كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

قراءة في مشروع مجلة التسامح العمانية


  المفهوم أصالة أم اغتراب:

أعلنت منظمة الأمم المتحدة ممثلة في اليونسكو يوم 16 من نوفمبر عام 1995م يوماً عالميا لـ(التسامح)([1])، وهذا الإعلان يأتي بحسب اليونسكو- لمواجهة ظاهرة التطرف العرقي والديني الآخذة في البروز والتزايد، وكان من ضمن توصيات هذا البيان حزمة من الاقتراحات لترسيخ مبدأ التسامح في الدول، أهمها تغيير المناهج الدراسية، والضخ الإعلامي نحو تعزيز هذا المبدأ. الولايات المتحدة الأمريكية كانت الأسبق وربما هي الموجهة للأمم المتحدة نحو عولمة مبدأ التسامح حيث ابتدأت بنشر دورية نصف سنوية بعنوان (تعليم التسامح)([2]).

يذهب توماس مارتنز في مقال نشرته مجلة (التسامح) إلى أن فكرة التسامح تعود في تاريخها إلى القرن السابع عشر الميلادي مع سبينوزا وجون لوك اللذين قدما بديلاً تنويرياً للحرب الكاثوليكية البروتستانتية التي أهلكت ثلث سكان أوربا.


يرى البعض أن التسامح كفكرة تفترض أن الآخر ليس مسالما بالضرورة بل هو طرف معتدٍ، فلزم مقابلته بالتسامح، ويبدو أن النصوص الدينية تجاوزت هذا المصطلح الملتبس الحمّال لأوجه الاتهام والصراع مع الآخر واستعاضت عنه بمفردات أكثر وضوحا مثل (الغفران، والصفح، والإصلاح، والرحمة، والسلم، والسلام، والإسلام). بيد أن (التسامح) كمفهوم متخرج من مؤسسات علمانية مثل الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية لا يكاد يخلو من مسحة مسيحانية متعلمنة، فهناك فصل بين المبادئ والأفكار “الإيمان” وبين الحراك الإجتماعي “السياسية”، وهو ما يأكده حسن حنفي في كتابه الصادر في منتصف ثمانينات القرن المنصرم بالقول إن التسامح (سلوك شخصي يتحمل دون اعتراض أي هجوم على حقوقه في الوقت الذي يمكنه فيه تجنب هذه الإساءة)([3])، ولا شك أن هذه القولة تذكرنا بالنص الإنجيلي (مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا، وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضًا)([4]).


مفهوم التسامح مع ذلك هو الأكثر واقعية بالنسبة للشعوب المستضعفة أو تلك المفتقدة لأدوات القوة والهيمنة، فمطالبة الأقوياء في زمن الاحتراب كما هو الآن- بالحقوق والتعامل الندي ربما يستفز هذا الطرف القوي نحو مزيد من التنكيل والعسف، وبناء الذات بالنسبة للطرف الأضعف يتطلب سكونا وتخديرا لحالة الهياج المتلظية في ذات الآخر (القوي). كما أن الطرف (القوي) مدرك لهذه الحاجة الطبيعية عند الأغيار (الضعفاء) فيلجأ أيضاً إلى استخدام هذا السلاح المخدر (التسامح) لمصلحته حيث يوجه الأغيار نحو الاستسلام الأبدي لمطامعه وشهواته التوسعية.
إذن فـ(التسامح) ليس مفهوما جامداً بل هو محمل بالكثير من الظلال غير المتسامحة بل والمحتربة أحيانا في مساقات قد لا تبدو جلية لمن لا يقرأ جذور الفكرة في أغوار التاريخ.
  مجلة التسامح الباديات والعاديات:
ابتدأت مجلة (التسامح) العمانية في الصدور في شتاء 2003م (1423هـ)، وكان العدد الأول معبراً عن الأهداف والقواعد التي تنتصب عليها رسالة المجلة، فالغلاف ينبأك أن التسامح عبارة عن مجلة (فصلية، وفكرية، وإسلامية)، وفي الصفحة الأولى تجد تعريفاً مبسطاً برسالة المجلة وغاياتها وقواعد النشر فيها، كما توضح الجهة التي تُصدر هذه المجلة وهي (وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في سلطنة عمان).


كتب مستشار التحرير خليل الشيخ المقال الافتتاحي الموسوم (نحو خطاب إسلامي متوازن)، وهو وإن لم يخرج عن النسق العام للمقالات الافتتاحية الشارحة للغايات إلا أنه تميز بالقدرة على إقناع القارئ بالضرورات الدافعة نحو الخطاب الجديد. يقول الشيخ في مقاله: (إن أبرز الدوافع لصدور التسامح تتمثل في قناعتنا بأن الفكر الإسلامي يحتاج إلى مزيد من المنابر الفكرية الراقية، التي تصنع مساحة حرة للكتابة الجادة، البعيدة عن التجريح والابتذال والإسفاف، وتسهم في ترسيخ الوعي الفكري لدى القارئ، وتعيد الأمل إلى المسار الحضاري لهذه الأمة الذي غدا مسكوناً باليأس والإحباط، وتسهم في إزالة العوائق التي تكبل الفكر، وتعطل الاجتهاد، بعيداً عن الخطاب الحماسي وبلاغته وما يتحلى به من وثوقية قاطعة)([5]).


إذن فالمجلة هي منبر فكري راقٍ للكتابات الحرة الجادة المبتعدة عن التجريح والابتذال والإسفاف الذي يحمله الخطاب الحماسي الوثوقي. وينتصب كل من عبد الرحمن السالمي رئيسا للتحرير وخليل الشيخ مستشاراً للتحرير حارسين أمينين لضمان تحقيق هذه الأهداف والغايات.
يبهرك العدد الأول لا بروعة غلافه وجودة طباعته وحسب وإنما بتعدد موضوعات المجلة التي توزعت بين سبعة أقسام رئيسية هي:
1-    المدخل المعنون بـ(حديث التسامح).
2-   المحور المعنون (التسامح).
3-   الدراسات.
4-   وجهات نظر.
5-   حوار مع المستشرق ويلفرد مادلونج.
6-   آفاق.
7-    ندوات.
وفي كل قسم هناك مقال أو أكثر لكتاب مختلفين. حيث حوى هذا العدد على كوكبة من الكتاب العرب المعروفين مثل حسن حنفي ومحمد عمارة ورضوان السيد إضافة إلى مقالات وحوارات مترجمة لكتاب غربيين مثل ويلفرد مادلونج، وتوماس شيفلر. بيد أن السمة البارزة في هذا العدد وفي جميع الأعداد اللاحقة غياب الهوية العمانية  لا على مستوى الكتاب وحسب بل حتى على مستوى المصادر والأفكار، وهو ما سنعالجه لاحقاً.

                    
في العددين الثاني والثالث من المجلة غاب قسم الندوات واستعير عنه بفصل (متابعات) وغاب العماني أو استمر تغيبه بينما حضر محمد أركون في مقال يبشر فيه بالعلمانية ويهجو فيه الأديان وينسب إليها سر تأخر البشرية حيث قال بعد كلام طويل بخّس فيه الجهد الإصلاحي الذي قامت به مدرسة محمد عبده: (وأما الإسلام فيعاني من التفاوت التاريخي المتزايد، وذلك بالقياس إلى التقدم الحاصل في أوربا من جراء الفصل القانوني بين الذروة القانونية والذروة السياسية)([6]).
في العدد الرابع تمت إضافة اسم رضوان السيد إلى خانة (مستشار التحرير) بجانب خليل الشيخ، وفي العدد الخامس اختفى -وإلى الأبد- اسم خليل الشيخ ليبدأ عهد جديد يكون فيه رضوان السيد مستشارَ التحرير.


لم يكن اختفاء خليل الشيخ حادثا عابرا في تاريخ (التسامح) بل ابتدأت معه مرحلة جديدة ما تزال نابضة بالحياة، فمنذ بداية تولي رضوان السيد منصب (مستشار التحرير) صار عبد الرحمن السالمي -رئيس التحرير- هو كاتب (حديث التسامح) الذي يمثل افتتاحية كل عدد. كان المقال الافتتاحي للمرحلة الجديدة والمستمرة لافتاً من حيث العنوان (جعلناكم أمة وسطا)، ولافتاً من حيث الخلفية المعرفية الفلسفية والإسلامية للكاتب كما أنه يشي بحضور أكاديمي ظاهر من حيث ربط فكرة المقال بالموضوعات التي يناقشها فصل المحور.


العدد السادس المنشور بعد عام ونصف من عمر المجلة حوى ولأول مرة مقالاً لكاتب عماني وهو عبدالله بن علي العليان.  في العدد السابع غاب العماني مرة أخرى وتمت إضافة قسم جديد في فصول المجلة بعنوان (مراجعات كتب) حيث حوى مراجعتين لكتابين مختلفين. في العدد الثامن حضر العماني مرة أخرى ومع عبدالله العليان مجدداً. وفي العدد العاشر تمت إضافة قسم جديد بعنوان (مدن وثقافات): وجاء المقال الافتتاحي في هذا الفصل بعنوان (سلّوت ونشوء الأفلاج في عمان) للكاتب الإنجليزي ج.س. ويلكنسون. وابتداء من العدد الثالث عشر استبدلت المجلة فصل (مراجعات كتب) بقسم جديد بعنوان (الإسلام والعالم)، ومنذ ذلك العدد وإلى يومنا تم اعتماد التوزيع النهائي لأقسام المجلة إلى سبعة فصول على النحو التالي:


·       الأول: حديث التسامح يُعده رئيس التحرير عبد الرحمن السالمي.
·       الثاني: المحور، يحوي مجموعة مقالات تعالج قضية واحدة في كل عدد.
·       الثالث: الدراسات، عبارة عن دراسات مختصرة لمواضيع متعددة.
·       الرابع: وجهات نظر، يقترب من المحور في تركيبه مع اقتصاره على مقالين أو ثلاثة.
·       الخامس: آفاق، يحوي مقالات عدة حول مواضيع متعددة.
·       السادس: مدن وثقافات، يتحدث عن ثقافات العالم والمنجزات الحضارية.
·       السابع: الإسلام والعالم، يطرق القضايا المتعلقة بتاريخ علاقة الإسلام والآخر.

·       ·       ·       ·       ·       ·       ·      
مجلة التسامح إذن تتميز بالحراك والتجدد على مستوى المواضيع والمقالات وهيكلة الفصول، إنها ليست مدونة ساكنة، فكتابها في تغير، ومواضيعها في تجدد، وأقسامها في ارتقاء موضوعي، كما أنها غير ملتزمة بعدد معين من الصفحات فقد تصل صفحات بعض الأعداد إلى أكثر من خمسمائة صفحة كما هو الحال مع العدد العشرين. التغير أيضاً يطال لوحة الغلاف التي تتميز بتعدد وتغير الألوان والأشكال مع الاحتفاظ بالتركيب الأساسي المكون من حروف الأبجدية العربية المرسومة بالخطوط العربية المتنوعة.
 كتّاب التسامح:
ضمت قائمة كتاب مجلة التسامح عدداً كبيراً من المفكرين العرب وغير العرب، إنهم يمثلون طيفاً متنوعاً من الهويات والثقافات والانتماءات الفكرية، فهناك الفقيه التقليدي كمصطفى الزرقا والداعية الإسلامي كمحمد عمارة، والفيلسوف التنويري كحسن حنفي، والليبرالي كجابر عصفور، وهناك أيضاً العلماني المتطرف كعلي حرب وهاشم صالح ومحمد أركون، والمسيحي كفتكور الكك، والمستشرق مثل ويلفرد مادلونغ، والمحافظون الجدد كبرنارد لويس.
بيد أن أكثر الأسماء ترددا في معظم أعداد المجلة تعود إلى من يمكن تسميهم بـ(الوراقين الجدد)، وعلى رأسهم رضوان السيد وعبدالله ولد أباه، ووجيه كوثراني، وتركي علي الربيعو، ومعتز الخطيب. وهؤلاء هم ذات كتاب موقع الملتقى الفكري للإبداع على شبكة الانترنت([7]).

يتميز إنتاج هؤلاء بالكثرة، والموسوعية، واستنساخ الأفكار، والظهور الإعلامي المكثف، و الاحتفاء بالتراث الاستشراقي خاصة في شقه الألماني، والانفتاح الواسع على الآخر (الغربي)، وكتاباتهم مع ذلك تتسم بالرزانة والبعد عن الصدام، كما أنها تتسم بمحاولات استيعاب الآخر (المسلم) المختلف لكن ليس وفق منظومة توفيقية تقوم على فهم ما عند الآخر ومحاولة الاقتراب المنهجي منه، وإنما وفق حزمة اشتراطات تلفيقية أساسها قاعدة الإرجاء التقليدية (لا يضر مع الإيمان معصية).


ويمكن تلمس هذه الميزات في المقالات التي ينشرها هؤلاء في مجلة (التسامح)، ولعل أكثرها تعبيرا مقال رضوان السيد الذي يدافع فيه عن (الاستشراق) من خلال تطفيف ميزان النقد ضد كتاب (الاستشراق) لإدوارد سعيد في العدد السادس من المجلة. حتماً رضوان السيد أكاديمي متخصص في الدراسات الإسلامية، وهو مع ذلك كاتب موسوعي يطرق جميع نوافذ التراث الإسلامي، بيد أن هذه الموسوعية أقرب إلى موسوعية كتّاب الشروح والحواشي الذين يظهرون وقت الموات الفكري منها إلى موسوعية كتّاب المتون والقوافي الذين يغيرون وجه التاريخ المعرفي، فكتابات السيد ليست سوى تجمييع أكاديمي لأقوال المدارس الفكرية المختلفة دون إضافة إبداعية على مستوى الفكرة.


يبدو من تقسيم مواضيع المجلة في فصول يعالج كل فصل منها عنواناً محدداً  وجود اتفاق وتوجيه من إدارة المجلة  إلى الكتّاب كي يغطوا العناوين التي تم اختيارها، الأمر الذي يوحي بوجود تعاقدات واستكتابات. والاستكتاب ليس شراً كله، فهو بالرغم مما ينطوي عليه من تبعية الكاتب الفكرية للمؤسسة التي يكتب فيها إلا أنه يمكن أن يحلّ مؤقتا مشكلة النقص الكمي في المقالات المتاحة للنشر.


وهذه التعاقدات ربما يكون رضوان السيد وفريقه هم الأوفر حضا باقتطاع أجزاء منها، وذلك ظاهر في تكرر حضور هذه الأسماء في جميع الأعداد. رضوان السيد على سبيل المثال نشر ثلاثة مقالات مختلفة دفعة واحدة في العدد السادس عشر من المجلة، مما يثير علامات استفهام حول جودة المقالات المنشورة بنفس القدر الذي يثير تساؤلات عن السياسية التحريرية المتساهلة مع هكذا سلوك ربما يخلف لدى القارئ انطباعا سيئا عن كتّاب المجلة وأنهم أقرب إلى كُتاب السرد والصحافة منهم إلى كتاب النقد والإبداع الفكري.
ملاحظة أخيرة لابد من الإشارة إليها وهي تواري الحضور للعنصر النسائي في قائمة كتّاب المجلة، الأمر الذي يوحي باحتكار ذكوري لافت.
  الأكاديميا:
مجلة التسامح في أعدادها الأربعة والعشرين حتى الآن، تمتاز بصفة الحرفية في تقسيم الفصول، وتطويرها، كما تمتاز بالتجدد في المواضيع التي يشغلها كل قسم، بجانب تنوع الكتاب الذين يكتبون في كل موضوع. بعض الكتّاب يتميز بالدقة في التوثيق، والبعض الآخر يرسل الكلام إرسالا كما لو كان يكتب خاطرة أو قصيدة دون تقيُد بالعرف الأكاديمي القائم على التوثيق والإحالة والتنصيص، الأمر الذي يدعونا للتساؤل عن حقوق الملكية الفكرية وقوانين الكتابة في المجلة، وإذا ما كانت إدارة التحرير تقوم بالتقصي والبحث لاكتشاف حالات التزوير والانتحال، وما هي الآليات والوسائل التي تتبعها في ذلك.
إن التخفف من قيود الكتابة الأكاديمية المرهقة له حسناته المشجعة للإبداع، لكن يجب أن يكون هناك حد أدنى من الرصانة العلمية التي ترتقي بالمادة المعرفية المقدمة من مجرد كلام منثور إلى علم موقور يستطيع الباحث الاستفادة منه والبناء عليه.
 مواضيع التسامح:
 تعددت المواضيع التي طرقتها مجلة التسامح في أعدداها الأربعة والعشرين الصادرة إلى اليوم، وأهم المواضيع هي تلك التي كانت عنوانا لمقالات قسم المحور الذي يشكل الجزء الأكبر من مقالات المجلة. وهذه العناوين هي: (التسامح، والحوار، والفكر السياسي، واللغة، والأخلاق، والمجتمع المدني، والإصلاح، والحرية، والمواطنة، والعقل، والدين والدنيا، والأصولية، والقبيلة والإثنية، والشرعية، والقانون).


العناوين عامة جداً مما يشي بثراء الآراء التي يمكن طرحها، بيد أن الملاحظة التي لا يمكن أن تعزب عن بال المراقب هي إغفال المجلة عن قصد أو عن غيره مقاربة الوقائع الكبرى التي ماجت بها المنطقة والعالم، المجلة ابتدأت في الصدور في شتاء 2003م أي في فترة مقاربة لحدث سقوط بغداد، ولم نجد ولو إشارة بسيطة لهذا الهم الإسلامي العظيم، في الفترة الممتدة من عام 2004م إلى يومنا هذا وقعت الكثير من الأحداث الجسام التي هزت العالم، وحركت ضمير العالم الإسلامي، بداية من زلزال سومطرة وموجات تسونامي التي حصدت ملايين المسلمين، مروراً بحادثة وفاة مئات الحجاج في الحرم، وأزمة الرسوم الدانمركية الساخرة من النبي محمد صلى الله عليه و سلم، والاعتقالات السياسية في عمان المعروفة بـ(أحداث التنظيم السري)، والحرب الإجرامية التي شنتها إسرائيل على لبنان، وأحداث أخرى كثيرة مثل المذابح المذهبية الرهيبة التي حدثت في العراق والحروب الأثنية في دارفور وكينيا، والاقتتال بين الفصائل الفلسطينية، وحرب نهر البارد في لبنان، وأزمة الحجاب في المدارس الفرنسية، وهي كلها أحداث تلامس قضية التسامح في الصميم، إلا أننا لم نجد لتلك الأحداث أثراً ولو خفياً في المجلة، وكأن المجلة والقائمين عليها يعيشون في عالم طوباوي ما ورائي مغاير للعالم الواقعي الذي نعلمه والذي نجزم بأن الصراع والتدافع هي إحدى سنن تشكله وتطوره وبل ربما إحدى قوانين بقائه.


بينما نجد في المقابل مقالات لبرنارد لويس وهو أحد منظري الجوقة المتطرفة في تيار ما بات يعرف بـ (المحافظين الجدد)، وهو التيار الذي قاد العالم إلى حرب عالمية لا ضد الفقر والجوع والظلم وإنما حرب ضد كل فكر أو جماعة لا تقبل الاصطفاف في منظومة إيديولوجيا هذا التيار الإنجيلي المتطرف. يقول برنارد لويس في مقال له في العدد الأخير من مجلة التسامح مدافعا عن ما يسميه الإمبريالية الأمريكية: (إذا تحملنا سقوط الولايات المتحدة عشية سقوط الاتحاد السوفيتي فيما بعد نجد أن الشكوى تتحدد، وحتى الآن هي الشكوى من عدم، أو من نقص الإمبريالية التي فيها وليس من إمبرياليتها بالحد ذاتها، عندما هزمت الولايات المتحدة في بيروت انسحب الأمريكيون ليس عن ضعف، ولكن لأنهم كانوا لا يرون ضرورة لهذا الاهتمام الكبير ما دام الاتحاد السوفيتي قد ضعف، عندما نسمع اتهامات الولايات المتحدة نرى أنها تتهم بازدواج المقاييس، أو تتهم بعدم الحزم في أنها لا تنفذ أهدافها إلى نهاية، وأكبر جرمها هو اختلال المقاييس لديها أو ازدواجية المعايير كما يردد كثير من الناس، وكلتا التهمتين إذا تأملناها هو اتهام الولايات المتحدة بنقص في الامبريالية، وليس بزيادتها، لأنهم يطلبون منها عندما مثلاً تغير على بلد أن تغير على البلد الآخر الذي ارتكب نفس الجريمة، فهم ينزعجون منها لأنها لم تغر على بلدين بدلاً من أن تغير على بلد واحد)([8]).
  التسامح والغياب العماني:
من اللافت بل والصادم للمتابع أن تصدر مجلة من دولة لها رصيد حضاري عريق وتراث ثقافي متجذر في صفحات التاريخ ولا تضم هذه المجلة بين جنابتها مقالات لكتاب من هذه الدولة؟ فإذا استثنينا مقالات عبدالرحمن السالمي باعتباره رئيسا للتحرير فإننا لا نجد سوى سوى عبدالله العليان ومحمد المعشني وسعيد السالمي، ومقالاتهم لا تشكل سوى أقل من 1% من مجموع المقالات المنشورة في جميع أعداد المجلة. والغياب العماني لا يقتصر على الكتّاب وحسب بل ينسحب كذلك على غياب القضايا العمانية والمراجع العمانية والثقافة العمانية والمدينة العمانية باستثناء سلّوت في المقال المشار إليه سابقاً.


هناك أسئلة كثيرة تثور حيال الغياب العماني، ولعلنا نتعرض لبعض هذه التساؤلات بحثا عن مقاربة تعالج هذه الظاهرة التي نرى فيها مساسا بموقع العمانيين الحضاري كأمة عريقة لها تراث حضاري وفكري ضارب في أعماق التاريخ.
البعض يرى أن سبب هذا الغياب هو عدم أهلية المفكر العماني للكتابة في مجلة التسامح بسبب المستوى الفكري الراقي الذي تحاول المجلة المحافظة عليه، وهذا التصور مدفوع بحقائق كثيرة أهمها أن فكرة المجلة عمانية خالصة، والمجتمع الذي يبدع الفكرة ويخرجها للعالم مؤهل لمدّ الفكرة بوقود الحياة والاستمرارية على مستوى الإبداع الكتابي، كما أن رئيس تحرير المجلة هو عماني خالص وله عمود خاص في كل عدد ولا يقل مستوى مقالاته عن مقالات غيره من غير العمانيين من كتّاب المجلة. أضف إلى ذلك أن المثقف العماني صار قبلة تحج إليها الصحف والمجلات والدوريات ودور النشر ووسائل الأعلام المختلفة.


إضافة إلى ذلك فإن المقالات المنشورة في المجلة ليست استثناء عن غيرها من المجلات التي لا تخلو من مقالات كثيرة لا تكاد تسيغها حتى تلفظها باحثا عن غيرها، كما أن المجلة تعاطت مع قضايا كثيرة مثل الأوقاف الدينية واللغة وتأويل النص والمخطوطات وغيرها الكثير من العناوين التي أكثر العمانييون الكتابة فيها.
البعض الآخر يرى أن سرّ غياب المفكر العماني عن الكتابة هو سلبية العماني وانكفاؤه على نفسه. قد لا نبرء بعض المثقفين من هذه الصفة لكنها ليست حالة عامة تبرر هذا الغياب المَرضي غير المقبول، والسؤال الذي يبزغ هنا أين هي إدارة المجلة عن المثقف العماني؟ هل قامت بالتواصل معه؟ والإشكال الأكبر يكمن في أن إدارة المجلة غير معلومة لأحد، فلا يظهر في أعداد المجلة سوى اسمي عبدالرحمن السالمي ورضوان السيد، فالمثقف العماني لا يعرف أحدا في المجلة غير هاتين الشخصيتين، ولئن عذرنا رضوان السيد باعتباره مستشارا لرئيس الوزراء اللبناني فما عذر عبدالرحمن السالمي الذي لم يتشرف الكثير من المثقفين بلقائه في أية فعالية ثقافية، ولم تتشرف جمعية الكتاب والأدباء العمانيين بانضمامه إليها.


ربما تكون جهة إصدار المجلة وهي مؤسسة دينية أحد أسباب هذه القطيعة بين المجلة والمثقف العماني، فالكثير من المثقفين والأكاديميين العمانيين ينظرون إلى هذه المؤسسة باعتبارها ممثلة للمقدس وخطابها لا يخرج عن إطار (هذا حلال وهذا حرام)، فلهذا هم لا يثقون بأن مجلة فكرية تولد من رحم هذه المؤسسة تستطيع أن تتعاطى الواقع الإنساني بعيدا عن لغة التكفير والاتهام  بالإلحاد والعمالة للصهيونية، فلهذا قاطع أغلب هؤلاء المجلة منذ البداية خوفا من تكرار تجارب المحترقين بنار الاتهام. بيد أن أكثر الكتاب العمانيين لا يتعدون في إبداعاتهم منطقة الأعراف الدينية، والصدام مع المؤسسة الدينية إن وجد فهو محدود ولا ينتصب منفرداً كإجابة عن غياب الكاتب العماني عن مجلة التسامح العمانية.


البعض يرجع السبب في هذه الظاهرة إلى الإشاعات التي تم ترويجها من قبل البعض للصد عن مشروع المجلة، من قبيل أن المجلة ليست سوى حصان طروادة يمتشقه العلمانيون لاختراق العقل المتدين. وهذه العقلية الموسوسة التي تنتصب على نشر الشائعات ربما تنجح في صد بعض القراء من البسطاء وأنصاف المتعلمين عن المجلة عددا أو عددين ولكنها غير جديرة بإغواء المثقف القادر على دحض مثل هذه الأفكار الصادرة من عقليات هي في ذاتها تدعي احتكار الحقيقة المطلقة.
ومع كل هذه التساؤلات يظل الحضور العماني غائباً تماماً عن مجلة التسامح، وهناك شعور يُتناقل همساً بين المثقفين العمانيين وهو أن الغياب العماني ليس مجرد غياب طبيعي بل هو تغييب متعمد من قبل الفريق الذي يحتكر أكثر المقاعد في سدة كتاب مجلة التسامح.
 التسامح في التسامح:
من ضمن أبجديات الكتابة الفكرية أن يتعرف الكاتب على جمهوره، فيتلمس الوصول إليهم لا وفق قدراته العقلية المنبسطة وإمكاناته الذهنية المنفتحة، وإنما وفق الآليات والوسائل والأساليب التي تحددها إمكانات القراء وعقلياتهم.
مجلة التسامح التي آلت على نفسها حسب المبادئ المرسومة لها والمنشورة في ختام كل عدد (ترسيخ الإسلام الذي يقوم على التسامح وحق الاختلاف وتعددية وجهات النظر) لم تتوجه إلى الجماهير العريضة في العالم الإسلامي بل اتجهت إلى نخبة محدودة يتساءل المرء عن قدرتها على البقاء في عالم الصراعات الفكرية فضلا عن أن نعلق عليها آمالا رومانسية من قبيل (ترسيخ الإسلام الذي يقوم على التسامح….الخ) مما جاء في قائمة أهداف المجلة.
يدهشك جداً وجود موسيقى عند تصفحك للموقع الإلكتروني الرسمي للمجلة، وهو أمر لا تجده حين تتصفح الكثير من المواقع الإلكترونية الفنية، ومعلوم أن الكثير من الرؤى الإسلامية ترى في الموسيقى محضوراً شرعياً، فهل الموسيقى تعبر عن هوية النخب التي تتوجه إليها المجلة أم أن هناك ارتباكاً إدارياً وفنياً تعاني منه المجلة؟


والمتابع لعمود (حديث التسامح) الذي يفتتح به رئيس التحرير كل عدد يجد أن خطاب إدارة المجلة لا يخلو من الحدّية والإطلاق والتعميم، فعلى سبيل المثال كتب رئيس التحرير في العدد الحادي والعشرين يقول (لم يعد ممكنا مواجهة ظواهر التشدد في الإسلام المعاصر بالطريقتين اللتين تعارفنا عليهما خلال العقد المنصرم: بالقول تارة أن الإسلام بطبيعته يأبى الغلو والتطرف، وبالقول تارة أخرى: إن سائر الديانات في العالم تشهد وعياً متأزماً وانشقاقات لا تختلف في قليل ولا كثير عما نعرفه … فالديانات الأخرى تختلف عن الإسلام في الأصول، كما تختلف في التنظيم الديني، كما أن العنف الداخلي والعنف تجاه الآخر أقل حجماً وظهوراً… لا يمكن تصحيح الوعي وتحريره من التأزم إلا من طريقين: النهوض القائم على التنمية والاستقرار، ووجود النخب الملتزمة والعارفة بأوضاع المسلمين)اهـ


لسنا في مقام تقديم حكم قيمي على ما أورده رئيس التحرير، وربما نتفق معه في جملة الأفكار الواردة في النص السابق بيد أنا نتحفظ على اللغة القطعية التي ساق بها أفكاره والتي اختزلت الرؤى والمواقف والقراءات والحلول في ما يراه رئيس التحرير خطأ وفي الكيفية التي يراها لمقاربة هذا الخطأ.


أضف إلى ذلك أن اللغة الفلسفية التي تسم أغلب إن لم يكن جميع مقالات المجلة تفقدها عنصر الجذب للقارئ العادي الذي ربما يجد رهقاً في فهم الكثير من الأطروحات المساقة، خاصة وأن بعض الكتاب يتكلف في صياغته للعبارة متجاوزاً إنسي الكلام إلى وحشيه، ويبتعد عن ظاهر المفردات إلى بواطنها بحيث يضحى النص المكتوب أقرب إلى الطلاسم والأحاجي منه إلى نص معرفي جلي. يقول محمد أركون في إحدى مقالاته: (إن هذه الأسماء قد توهمنا بأن مسألة الأرشيف تخص الفلاسفة والمحلّلين النفسانيين الذين زحزحوا أوهام الميتافيزيقا الكلاسيكية عن طريق النقد النشوئي (أو الجنيالوجي) للموضوعات، و“القيم”، والقانون بصفته فناً لتأويل الشرع المقدس، والمرجعية العليا للنصوص التأسيسية بصفتها معطى الوحي. باختصار لقد قاموا بالنقد النشوئي لكل ما هو مكرّر بدون كلل أو ملل في التراثات المدعوة حية، وفي كتب التأريخ المبنية على الأرشيفات … ومع هذين السلاحين، سلاحي الملاحظة السريرية أو العيانية ونقد الخطابات، نجد أن العقل التحليلي قد فتح ورشات كانت مغلقة على كل الاستخدامات السابقة للعقل. ولكننا نعرف أن هذه الأسلحة ذاتها يمكن أن تُحرَف عن مقصدها وتستخدم لتكرار العتيق البالي، وحب القانون الأعظم المُتلاعب به من قبل عمليات التقديس والإخراج المسرحي للعدالة، ومأسسة المعارف المصنوعة بشكل سيئ”([9]).اهـ
ولعل الجميع يدرك أن الكتابات المتكلفة طبعت الفلاسفة الألمان في قبال الوضوح الكتابي العربي والإنجليزي قديما وحديثا، ونحن اليوم في عصر عالمية الإنجليزية والانحسار الألماني فلماذا الإصرار على ألمنة لغة المجلة بدل تعريبها ؟.
  الخلاصة:
مجلة التسامح مجلة فصلية فكرية إسلامية واعدة، تمتاز بالحيوية والتجدد والاستمرارية والتنوع على مستوى المواضيع والكتاب، لكنها تعاني من غياب الحضور العماني وازدياد ظهور فريق واحد من الكتاب كما أنها تعاني من ضعف حضور المرأة ومن الطوباية المفارقة للواقع، ومن اللغة النخبوية التي ليس لها أصداء جماهيرية.
 

التوصيات:
1-   ينبغي للمجلة أن يكون لها مجلس تحرير، وأن تنشر أسماء المحررين في بداية كل عدد.
2-   على إدارة المجلة أن تساهم في الفعاليات الثقافية التي تقيمها المؤسسات الرسمية والأهلية، من أجل التواصل مع المثقف والقارئ.
3-    تحتاج المجلة إلى إقامة فعالياتها الثقافية الخاصة بها وأن تستضيف كتابا ومثقفين عمانيين لكسر الحاجز الجليدي بين الطرفين.
4-   الجامعات والكليات والمعاهد تعتبر ميادين ثقافية ينبغي التواصل معها عن طريق إقامة الأمسيات والفعاليات الفكرية التي تعزز التواصل بين المجلة وبين الجيل الجديد.
5-   إدارة التحرير تحتاج إلى نشر ملخص عن محتواها العددي في الملاحق الثقافية المحلية والعربية لتعريف المثقفين بمادتها الثقافية.
6-   زيادة التواصل بين إدارة المجلة وبين جمعية الكتاب والأدباء، ومجموعة الترجمة، وغيرها من المؤسسات الأهلية الثقافية لتحفيزهم على النشر في المجلة.
7-   المجلة تحتاج إلى أن تعيد تقييم أدائها دوريا من خلال باحثين وأكاديميين عمانيين وغيرهم للارتقاء بمشروع المجلة.
8-   إدارة التحرير ينبغي أن تضم مجموعة من المثقفين العمانيين حتى لا يكون هناك احتكار لا في انتخاب الكتّاب ولا في انتقاء المواضيع الجديرة بالنشر.
9-   تشجيع المثقفة العمانية والخليجية والعربية على الكتابة في المجلة حتى لا تكون المجلة ذكورية الطابع.
10-         محاولة التواصل مع مفكرين عرب في الخليج ومصر والمغرب العربي والدول الإسلامية وغيرها لتغيير النمط السائد الذي يتكثف فيه الحضور الشامي ويتقلص فيه التنوع والإبداع.
11-         على المجلة أن تطرق المواضيع التي تهم الساحة الفكرية والثقافية في العالم الإسلامي حتى لا تتهم بالطوباية والبعد عن الواقعية.
12-         إدارة تحرير المحلة عليها أن تعيد النظر في اشتراطات النشر بحيث تخفف من اللغة النخبوية وتشجع على الكتابات الإبداعية ذات الخطاب الأقرب إلى الانتشار الجماهيري.
 


 

 



 

[1] http://www.unesco.org/cpp/uk/declarations/tolerance.pdf

[2] http://www.tolerance.org/teach/magazine/index.jsp

[3] حسن حنفي، تعصب / تسامح (1986م)، دار الأمواج، ط1، بيروت 1993م، ص176. انظر مجلة (التسامح)، العدد 18 ص209.
[4] إنجيل لوقا 6: 29. اشتهر بين الناس هذا النص (من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر)، وهذا النص لا وجود له في الإنجيل المترجم إلى العربية.

[5] مجلة التسامح، العدد الأول، ص8.

[6] مجلة التسامح، العدد (3)، ص111.

[7] http://www.almultaka.net/index.php

[8] مجلة التسامح، العدد (24)، ص314-315.

[9] مجلة التسامح، العدد (3)، ص93.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *