخصوصية ولكن علينا أن لا نفرط في ممارستها لأن تقديم صورة طوباوية حالمة عن المجتمع العماني والابتعاد عن الحديث عن هموم المواطن وتطلعاته سيجعله يتجه إلى قنوات أخرى التي ربما تبث الإشاعة والأكاذيب وتؤدي إلى هدم جدران البيت فلا يبقى لنا لا مجلس للضيوف ولا حتى دورات مياه. كما أن الضيوف صاروا زاهدين أصلا فيما نقدمه لهم ذلك أن المنافس التجاري كالقنوات الفضائية العملاقة صارت هي محط الزوار والضيوف وليس الإعلام الرسمي.
وربما يمكننا الحفاظ على خصوصية (مجلس الضيوف) من خلال استثمار البرنامج الثاني للتلفزيون وبرنامج الشباب في الأذاعة للتركيز على الحدث العماني.
ثانيا: بعض المواطنين العمانين يرون أن الحدث العماني لا يمثل أولوية في وسائل الإعلام الرسمية، فيكفي أن تستمع إلى مقدمة نشرات الأخبار التلفزيونية أو الإذاعية أو أن تنظر إلى الصفحة الأولى من جريدة عمان الرسمية لتجد أن عمان بأحداثها غير حاضرة إلا على استحياء، بينما الأخبار كلها مخبوءة خلف الصفحة الأولى، أو في الأخبار المحلية في الإذاعة، ومعظم تلك الأخبار لا تتطرق إلى ما يعتبره المواطن أولوية في حياته مثل المشاكل المالية والإدارية والخدمية التي تقدمها الحكومية، فعلى المسؤول الإعلامي ان يسعى إلى إعادة ترتيب الأخبار بحيث يكون الحدث العماني وإن صغر مقدما على الخبر الدولي وإن عظم.
ثالثا: عدم وجود برامج حوار مفتوحة تشعر المواطن بأن صوته يصل كاملا دون تعديل أو مونتاج كما هو الحال في بدايات برنامج البث المباشر وبرنامج هذا الصباح الذي خسر كثيرا من متابعيه بسبب تغير سياسية المشاركة فيهما.
قد يقول البعض ان السبب الأهم في تقليل مثل هذه البرامج عائد إلى قلة مشاركة المتحدثين المتمكنين وكثرة مشاركات الشخصيات المجهولة أو غير المثقفة والتي كثيرا ما تتجاوز المسموح فيه عرفا وقانونا في هكذا برامج، وهنا نأتي إلى ضرورة تشجيع المثقف العماني إلى المشاركة في هكذا برامج لملأ الفراغات وسد الثغرات، فالمثقف العماني يبدو انه لا يختلف كثيرا عن المواطن في افتقاده للخبرة والدربة على إدارات حوارات جادة قائمة على التكثيف الكمي في زمن محدود، كما حصل مع الدكتور حسين العبري الذي احتاج إلى أكثر من ساعة إلى إيصال رسالته عبر الإعلام!! فإذا به يشتكي بعد ذلك من الإعلام الذي اختصر تلك الرسالة إلى عشرين دقيقة.
إن وجود برامج حوارية مفتوحة يحتاج إلى إعلاميين ذوي خبرة وحنكة وسعة معرفة، وهو أمر يعود إلى المسؤول الإعلامي كي يوجه بعضا من جهد المؤسسة الإعلامية لاصطناع هكذا كوادر.
الخلاصة والتوصيات:
اولا: الإعلام الرسمي في جميع دول العالم بما فيها الدول المتقدمة قد تحجم دوره وتلاشى أمام سطوة الإعلام التجاري، فتطلعات المتابع من أي إعلام رسمي يجب أن يكون مستحضرا لهذه الحقيقة.
 ثانيا: الإعلام العماني بشهادة الداخل والخارج هو الأفضل أداء بين الإعلاميات الرسمية العربية خاصة فيما يتعلق بالحراك الشعبي.
ثالثا: عمان بحاجة إلى الاستثمار في قطاع الإعلام التجاري، لتقليل الضغط على الإعلام الرسمي. وهنا أشيد بتجربة برنامج (منتدى الوصال) الذي أعده وقدمه المذيع العماني خالد الراشدي، وقد ساهم في تنفيس كثير من الاحتقانات المعتملة في صدور الكثير من الشباب الذين تنقصهم الخبرة في إدارة نوبات الغضب.
رابعا: على الحكومة العمانية تشجيع تأسيس مؤسسات قطاع مدني بحيث يظهر ممثلوها في الحوارات الإعلامية للتغلب على ظاهرة المشاركات غير المنضبطة لشخصيات مغمورة أو غير معروفة الهوية.
 

هذه الدراسة عبارة عن ورقة عمل تم تقديمها في أمسية النادي الثقافي، مسقط في يوم 24 اكتوبر 2011

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *