كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

الإصلاح في القرن الواحد والعشرين

الإصلاح جزء لا يتجزء من حركة الحياة المكونة من سلسلة عمليات متتابعة، ولا تخلو أية حلقة من هذه السلسة أن يكون لها حظ من التوفيق والنجاح كما إنها لا تعدم نصيبا من الفشل والإخفاق، إن الأمم النابضة بالحراك الحضاري لا تستطيع تقويم مسيرة حياتها نجاحاً وفشلاً إلا بتأسيس قواعد فحص ورصد وتمحيص ونقد، مهمة هذه القواعد قراءة نتائج وبيانات التقدم والتأخر في المسير الحضاري، ولأن هذه القواعد المؤسسية كانت وما تزال –في بعض الحضارات- قابعة في اللامفكر فيه بشرياً فإن الإنسانية لم تعدم خلال مسيرة وجودها من نبوغ أصوات وظواهر إصلاحية قادت الإنسانية في أحلك الظروف والأزمات إلى بر السلامة والأمان.

إن الإنسان مجبول بطبعه على الركون إلى المألوف والتطير من التبدل والتغيير، فلهذا عانت حركات الإصلاح وما تزال تعاني من التهميش بل وحتى من الإرهاب ومحاكم التفتيش، لم يشهد العالم إنقلابا على الجديد كما شهد انقلاباً على المصلحين، والتاريخ لم يسجل حالة من حالات استقبال المصلحين بالزهور ولا بالبخور، في حين سطّر لنا سجلاً حافلا بالمقاصل والمشانق والأفران والمحارق التي ذابت فيها أجساد المصلحين، حتى أن القرآن وهو كتاب إصلاحي جاء به مصلح في لحظة خمود حضاري خصّ إحدى سوره بقصة أصحاب (الأخدود) كناية عن التنور الذي شويت فيه أجساد بعض المصلحين في التاريخ الغابر، فهل اختلف الحال في القرن الجديد اتجاه الاصلاح أم أن قاعدة (تغير الحال من المحال) ما تزال المسيرة لدفة التاريخ ضد الإصلاح وأهله؟

الإجابة ليست بالسهلة في لحظة تاريخيه يصفها البروفسر (هوكنز) بأنها لحظة التعقيد والاشتباك، فتحديد مفهوم الاصلاح تلفّه الكثير من الضبابية، كما أن المناطق التي يجب أن يطرقها الإصلاح ليست أقل لبسا واعتراكاً، إضافة إلى أن تحديد أولويات الإصلاح هي أيضاً محتاجة إلى فرز ومخض.

تتزاحم في عالمنا العربي رؤيتان إصلاحيتان، الأولى تنتصب على قاعدة أن الإصلاح يجب أن يكون سياسياً لعدة اعتبارات أهمها أن إصلاح القيادة يؤدي إلى توجيه دفة المجتمع نحو الإصلاح في المناطق الأخرى، أما ثانياً فإن الإصلاح السياسي ثمرته مباشرة في حياة الناس حيث يلمسون أثرها الاقتصادي الضروري لتلبية حاجاتهم المعيشية وبالتالي تتحقق لهم السعادة بتوفر المادة الضرورية للحياة. أما الرؤية الأخرى فإنها تقوم على أساس أن الإصلاح يجب أن يكون ثقافياً وفكريا لإن الإصلاح الثقافي هو الكفيل بتوجيه المجتمع بجيمع شرائحه نحو الإصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

لا شك أن لكل رؤية أنصارها ومؤيدوها لكن سنة التاريخ التي لا تتغير ولا تتبدل تنبأنا أن الإصلاح السياسي إذا سبق الإصلاح الثقافي فإنه محكوم بالفشل، ولنا في الانقلابات السياسية في العالم العربي والإسلامي عبرة لأولي الألباب، فالمصلحون السياسيون ليسوا سوى نتاج خرب لثقافة معطوبة في مجتمعات تعاني من الانحطاط والجمود، في الجانب الآخر ينبأنا التاريخ أن الإصلاح الفكري والثقافي هو الأقوى أثراً والأدوم بقاءا كما هو الحال مع دعوة الأنبياء قديماً والتغير الفكري والثقافي في أوربا بعد القرون الوسطى حديثاً.

إذاً ما تحتاجه مجتمعاتنا كي تصحو من كبوتها الحضارية هو إصلاح ثقافي وفكري، لكن ما هي نوعية هذا الإصلاح وما هي المناطق الفكرية المحتاجة إليه؟ البعض من أمثال محمد أركون وجورج طرابيشي يرون أن مشكلة العالم العربي الثقافية تكمن في التحجر الفكري الذي يؤسسه التفكير الديني، وأن الدين يجب الانقلاب عليه كما حصل في أوربا الحديثة.

آخرون يرون الموضوع أكثر اشتباكاً من هذا التبسيط التسطيحي لاصحاب تلك الدعوة الاستئصالية، فالدين الإسلامي يحمل في جوهره بذور الإصلاح والتغيير والتجدد لكنه يعاني إعلامياً من سيادة الرؤى الإقصائية التي لا تعترف بالآخر ولا تفسح مجالاً للحوار حتى مع الذات. هذه الرؤى الإقصائية هي التي جعلت يومنا أشبه بأمس من قبلنا، فتحريض أصحاب هذه الرؤى ضد الإصلاح والمصلحين هو ذاته الذي سطره التاريخ، حتى الخطاب وأبجدياته تم استنساخها وتجييشها ضد كل دعوة للإصلاح. إن أشد أنواع الكبت التي يمارسها أصحاب هذه الرؤى يتمثل في الخلط السافر بين أصحاب الدعوات الاستئصالية العلمانية وبين أصحاب الدعوات الوسطية الحضارية النابعة من صميم التراث العربي والفكر الإسلامي، فصار المجتمع لا يميز بسبب توجيهه وشحنه بين الحركات الإصلاحية الاستئصالية كالعلمانية وبين الاتجاهات الإصلاحية الوسطية الحضارية فكلهم عنده سواء .

كما عمد أصحاب الرؤى الموسوسة والمتوجسة من التغيير إلى وسائل أخرى لتحصين المجتمع من أي دعوة إصلاحية سواء أكانت استئصالية علمانية أم وسطية حضارية، هذه الوسائل تتمثل في بث الإشاعات وترهيب الناس من الاقتراب من كل صاحب فكر مخالف لأصحاب الرؤى الموسوسة، ومن ضمن الاشاعات نسبة أصحاب الفكر الإصلاحي إلى الارتباط بمؤسسات خارجية معادية للإسلام، وهي تهمة أقرب إلى تهمة الزندقة في العهد العباسي، حيث كانت تهمة من لا تهمة له، بالطبع لا نستطيع تبرئة بعض الحركات الإصلاحية استئصالية علمانية كانت أم وسطية حضارية من الارتباط بمؤسسات خارجية ذات أهداف غير حميدة إلا أنه لا يمكن القبول حتماً بإطلاق تهم العمالة جزافاً مع ما تحمله من تبعات اجتماعية وقانونية وشرعية.

أصحاب الفكر العلماني الاستئصالي كبعدالله القصيمي وهاشم صالح وغيرهم وقعوا في نفس الفخ الذي ساخت فيه أقدام من يصفونهم بالتحجر والإقصاء، فقد مارسوا ذات التعميم في الأحكام ضد خصومهم حيث عمموا تهمة الجمود والتخلف والرجعية والماضوية ضد كل الاتجاهات الدينية التقليدية منها والإصلاحية الموسوسة منها والمنفتحة، هذا التعميم التسطيحي لا يريد أن يرى الصورة كاملة كما هي بل هو يعمد إلى تشظيتها واختيار شظية واحدة منها لمحاكمة المجموع، والأحكام عند هذا التيار العلماني الاستئصالي لا تختلف عنها عند مخالفيهم ممن يصفونهم بالتحجر والجمود، فكلا الفريقين لا يرى في الأشياء سوى لونين سواد وبياض، نور وظلام، إنها المانوية مجددا ولكن في صورة جديدة، إنه ذات التقسيم الإمبريالي الأمريكي الذي أطلقه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش حين قال: من ليس معنا فهو ضدنا.

ليست كل الاتجاهات الدينية التقليدية متخلفة وماضوية، فهناك مفكرون تقليدون ساهموا في تنقية المجتمع من الابتذال، وجنبوا ثقافته من التفكك والانهيار، يسيرون في ذلك وفق قواعد الدين السمحة التي تتسع للجميع، بعيداً عن الغلو والتطرف والشطط، هؤلاء المفكرون ليسوا بالضرورة ملائكة معصومين، وتسجيل مواقف متشنجة في تاريخهم الحافل بالسماحة لا يخرجهم من دائرة الإصلاح الفكري والاجتماعي، ومن أبرز أمثلة هؤلاء المفكرين الشيخ أحمد الخليلي والشيخ يوسف القرضاوي والشيخ محمد حسين فضل الله.

. في الجانب الآخر ليست كل الاتجاهات الدينية الإصلاحية وسطية وحضارية، فهناك اتجهات دينية حركية بالمعنى المؤسسي والدعوي لكنها لا تفرخ سوى فكراً متخلفاً مفارقاً للواقع وزاهداً في الحياة. فالأمر إذاً لا يخلو من تشعب ولبس فنحن بالفعل كما قال هوكنز نعيش لحظة التعقيد والاشتباك والغموض.

الخلاصة أن الحاجة إلى الإصلاح الثقافي والفكري في المجتمعات العربية أكثر إلحاحاً من الحاجة إلى الإصلاح السياسي، وأن الرؤى الإصلاحية الثقافية الاستئصالية هي رؤى تسطيحية لم تقرأ الواقع العربي وتراثه بتعقيداته والتباسته، وإنما قرأته وفق منطق مانوي براجماتي انتهازي يعتمد التعميم والاستئصال، وكما أنه ليست كل الحركات الفكرية الإصلاحية استئصالية، فإنه لا يجوز تعميم تهم التحجر والإقصاء والتخلف والماضوية ضد كل الاتجهات الفكرية التقليدية، وفي معمعة هذا الاشتباك والتعقيد الذي يميز القرن الحادي والعشرين فإن المستقبل لا شك سيكون حليفاً للحركات الإصلاحية الوسطية الحضارية إن استطاعت الصمود أمام تحديات أصحاب الرؤى المتحجرة وأصحاب الاتجاهات الاستئصالية.

 

نشر في مجلة الفلق (http://alfalq.com/author/zak)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *