كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

القيام والترتيل … الرؤية المفقودة

شهر رمضان هو شهر الهداية الذي انتقلت الإنسانية فيه من طور الوثنية إلى طور الرسالة التوحيدية، إنه شهر القرآن الذي يسجل بدء تنزل الآيات وانتهاء عهد المعجزات وإعلان خاتمية النبوات. إن شهر رمضان هو الشهر الشاهد على دخول البشرية آخر أطوار تواصلها مع الغيب وانقطاع الوحي عنها، فلا نبي بعد محمد عليه السلام، ولا شريعة بعد القرآن. لا يرى المسلم في رمضان شهرا لمغالبة الغرائز وكبح النزوات وتهذيب الشهوات وحسب بل هو أيضاً شهر المعرفة وإعادة صياغة العقل وفق حكمة القرآن، وبركة هذا الشهر لا تقتصر على الرقي الإيماني للروح أو انتصار (الأنا الأعلى) حسب التقسيم الفرويدي للنفس، بل تتعدى ذلك إلى ما نلمسه من فيض اجتماعي متدفق بالمحبة والوصال.

في رمضان يكثر حديث الناس حول قيام الليل والاعتكاف باعتبارهما من وسائل الارتقاء، ونيل درجات القرب من رب الأرض والسماء، ومضاعفة أعمال المخلصين النبلاء، إلا أن التصور السائد لقيام الليل يختزله الكثيرون في إقامة الصلاة أو قراءة القرآن في الثلث الأخير من الليل متكئين في تصورهم هذا على الدلالة الظاهرة لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً}الفرقان: 64، مع أن البيات لا يعبر سوى عن فترة دخول أول الليل، أي الفترة التالية لمغيب الشمس، يقول الفراهيدي: (والبيتوتة: دخولك في الليل). فلهذا قال الزمخشري: (البيتوتة: خلاف الظلول، وهو أن يدركك اليل، نمت أو لم تنم … وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء).

بل ربما يمكننا القول أن السجود والقيام المقصود في الآية إنما يعبر عن الصلاة المفروضة بدلالة سياق الآيات التي تعقد مقارنات متتابعة بين المؤمنين وتسليمهم وبين المشركين وتعنتهم، فمنذ بداية السورة هناك حديث حول طرفين، المؤمنين أتباع القرآن {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}الفرقان: 1، والمشركين أتباع الأوثان {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} الفرقان: 3. ويستمر هذا الجدل بين طرفي معادلة الإيمان والكفر بداية بالرد على مماحكات الكافرين (الفرقان 4-34)، مرورا بذكر مواقف الأنبياء السابقين (الفرقان 35-39).

وعودا على موقف الكافرين الذين {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً}الفرقان: 60، بالتالي هم لا يقيمون الصلاة ولا يشكرون الله على نعمة الليل والنهار{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} الفرقان:62، أما المؤمنين فهم عكس ذلك {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} الفرقان:63-64، أي يقيمون الصلاة. والصلاة التي تمايز المؤمن عن الكافر هي صلاة الفريضة وليست صلوات النوافل، فلهذا روي عن النبي عليه السلام: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة).

ومما استدل به القائلون أن قيام الليل لا يكون إلا بالصلاة وقراءة القرآن هي قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}الزمر: 9، والآية كسابقتها تتحدث عن صفة المؤمن الذي يؤدي ما توجب عليه من فرائض في الليل والنهار، يقول الرازي: (وعن ابن عباس: القنوت طاعة الله، لقوله {كل له قانتون}: البقرة: 116 أي مطيعون، وعن قتادة: “آناء الليل” ساعات الليل أوله ووسطه وآخره … فإن القنوت عبارة عن كون الرجل قائما بما يجب عليه من الطاعات).

ينبغي التأكيد بداية على أننا لسنا نروم تسفيه الفهم السائد لمعنى قيام الليل، لإدراكنا أن النفس الإنسانية تعتريها الكثير من المشاعر والأحاسيس والتي تتفاوت بدورها في الغياب والحضور من شخص إلى آخر، وبعض تلك الأحاسيس تدفع بالإنسان إلى العزلة والتأمل، والتاريخ الإنساني مليء بأخبار المنقطعين في الأودية والجبال والفيافي والقفار من أجل إشباع تلك الرغبة السالبة في الانقطاع والبعد عن العالم وحركته وصخب أهله، وقيام الليل والاعتكاف حسب المفهوم التقليدي ربما يوفر سبيلا لتعبئة هذه الحاجة.

فالمعنى التقليدي لقيام الليل ليس بالضرورة خاطئا، ولكنه أيضاً ليس بالضرورة كاملا، فهناك أوجها لقيام الليل أغفلها هذا الطرح، وربما تكون تلك الأوجه والدلالات أشد عمقا وأبعد غورا في صوابيتها ومردودية نتائجها على الإسلام والمسلمين، فالمفهوم التقليدي لقيام الليل بجانب آثاره الإيجابية على النفس لا يخلو كذلك من أثر قد يكون سلبيا على المجتمع، فهو يكرس الرغبة في العزلة، ويعزز نوازع الفردانية في النفس، وهو أمر ظاهر في أتباع الاتجاهات الصوفية الداعين إلى الدعة والانعزال والجمود، والإسلام دين حركة وأمة وبناء مجتمعي.

فحين نتدبر قوله تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وطئا وَأَقْوَمُ قِيلاً}المزمل: 6، ألا يمكن أن نفهم منها أن الدعوة إلى الله ليلا، هي أشد أثرا، والكلام فيها أكثر قبولا! فالناس في النهار يكونون منصرفين إلى أعمالهم لا بأجسادهم فحسب بل وبأرواحهم وعقولهم ووجدانهم، وحين يكون الإنسان مشغولا بطلب معاشه، وجمع قوته وعياله، تكون قابليته للتفكر في الفكرة والتأمل في الدعوة منقوصة إن لم تكن سلبية، فالإنسان بطبيعته ميال إلى المحافظة على القديم باعتبار الأنس والتجربة والاطمئنان والشعور بالأمان بينما يمثل له الوافد الجديد قلقا وتوترا وترقبا لأية أضرار غير محتسبة.

النهار مليء بالضجيج الصوتي من خب الناس وصخبهم في المزارع والأسواق والمصانع، ومليء كذلك بالضجيج الضوئي الذي يمثله ضوء الشمس الذي يخطف الأبصار، هذا الضجيج لا يضفي على النفس إلا توترا وقلقا. الليل في المقابل يتميز بالهدوء والسكينة وغياب جميع أنواع الضجيج، في الليل تكون قابلية النفس للتفكر والبحث والتأمل أشد وطئا، والحديث في الليل هو أقوم قيلا.

يقول الرازي: (في الناشئة قولان: أحدهما أنها عبارة عن ساعات الليل. والثاني: أنها عبارة عن الأمور التي تحدث في ساعات الليل. أما قوله تعالى {أشد وطئاً} أي مواطأة، وملاءمة وموافقة. {أقوم قيلا}: قال ابن عباس: أحسن لفظا. قال ابن قتيبة: لأن الليل تهدأ فيه الأصوات وتنقطع فيه الحركات ويخلص القول، ولا يكون دون تسمّعه وتفهّمه حائل). ولعلنا ندرك هذا الملحظ الذي أشار إليه ابن قتيبة في قول نبي الله نوح عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً} نوح: 5، حيث قدم ذكر دعوة الليل على دعوة النهار لما لدعوة الليل من أثر أكبر من النهار وأظهر.

 

إذن ماذا ينبغي على المؤمن أن يفعل حيال هذه الفرصة السانحة من استرخاء النفس ومطاوعتها وقابليتها للحديث والتأمل والسمر؟ عليه أن يقوم الليل داعيا إلى الله، بالقول والفعل ومختلف أنواع الطاعات والعبادات كما هو دأب الأنبياء عليهم السلام، فلهذا جاء أمر الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً* أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}المزمل: 1-4.

وقوله تعالى {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} ليست دعوة إلى التغني بالقرآن كما نراه اليوم في مسابقات استعراض الأصوات! وإنما هي دعوة إلى إتباع القرآن، فالرّتل كما قال الفراهيدي هو: (تنسيق الشيء، وثغر رتل: حسن المتنضد، ومرتّل: مُفلّج. ورتلت الكلام ترتيلا: إذا أمهلت فيه وأحسنت تأليفه، وهو يترتّل في كلامه ويترسّل إذا فصل بعضه عن بعض). ونحن نقول اليوم: رتل من الدبابات ورتل من المدافع، أي مجموعة من الدبابات التي يلي بعضها بعضا منتضدة في صف واحد، فالمقصود بترتيل القرآن إذن هي قراءته بصورة غير مخلة وإتباع معانيه، وهو ذات المعنى الذي أوضحه قوله تعالى {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} القيامة: 18، وذات معنى قوله تعالى {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} البقرة: 121، أي الذين يتبعون حِكَمه وتشريعاته، فالترتيل والتلاوة جميعا تحتوي على معنى التدبر والإتباع إضافة إلى حسن القراءة.

وإتباع القرآن ترتيلا وتلاوة لا يكون إلا بإنزال دلالاته على أرض الواقع، ومعنى ذلك أن أمر الله لنبيه {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} هي دعوة مفتوحة للنبي وأتباعه لاستغلال فترة الليل {قُمِ اللَّيْلَ} وغيرها من اللحظات {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} التي توافق هدوء النفس من أجل الدعوة قولا وعملا من خلال بر الوالدين وصلة الأرحام، والتواصل مع الناس بالزيارة والاتصال وربما عن طريق التواصل مع الآخرين في شبكة المعلومات (الإنترنت)، بل ربما يكون التبضع في الأسواق والمجمعات التجارية قياماً لليل إن كان خاليا من المعصية والفساد، وقد تستغرق هذه الأعمال والطاعات الإنسان الليل كله أو نصفه أو ثلثه أو ربما تزيد عليه فلهذا جاء قوله تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً* أَوْ زِدْ عَلَيْهِ}.

وقد امتثل النبي عليه السلام وصحابته الكرام هذه الدعوة القرآنية، وذلك ظاهر في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}المزمل: 20. والآية كما هو واضح تعدد بعضاً من الأعمال والعبادات والطاعات التي تمثل الحد الأدنى مما يمكن للإنسان قيام الليل به، حتى مع وجود عوائق المرض والسفر من أجل الرزق أو القتال، وهذه الأعمال هي قراءة القرآن وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وتوزيع الصدقات.

إن أهمية هذا الكشف عن الجوانب المغيبة في مفهوم (قيام الليل) و (ترتيل القرآن) تكمن في توجيه المسلم إلى الاهتمام بجميع أوقاته، فبدلا من إضاعة الليالي بالتسكع في المجمعات التجارية والأسواق عليه أن يشعر أن تواجده في ذلك المجمع التجاري أو السوق يمكن أن يرفعه درجات في الجنات إن هو تأدب بخلق الإسلام، وابتعد عن الحرام، فسعيه في السوق هو قيام لليل، وقيام الليل قربة إلى الله وسبيل إلى تحصل رضوانه. كذلك الأمر بالنسبة للذين يضيعون أوقاتهم ولياليهم في تصفح المواقع الماجنة، أو المنتديات الإلكترونية الهابطة، لو استشعر كل منهم أن عمله هذا ربما يكون جزءا من أعمال قيام الليل المقربة إلى الله، لحث خطاه بحثا عن مواقع التعليم فكري وصفحات البناء المعرفي، ومنتديات الحوار التي تثري ثقافة الأمة وفكرها.

الخلاصة: أن قيام الليل في القرآن الكريم يعبر عن الدعوة إلى إقامة جميع أشكال الطاعات وأهمها وأولها الدعوة إلى الله بجميع صورها، كما أن تلاوة القرآن وترتيله لا تكون بالتغني وتحسين الأصوات وإنما تكون التلاوة والترتيل بالتدبر والإتباع وتطبيق أحكام القرآن في حياة الناس.

 

نشر في مجلة الفلق (http://alfalq.com/author/zak)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *