كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

حتمية الضربة الإسرائيلية

حين داعبت فكرة المشروع النووي مخيلة الإيرانيين لم تنسهم واقعهم الإقليمي والدولي خاصة موقف إسرائيل والولايات المتحدة من هكذا مشروع ربما يشكل خطرا استراتيجيا على وجود إسرائيل وعلى مصالح أمريكا في الشرق الأوسط. حاول الإيرانيون الاقتراب من الأمريكان عن طريق تقديم تسهيلات لوجستية للحرب الأمريكية على العراق وأفغانستان، كما حاولوا في الوقت نفسه تطويق إسرائيل عن طريق دعم ما يسمى بقوى الممانعة والمقاومة والتي تمثلها سوريا وحزب الله وحماس. كان الرهان الإيراني قائماً على أن أي هجوم على منشئاتها النووية لن يكون إلا أمريكيا، فلهذا سارعوا في توسيع ترسانتهم الهجومية والدفاعية التي يمكنها إصابة القواعد والمصالح الأمريكية في الخليج. وقد قام الإيرانيون باستعراض عضلات واضح حين حاصروا زورقا بريطانيا وألقوا القبض على جنوده، كما قاموا باستفزاز بوارج أمريكية في الخليج العربي.

اطمأنت إيران من توجهات أمريكا أوباما وكانت تظن أن الوضع في إسرائيل وحولها سيكون أكثر مواتاة لو تمكنت تسفي ليفني من الفوز بالانتخابات ولو تمكن حزب الله وحلفائه من الفوز في الانتخابات اللبنانية، لكن جرت رياح القدر بعكس ما يشتهي المقدور الإيراني، حيث تقدم اليمين الإسرائيلي المتطرف برئاسة نتنياهو وليبرمان، وخسر حزب الله أمام القوى المناوئة لحلفاء  إيران.

لم تكف رياح القدر عصفاً بالتكتيك الإيراني بل أوقعتهم في مأزق استراتيجي داخلي حيث انتهت الانتخابات العامة بإشكالية حقيقة للنظام الذي بدأ يتصدع على جميع المستويات بدءا من القاعدة الشعبية وانتهاء برجال الثورة أنفسهم وعلى رأسهم هاشمي رفسنجاني. فما هو أفق المشروع النووي وما هي استراتيجية الردع الإسرائيلي؟

إسرائيليا ابتدأت الاستعدادات للضربة المحتملة على إيران مبكراً جدا، حيث قامت إسرائيل بتطوير أجهزة صواريخها الاعتراضية، وفتحت أراضيها لقاعدة دفاع جوي أمريكية مجهزة بأحدث أجهزة الرصد الجوي ومضادات للصواريخ البالستية، كما قامت بعدة مناورات جوية، بل وقامت بهجمات فعلية على أهداف بعيدة جغرافيا عن إسرائيل كالهجوم على الموقع العسكري السوري والهجوم على مناطق شرق السودان، ولا يستبعد أن يكون هناك تواجد إسرائيلي جوي في أفغانستان فهي دولة كبيرة ومفتوحة أمنياً وجغرافيتها الوعرة قريبة من جغرافية جاراتها إيران، وهناك هجمات جوية كثيرة على المناطق في أفغانستان وباكستان لا يعرف من قام بها.

على المستوى الإقليمي نجحت إسرائيل في منع صفقة المضادات الجوية الروسية المتطورة عن كل من سوريا وإيران، كما بدأت إسرائيل وأمريكا اتصالات سرية ومباشرة مع الحكومة السورية لتحييد النظام السوري عن التدخل في الصدام المتوقع بين إسرائيل وإيران.

 حزب والله وحماس يمثلان تهديدا حقيقيا لشمال وجنوب وإسرائيل وحتى عمق إسرائيل مهدد أيضا بالفدائيين الحمساويين المستعدين للقيام بعمليات تفجيرية في العمق الإسرائيلي، فصواريخ حزب الله وحماس (الكاتيوشا) صغيرة الحجم تتميز بالسرعة والقدرة على تجاوز أجهزة الدفاعات الجوية، بخلاف الصواريخ البالستية العملاقة والتي تصل أحجام بعضها إلى ضعف حجم الطائرات المقاتلة والتي يسهل رصدها وإسقاطها. لكن حزب الله بدأ مرحلة جديدة بعد خسارته وحلفائه للانتخابات اللبنانية وصارت قضية سلاحه وولائه على رأس أجندة الحكومة اللبنانية الجديدة، فتورط حزب الله في حرب جديدة دفاعاً عن إيران سيسبب له إحراجاً ربما يفقده بعده الوطني والعربي، وحماس ليست بأفضل حال من حزب الله خاصة بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة والحصار التام الذي تنفذه إسرائيل وبعض الدول العربية، مما جعل حماس قابلة للتطويع والدخول في مفاوضات مع فتح وتغليب الهم الوطني الفلسطيني على أية هموم وولاءات إقليمية أخرى.

إيرانيا وبعد الهزة الأخيرة التي فجرتها نتائج الانتخابات الرئاسية بدا واضحا انقسام الإيرانيين بين خيار تغليب المصلحة الوطنية والانفتاح على الغرب الذي يمثله الإصلاحيون وبين خيار الانغلاق على الداخل وحشد القوة والعتاد دفاعا عن الذات المتضخمة التي يمثلها المحافظون، لقد انطلق مارد المسكوت عنه مثرثرا بحديث لاذع ضد شخص المرشد الأعلى للثورة متهما إياه بالاستبداد تارة ومتوعدا إياه بالموت تارة أخرى، وهذه سابقة لم تألفها الساحة الداخلية الإيرانية منذ استتاب الأمر لرجال الدين بعد الثورة، لقد كان الموقف من المشروع النووي الإيراني هو أحد نقاط الخلاف بين الإصلاحيين والمحافظين، حيث يرى الإصلاحيون وجوب عدم جعل هذا المشروع عقبة أمام التواصل البناء مع الغرب، بينما يصر المحافظون على الاستمرار في المشروع بالرغم من كل الضغوط، في المحصلة فإن أية ضربة أو أية حرب تشن على إيران بسبب هذا المشروع ستؤدي بلا ريب إلى إضعاف موقف المحافظين في قبال موقف الإصلاحيين الذين لا شك أنهم سيقفون ضد الحرب على بلادهم بيد أنهم قطعا لن يسكتوا بعد أن تضع الحرب أوزارها.

 أمريكيا لن تتورط القوات الأمريكية في الضربة الأولى ولن تتدخل في الحرب إلا أن تم مهاجمة قواعدها في المنطقة، وبخروج القوات الأمريكية من المدن العراقية تبقى قدرة حلفاء إيران على إلحاق الأذى بالقوات الأمريكية المتواجدة في العراق ضئيلة، وأي هجوم على القواعد العسكرية في الخليج العربي يعني بالضرورة حربا مفتوحة مع دول الخليج مما سيفقد إيران أي تعاطف إقليمي أو دولي معها في هذه الحرب.

الضربة الإسرائيلية ربما لن تقتصر على المنشئات النووية وحسب، بل ستتعدى ذلك إلى ضرب القواعد الجوية ومنصات إطلاق الصواريخ البالستية وربما ستستهدف بعض رموز النظام كمرشد الثورة ورئيس الجمهورية مما يعني دخول إيران في نفق مظلم من احتمالات الفوضى والتقسيم.

توقيت الضربة الإسرائيلية لا ينتظر سوى ضوءا أخضرا أمريكيا، وأمريكا لن تعطي هذا الضوء دون التشاور مع القوى العظمى الأخرى كالصين وروسيا وحلف الناتو واليابان التي لها جميعا مصالح كبيرة في الخليج العربي، وقد قام نتنياهو ومن قبله ليبرمان بزيارة معظم هذه الدول للتبشير بهذه الضربة واستجداء تعاطف تلك الدول مع الفكرة الإسرائيلية. الضربة حتمية ولا محص عنها، ولا يملك إبطال فتيلها سوى الإيرانيون!

الإيرانيون وحدهم من يملك الحلّ لهذه الأزمة التي أحدثتها تطلعاتهم النووية غير المحسوبة، وهو يحتاج بداية إلى حلّ المشاكل الإيرانية الداخلية عن طريق إلغاء وصاية الفقيه على النظام، وإعادة النظر في المؤسسات العسكرية الثورية التي تتصرف بعيدا عن سلطة الدولة، وعلى إيران أيضاً أن توقف برنامجها النووي أو تؤجله لمدة عشر سنوات على الأقل بحيث تقوم بإعادة قراءة للواقع حينذاك لاستئناف البرنامج من عدمه.

المنطقة مقبلة على أيام سوداء ليلها كنهارها، وعلى العرب وأهل الخليج تحديد خياراتهم الإستراتيجية، فإيران تشكل واقعا جغرافيا وامتداد تاريخيا لا يمكن تهميشه، وأي ضربة ضدها هي ضربة موجهة نحو أمن واستقرار جميع دول المنطقة، على دول الخليج أن تكون واضحة في إعلان عدم القبول بالمشاركة بأي شكل في أية ضربة ضد هذا الجار القديم والعملاق لأن المشاركة في هكذا عمل أهوج لن يؤدي إلا إلى إغراق المنطقة في حروب عسكرية وإثنية ومذهبية لا مصلحة لشعوب المنطقة بها.


  زكريا بن خليفة المحرمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *