كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

من وحي ندوة القيم العمانية

ما يزال الحديث حول ندوة “القيم العمانية ودور المواطن في التنمية” التي أقيمت قبل أيام في جامعة السلطان قابوس مستمرا لا لفرادة الموضوع وحسب بل ولأسباب أخرى كثيرة سنحاول ملامسة كفل منها في هذا العرض الموجز. علينا التأكيد ابتداء أن القيم هي الحاكم الحقيقي والوحيد لعلاقة الإنسان لا مع الآخر وحسب بل ومع ذاته ومع خالقه، فالقانون حين يفرغ من القيم لا يمثّل سوى أداة مادية يمكن للإنسان تجاوزها حين لا تحضر السلطة التنفيذية الحامية لذلك القانون.

والعالم العربي اليوم يعيش لحظات انفجار بركاني هائل عبَرت إحدى نسائمه الحارة على أجواء مجتمعنا العماني المعروف بالدفء والهدوء والسلام، في هذا البركان شاهدنا العربي يحمل السلاح في وجه أخيه العربي، ورأينا الدماء العربية وهي تسيل لا بأيدي مرتزقة وافدين بل بيد عربية خالصة، والكل يزعم أنه المعصوم من الخطأ وأنه صاحب الحق المصطفى، فإن لم يتم استدعاء القيم في هذا الوقت الذي زاغت فيه الأبصار وبلغت القلوب فيه الحناجر، فمتى أوانها؟.

الفلسفة التجريدية ودور الإنسان في التنمية

القيم في حقيقتها هي أفكار نظرية، تتعدد مصادرها ومراجعها بين الدين والتجربة البشرية، وقد تباينت أساليب الحضارات المختلفة في التعاطي مع موضوع القيم، فحين مال اليونان والغربيون من بعدهم إلى التنظير التجريدي لموضوع القيم والأخلاق كما نجده عند أفلاطون وأرسطو وكانط وهيجل، نجد أن العرب آثروا ربط موضوع القيم بحركة الإنسان في الحياة، فلهذا كان الحديث عن القيم مرتكزا لا على بحث أسسها النفسية والاجتماعية وإنما على حض الناس على التحلي بها وذم من يتخلى عنها، والأمر ذاته نجده بعد ذلك في الحضارة الإسلامية التي اعتبرت الأخلاق جوهر الدين حين قال نبي الإسلام “الدين المعاملة”، وهي قولة كاشفة عن منهج التعامل القيمي الواقعي بعيدا عن اللجج في أصول القيم وفروعها النظرية.

من هنا نجد أن عنوان الندوة الذي ربط القيم بدور الإنسان في التنمية يشير إلى وعي صاحب فكرة الندوة إلى الأبعاد الفلسفية التي تميز الحضارة العربية الإسلامية عن غيرها من الحضارات البشرية. بيد أن الأمر بالنسبة إلى الحضارة العربية قد لا يبدو بهذا التبسيط الذي قد يبدو مخلا بل الأمر أكثر تعقيدا واشتباكا، فقد ذهب ماجد فخري إلى أن تاريخ التعاطي مع موضوع الأخلاق في الحضارة العربية الإسلامية لم يسلك مسلكا واحدا، بل أتخذ الباحثون فيه طرائق قددا، فالتيار المعتزلي اشتق سبيل البحث في مدلول العدل الإلهي وماهية البِرّ، أما فلاسفة الإسلام مثل الكندي والرازي وغيرهما فقد قاموا بمزج الفكر الإسلامي بالفكر اليوناني، بينما ذهب الإمام الغزالي إلى ما هو أبعد من ذلك في كتابه “ميزان العمل” حيث عمد إلى دمج الفلسفة اليونانية بالتصورات الدينية الصوفية، إضافة إلى كتابات الماوردي الفارسية الطابع.

أوراق عمل ندوة القيم العمانية في جلها لم تلتفت ولو التفاتة بسيطة إلى “دور المواطن في التنمية”، وإنما اقتصر تنظيرها على المفاهيم “التجريدية” للقيم. بمعنى آخر إن الباحثين في ندوة القيم لم يخرجوا في أطروحاتهم حول القيم عن القراءات الفلسفية المغرقة في التجريد والبعد عن الواقع الذي تمثله حركة الإنسان في الحياة، وإنما اكتفوا بالسباحة في المسالك التراثية القديمة في التعاطي مع موضوع القيم فهناك من كان معتزلي الهوى وهناك من كان غزالي الاتجاه إضافة إلى وجود حشد كبير من السائرين في مسالك الفلاسفة اليونان منهم والإسلاميين.

لقد شطّ الباحثون بعيدا عن الهدف الأسمى لصاحب فكرة الندوة وهو ربط الإنسان في حراكه الكوني بمنظومة القيم العظمى التي ترتقي بالبشرية من حضيض المادية الحيوانية إلى معارج الإنسانية المكرمة بخلافة الأرض، وليتهم التزموا بفكرة الندوة وصاحبها ولكنها أزمة القيم التي لم تنج منها حتى ندوة القيم.

الأصالة بين القيم العمانية والمنظّرون العرب

كما أسلفنا فإن القيم في جوهرها ليست سوى مفاهيم تجريدية، والبشر يتفاوتون في تطبيقهم لتلك المفاهيم كما وكيفا، فلهذا ليس مستغربا أن نجد نسخا متعددة للقيم بتعدد المجتمعات الإنسانية، فهناك النسخة العمانية التي يمكن الإصطلاح عليها بـ “بالقيم العمانية” وهناك القيم الشامية والمصرية والأوربية والأمريكية … إلى آخره.

بيد أن هناك حقيقة بدهية لم يتلفت إليها كثير من الباحثين وهي أن عمان لم يحكمها على مر التاريخ سوى العمانيون، وكما هو معروف فإن القيم العمانية هي قيم عربية أصيلة، وهي ذات القيم التي أثنى عليها النبي الكريم حين قال: (لو أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك)، وهي أيضا ذات القيم العربية التي جاء الوحي المقدس مكملا لها حيث يقول النبي: (بعثت متمما لمكارم الأخلاق)، ولأن العمانيون لم يحكمهم غيرهم، فإن القيم العمانية العربية الإسلامية لم يصبها التبدل ولا التحول ولم تفقد أصالتها ولم تخبو نظارتها، في حين أن جميع الدول العربية الأخرى لم يحكمها العرب سوى فترات قصيرة من التاريخ، فقد تعاقب على حكمها الرومان والفرس والتتار والبويهيون والأتراك إلى أن احتلت أوربا أكثر الوطن العربي، تلك السيادة لغير العرب كانت لها ضريبة لا على المستوى السياسي والديموغرافي والعرقي فحسب بل وأيضا على المستوى القيمي والأخلاقي، حيث تعرضت كثير من القيم العربية الأصيلة إلى التبدل والتحور وتم إحلال قيم مستوردة بديلا عنها.

إن العالم العربي بحاجة ماسة اليوم -أكثر من أي وقت مضى- إلى القيم الإسلامية العربية الأصيلة ليتحاكم إليها في نزاعاته مع الذات ومع الآخر، ولن يجد عن عمان محيصا ولن يجد عن شعبها بديلاً كي يكتشف فيها كنز القيم المخبوء في التاريخ والتراث العماني والتي تتجلى في صفات الشعب العماني الذي هو مضرب الأمثال في الشجاعة والإقدام والتضحية والكرم والإيثار والعفو والصفح.

القيم العمانية التي جعلت العمانيين على قلّتهم يأسرون قلوب الناس وعقولهم وينشرون الإسلام شرقا في الصين وغربا في سواحل أفريقيا وأعماق قارتها، وهم أول سفراء العرب إلى العالم الجديد في أمريكا الشمالية، إنها القيم العمانية التي تجعل العمانيين محلّ إشادة وتقدير كلّ من عرفهم واحتك بهم باعتبارهم أناس يتميزون بالسماحة والصدق والكرم وحسن الأخلاق واحترام الآخر.

بيد أن ما حصل في الندوة كان بعكس المتوقع، فلم تتح الفرصة للعمانيين كي يتحدثوا عن قيمهم، ولم تسنح الفرصة للإخوة العرب أن يكتشفوا الكنز القيمي العربي الأصيل المركوز في هذه البقعة المطهرة من العالم قيميا وأخلاقيا.

القيم الأم والقيم الفرعية:

يُمثل بعض الكتاب ظهور الحضارة البشرية بفترة الثلاث ساعات قبل منتصف الليل من يوم الإنسانية الذي يمتد إلى مليون ونصف المليون عام، بينما يمثل التطور الصناعي والتقني الثلاثين ثانية الأخيرة قبل منتصف الليل، وبالتأكيد إن ما حصل من طفرة إعلامية وثورة اتصالات ودخول العالم الرقمي لا يمثل في عمر الإنسانية سوى جزء من الثانية، هذا الجزء من الثانية شهد تغيرات سلوكية واجتماعية هائلة تشهدها المجتمعات البشرية نتجية لتحول العالم من أكوان قصيّة متباعدة إلى قرية صغيرة إذا اشتكى منها عضو تداعت له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، أو ربما أصبح محمولا في شاشة هاتف نقال يتواصل به الفرد مع العالم من خلال الانترنت وشبكات الاتصال.

هذه التحولات التكنولوجية فرضت مجموعة جديدة من القيم على المجتمعات، فالاتصال الافتراضي عن طريق الهاتف او الانترنت حوّل الفرد من كونه إنسانا إلى كونه رقما في مجموعة اتصال، وصارت قيم الاستهلاك والمتعة والرفاهية هي القيم الأكثر بروزا وإبهاراً، هذه القيم يرتبط معها من وراء ستار قيم قمئة أكثر بشاعة ووحشية مثل اللامبالاة والانتهازية والعنف والكراهية والاعتداء.

وعمان ليست بعيدة عن هذه التحولات التكنولوجية وما يصحبها من قيم، لكن علينا التأكيد على أن هذه القيم لا تمثل في حقيقتها الأسس المُسيرة للمجتمع العماني أو العربي، بل هي قيم تسير في قنوات فرعية بعيدة عن المجرى الرئيس لنهر القيم الأصيلة التي تحفظ كيان المجتمع، وما يحتاجه مجتمعنا العماني اليوم ومجتمعاتنا العربية ليس إضاعة الوقت في سرد مثالب القيم الفرعية المتحدرة من الطفرة العلمية وإنما محاولة إحياء روح القيم الأصيلة القادرة تلقائيا على التصدي لأية محاولات اختراق لمنظومة البناء الاجتماعي القائم على السلم والمحبة والوئام.

إن عملية إنعاش قلب القيم تحتاج إلى تظافر الجهود، خاصة بالنسبة للأعمار الحرجة التي تتأسس فيها المرجعية المعرفية للفرد، وهي أعمار ما دون الثامنة عشرة، فالمناهج الدراسية تحتاج إلى جرعات قيمية مكثفة، ومؤسسات الوعظ بحاجة إلى تطوير خطابها كي تقدم القيم بصورة أكثر حضارية من الصورة الرجعية والشوهاء السائدة اليوم، الإعلام بدوره بحاجة إلى التأكيد على الحضور القيمي في برامجه ومواده الإعلامية، والمثقفون ينبغي عليهم تقديم خطاب قيمي رصين يقوم على البحث عن القيم الأصيلة والأسس التي انبنت عليها، وتقديمها إلى الفرد والمجتمع في صورة قادرة على منافسة القيم الفرعية الوافدة.

نشر هذا المقال في ملحق شرفات الثقافي، جريدة عمان، بتاريخ 14/6/2011

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *