كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

استبداد البراجماتية وتحرير الإنسان


“لا يفقه الإنسان كل التفقه حتى يرى للقرآن وجوها” العوتبي الصحاري.
 

الحديث عن الأفكار لا يكاد ينتهي، فكل يوم تقذف الأذهان بفكرة جديدة تزيد وتعيد في منظومة الأفكار، فالأفكار مثل الخلية البشرية منغمسة في عمليات الهدم والبناء المعروفة بـ (الأيض أو Metabolism).

هذه العملية الهامة في تطور الخلية لا يرصدها الإنسان العادي إلا حين يرى الجسد البشري آخذاً في الانكماش أو التمدد، كذلك الأمر بالنسبة للأفكار لا نكاد ندرك عمليات أيضها هدما وبناءا إلا حين تؤثر مباشرة في حياتنا سلبا  أو إيجابا.
نحن بالتأكيد نعلم ما هي الخلية البشرية من خلال التشريح المخبري بيد أنا نقف حيارى إزاء هذا الكائن المدعو (الفكرة)! فما هو هذا الكائن؟ هل هو شيء حسي؟ أم هو شيء ذهني مجرد؟ لا شك أن الحديث عن الأمور الحسية أسهل بكثير عن الحديث عن الأمور التجريدية، فمجال الاختلاف في الأمور الحسية يحسمه الفحص الكوني (التجربة)، فلهذا صارت العلوم الحسية مبنية على التجربة، ولا مجال فيها للتجريد والنظر إلا بقدر ما تفتح آفاقا جديدة للاختبار.
أما الحديث عن الأمور التجريدية فالجدل فيها لم ينتهي منذ بداية البشرية وحتى يومنا هذا، واستحضر في هذا المقام قول الفيلسوف الفرنسي ديكارت: (ولن أقول شيئا بخصوص الفلسفة سوى أنني لما رأيت أنه وقع تعاطيها من طرف أبدع العقول التي تواجدت منذ قرون عدة وأنها على الرغم من ذلك لا تحتوي على مسألة واحدة لا يمكن الجدال بشأنها وبالتالي لا يمكن الشك فيها)، فالفلسفة التجريدية قائمة على الافتراضات والاحتمالات والظنون بل وحتى الأوهام.

استبداد البراجماتية:

ألج من هذا المدخل لطرق مقال خميس بن راشد العدوي (أنساق البراجماتية)  المنشور في ملحق شرفات بتاريخ 6 مايو 2009 متجاوزا الحديث عن لغته النخبوية وتراكيبه المعقدة وتجريده المتعالي عن الواقع والتي أوقعت الكثيرين مؤيدين ومعارضين- في لبس من رسالة المقال، ومذكرا بقول ديفيد هيوم (من المؤكد أن الفلسفة السهلة الواضحة مفضلّة أبداً لدى عموم البشر على الفلسفة الدقيقة العويصة، وينصح الكثيرون بها بوصفها لا أمتع من الأخرى وحسب، بل أكثر فائدة أيضاً. أما الفلسفة المغلقة القائمة على لفتة ذهنية لا يمكنها أن تدخل في الأعمال والأفعال، فهي على العكس تندثر ما أن يغادر الفيلسوف الظل ويخرج إلى وضح النهار. وما يجب أن يعترف به أيضاً هو أن الفلسفة السهلة قد فازت بشهرة أدوم وأحق أيضاً. وأن أهل التعليل التجريديين حظوا حتى الآن على ما يبدو بمجرد شهرة مؤقتة ناجمة عن الفضول أو عن جهالة عصرهم).
طرح العدوي فكرة تجريدية جريئة مفادها أن القانون الحاكم لأية فكرة إنما يكمن في (براجماتيتها أو نفعيتها)، مع أن البراجماتية غير والنفعية غير، فالأولى متوحشة كما يقرّ جورج هربرت ميد (1863-1931م) وهو أحد منظريها لما تحويه من مضامين رأسمالية انتهازية وفردانية. لم يترك العدوي أي مجال لأية قوانين أخرى كي تنطلق في فضاء الأفكار أو ربما هو قيد الأفكار في معتقل البراجماتية  بدلا من أن يطلقها في فضاء القوانين المتعددة. قطعاً لم يكن مقال العدوي بيان مصادرة واعتقال ولكنه حتماً لم يكن رسالة تعددية ووصال. ربما يتمنى المرء لو يجد في مقال العدوي تشظيا يجعل رسالته فسيفساء فكرية لها أبواب واسعة ومتعددة بدلا كونها -كما يحب أن يصفها البعض- حجرا مسمطا ليس له سوى باب واحد خزَنَتُه البراجماتية والنفعية.
الأفكار ليست شيئا ملموسا يمكن أن نتفق في تعريفه ودراسته وقوننته، بينما تعامل العدوي مع الأفكار باعتبارها كائنات محسوسة يمكن ترويضها في المختبر العدوي، فخرج علينا بنتيجة صادمة ومحبطة بل و حسب تعبير الدكتور عبدالله الحراصي-مخيفة. لا يكمن الإحباط والخوف والصدمة في خطأ النتيجة، فنحن هنا لسنا في معرض تقديم حكم قيمي للفكرة العدوية، وإنما الصادم والمخيف والمبحط معاً هو في لغة المصادرة وتقديم  الإجابات النهائية والإدعاءت المطلقية والفهوم النهائية التي أحكمت قبضتها على المقال العدوي من مبتدأه إلى منتهاه.


ومع أن مسوغ العقلانية التجريدية قائم كما يقول كوتنغهام على أن يكون التعليل مفهوما على نحو واضح ومميز وبلغة الروابط الضرورية والصارمة، إلا أننا لم نجد تعريفا واحدا ولا شرحا واحدا ولا ربطا واحدا يمكن أن يبرر ذلك الإصرار العدوي على اعتقال الأفكار ومصادرتها وفق قانون واحد، وواحد فقط، ألا وهو النفعية أو البراجماتية كما يحب أن يسميها.
يقول كوتنغهام : (لكي نفهم فيلسوفاً سواء أكان قديما أم حديثا نحتاج إلى إخضاع أفكاره للامتحان النقدي المتواصل، إن علينا إن جاز القول أن نتجادل مع الفيلسوف بدلا من تشرّب أفكاره سلبياً)، وهو ما بالضبط ما سنمارسه مع فيلسوفنا العدوي، ونبدأ بالقول أن مصطلح الفكرة إنما يعبر عن نتيجة العملية العقلية المسماة (التفكير)، ونحن لا نعلم ماهية هذه الفكرة، ولا كيفية القيام بها، وإلى اليوم لا يزال النزاع قائما بين الفلاسفة حول ماهية العقل، ومكانه ودوره في بناء الأفكار، يكفي فقط الرجوع على كتاب (العقل Mind) لجون سيرل المنشور عام 2004م لنتلمس حجم ضبابية مفهوم العقل، ولأن كان الأمر كذلك مع الأصل (العقل) فلا ريب أن الفرع (الفكرة) لن تكون أقل تجريدية واشتباكاً، فالبحث حول ماهية الفكرة وطبيعتها وقوانينها هو بالتأكيد أشد التباساً وضبابية، ويحمل مساحات أوسع للاختلاف من الجدل حول (العقل). فحديث العدوي عن قانون واحد أحد للـ(الفكرة) قائم على تجاوز الحقائق السابقة فهو بالتالي حديث مبتعد عن الموضوعية وواقع في أعراف المصادرة وهوة الادعاءات الإطلاقية، إنه حديث لا رصيد له في بنك الفكرة ولا أسهم له في سوق العقل.
لو اتفقنا مبدئيا مع العدوي في أن فكرة معينة كـ(القراءة) يحكمها القانون الدكتاتوري المسمى (البراجماتية)، وأن الناس تقرأ طلبا للمنفعة المختبئة وراء هذه الفكرة، فإننا سرعان ما نتفارق عن العدوي حين نصرّ إصراراً أبديا على وجوب إخضاع فكرة (القراءة) للفحص. هل هي فكرة واحدة أم هي سلسلة لا متناهية من الأفكار، فالقراءة تنطوي على مكونات عدة منها: المعرفة، الكتاب، الكاتب، الطابع، الناشر، الأوراق، الأحبار، الألوان، الغلاف، الوزن، الحجم، الرائحة، …الخ. ولو نظرنا في كل مكون من هذه المكونات لوجدنا سلسلة لا متناهية من الأفكار تتقاطع معه وتؤثر فيه، فالمعرفة على سبيل المثال تؤثر فيها أفكار كثيرة من قبيل: حب الإطلاع أو كراهيته، نوعية المعرفة هل هي متوافقة مع القيم والمبادئ والرغبات أم تعارضها، كم المعرفة أيضاً يؤثر فهناك من يكفيه النزر اليسير وهناك من لا يكتفي بالبحر الغزيز.


فلو حاولنا أن نُدخل فكرة (القراءة) في آلة المنفعة العدوية لسك صالح الأفكار من طالحها لوجدنا أن مُحدّد المنفعة يصعب تحدديه ويستحيل تمييزه. فأين تكمن المنفعة، هل في فكرة القراءة أم في فُكيراتها (تصغير فكرة) أم الأفكار والفُكيرات المؤثرة في الفكرة أو الفُكيرات المتناسلة منها وعنها إلى ما لا نهاية.
الجواب لا يمكن حسمه بنفس اللغة الحاسمة التي صاغ بها العدوي مقاله وحدد بها قانونه، بل أننا ربما نتمكن من تفكيك المنفعة إلى مُنَيفْعَات أصغر إلى ما لا نهاية حتى تغدو هذه المنفعة أقرب إلى حالة الهلام الطيفي الذي تكون فيه الفوتونات الجسيمية سابحة في الطيف الموجي للضوء، بحيث يكون الضوء ليس مادة وليس طاقة، وهكذا المنفعة تكون في حالة من التفتت والتفكك والانصهار والتلاشي بحيث تكون لا هي منفعة ولا هي غير ذلك. ولأن كانت الفيزياء الكميّة قائمة على هذا التفسير النسبي للضوء، فلا أظن أن الأفكار والمنافع أكثر حسيّة وتجريبية من الضوء حتى يمكن تفسيرها بصورة مطلقة بالطريقة العدوية.

أضف إلى ذلك أن المنفعة أو المنيفعة لا تنتصب في الفكرة ذاتها كما ذهب العدوي وإنما تكمن في الطريقة التي ننظر من خلالها  إلى الفكرة، أو قل في الأفكار الأخرى التي تحلل هذه الفكرة وتشرّحها، فمثلاً يمكن أن ننظر إلى القراءة باعتبارها نافعة لأننا نحب الكاتب، ولكن يمكننا أن ننقلب على ذات الفكرة (القراءة) ونعتبرها خاسرة لأننا افتقدنا حب الكاتب الذي دفعنا نحو القراءة! فالقانون في قبول الفكرة (النفعية) وامتثالها لا يكمن في أصل الفكرة كما بيّن العدوي في مقاله وإنما في الزاوية التي ننظر من خلالها إلى هذه الفكرة والفكيرات المكونة لها والمتناسلة عنها، ونظرتنا إلى الفكرة ليست جزءا من الفكرة بل هي شيء مستقل عنها، والعدوي في مقاله شدد وأكدّ على أن النفعية هي جزء من الفكرة بل هي لحمة فيها!


أضف إلى ما سبق أن العدوي يتحدث عن المنفعة باعتبارها قانوناً للفكرة، وهو مسبوق بحديث غيره عن الخير والشر باعتبارهما قانوناً  للأفكار، وهناك من تحدث عن الحق والباطل، والمعتزلة تحدثوا عن الحسن والقبيح، والناظر إلى هذه المفاهيم يجدها جميعا لا تخلو من إطلاقات وتعميمات وتداخلات وتشابكات بحيث يصعب معها الحديث عن الواحدة وتجاهل الأخريات، فلو قال أحدٌ أن القراءة تجلب له المنفعة. هل يعني أنها تجلب له فائدة؟ أم تراه يعني أنها تجلب له خيراً أو أنها تجلب له حُسْناً أو حقاً؟ فالظهور في صورة المثقف على سبيل المثال قد تمثل منفعة ولكنها ليست بالضرورة مفيدة ولا حسنة وليست بالضرورة خيراً كما أنها بالتأكيد ليست حقاً، فالمنفعة إذن هي هدف أو غاية يسعى إليه الإنسان، وهذا ملحظ تعريفي لم يتطرق إليه العدوي الذي لا يخفى على مثله أن الفلسفة البراجماتية منبوزة بشعارها القادح (الغاية تبرر الوسيلة).
وبما أن الوسائل ليست كلها شريفة، فإن الأهداف كذلك ليست كلها نبيلة وليست كلها مفيدة، وليست كلها خيرا وليست كلها حسنةً، وليست كلها حقاً، وبالتالي تكون المنفعة ذاتها بحاجة إلى قانون يضبطها، ومن هنا نتبين أن القانون المطلق الذي اعتمده العدوي ليس سوى سراب بقيعة نسبوي محتاج بذاته إلى قوانين أخرى لتقويمه وتصويبه، وهنا نعود ونكرر الحديث عن رفضنا لمبدأ النظرة الأحادية والقانون الأوحد، لأن مثل هذه القوانين (بتاع كله) تتهاوى بالتمدد وتتماسك بالتقلص، وليت العدوي قلص مساحة قانونه ليحاكم بعض جوانب الفكرة بدلاً من أن يمد خيله ورجله ليحتل جميع مساحة الأفكار أرضها وبحرها وسماءها، حتى أمست الأفكار بعد حريتها غير المقوننة مستعبدة من قبل جحافل القانون النفعي المستبد.

تحرير الإنسان:

لسنا في صدد إسقاط القانون العدوي (البراجماتية) الذي بشر بها في مقاله، بل حقه علينا أن نحتفي به ونثمنه، وإنما القصد من هذا التعليق التأكيد على حرية العقل وحرية الأفكار، والدعوة إلى التعددية التي ميزت المشهد الكوني وأعطته بريقه وجماله والتي هي بالتأكيد أحد أسرار بقاءه، والتصدي للأحادية في كافة أشكالها أصولية كانت أم فلسفية.


إن مصادرة التعدد وادعاء الوصول إلى الحق المطلق هو أحد أسباب شقاء الإنسانية خاصة في عالمنا العربي والإسلامي حيث تمثل النظرة الأحادية القانون الحاكم لكل الحياة سياسية كانت أم فقهية، حتى في إطار القبيلة والأسرة بل وحتى مع الذات أحياناً. علينا أن نعترف أننا لا نمتلك الحق المطلق، وأن كل ما لدينا لا يمثل سوى حقيقة نسبية نحاول أن نعرج بها طبقا عن طبق للوصول إلى ذاك الكمال المسمى الحق المطلق، حيث تضع حرب العقول أوزارها وتركع القلوب سكينة، وتسجد الأرواح طمأنينة، وترتقي الأنفس راضية مرضية إلى الجلال والصفاء والكمال.

إن اليقين الذي طبع القرن التاسع عشر انحسر أمام مدّ نسبية القرن العشرين، أما قرننا الواحد والعشرين فهو عصر التواضع العلمي والاعتراف بحدود المعرفة حتى قال البروفسور هوكنجز  عن هذا العصر بأنه عصر (التعقيد)، وهو وصف شارح للخط الذي يجب أن يسير عليه العلماء والفلاسفة بحيث يستصحبون حقيقة التعقيد ونسبية الأفهام، ووجوب تقديم قراءات متعددة بعيدا عن المصادرة وتأليه القانون الفرد.

ربما نتساءل عن القانون الحاكم للأفكار، والجواب أنه لا يوجد صنم يسمى قانون الفكرة، بل لكل فكرة قانونها الخاص بها، وهذا القانون إنما تحدده النظرة التي ننظر من خلالها إلى هذه الفكرة، هل ننظر إليها من خلال (الأهواء) المتمثلة في الذاكرة القريبة وردات الفعل اللاإرادية، أم ننظر إليها من خلال (العقول) المتمثلة في عمليات التفّكُر الواعي والتحليل والنقد الصارم، أم ننظر إليها من خلال العقل والهوى معاً، ولكل من العقل والهوى ميزانه الخاصة، فالهوى ينظر إلى القشور والمظاهر الخارجية، والعقل ينظر إلى لب الأفكار ومكوناتها (الدون فكرية) أو الفُكيرات المكونة والمنبثقة عن الفكرة. وفي النهاية لن تكون نظرتنا للأفكار وحكمنا عليها وقانوننا الذي نقاضيها به سوى قانون نسبي تدخل فيه المنفعة والفائدة والخير والشر والحُسن والقبح والحق والباطل والحب والمبادئ والقيم وغيرها.

ليس الإنسان عقلا محضا أو مجموعة أفكار كما ذهب العدوي في مقاله، بل الإنسان كائن معقد تعقيد الكون الذي نعيشه بل ربما يكون أشد تعقيدا، فالإنسان مكون من عناصر بيولوجية  متمثلة في الجسد ورغباته ومؤثراته وتأثيراته ، وقدّ أكد أطباء السلوك في تجاربهم العملية أن الحرمان الجسدي من الهواء أو الماء أو النوم أو الطعام أو الجنس يؤدي حتماً إلى تغيرات نفسية وسلوكية تطلق محرضات العنف من كوامنها بعيدا عن عقال الحس والعقل. والإنسان مكون أيضاً من عناصر عقلية تتمثل في الإرادة والقدرة على التحليل والبناء والتفكيك، ومكون بالإضافة إلى هذا وذاك من عناصر وجدانية تمثل ذلك البعد الغائر في أعماق الذاكرة حيث يسافر خطابه من البعيد فيتجلى بكل هيبة آسرة وحماس متلظي في صورة انطباعات عاطفية تتملك الإنسان وتدفعه نحو عمل المستحيل، إنه الحاضن للحب والخازن للإخلاص والنبع الدافق بالإيمان.

إن اختزال الكائن البشري الذي خضع له الكون وسجدت له الملائكة في مجموعة أفكار لا يمكن أن نعدّه سوى مصادرة مجحفة في حق إنسانية هذا الكائن الذي كرمه الله تعالى فخلقه وسواه وعدله وفي أي صورة ما شاء ركبه. إن هذا التعقيد الخَلْقي والتشاكل التكويني في الكائن البشري يدعو الإنسان للثورة في وجه كل دعوة للاستبداد والاحتكار والمصادرة.


إن التكوين الخَلْقي للإنسان قائم على التنوع والتعددية ولا يجوز لأي منا أن يصادر على الآخرين حقهم في الاختلاف والتعدد والتشاكل، ولو كان ذلك باسم قانون الأفكار، وهنا نستحضر قول العوتبي الصحاري الذي يرفعه إلى النبي عليه السلام “لا يفقه الإنسان كل التفقه حتى يرى للقرآن وجوها” للتأكيد على أن التنوع والتعددية في الرؤى والموازين والقوانين هو دليل حكمة وفقه وفطنة، وأن التنوع والتعدد في الأفكار والرؤى يمثل سنة كونية أكدها نبي القرآن.

ليس هذا المقال رداً على العدوي بقدر ما هو محاورة تروم إعادة توجيه بوصلتنا الفكرية نحو آفاق التعدد والتنوع والتشاكل التي ربما عزبت عن ذهن العدوي وهو يحرر لنا سفره الرائع (أنساق البراجماتية). هذا المقال إنما هو انتصار لإنسانية الإنسان القائمة على التشاكل والتنوع والتمايز بين بيولوجيا الجسد المتعطشة وحماس الوجدان الملتهب وسكون العقل الر اجح. لأن كان العدوي قريبا إلى نفسي فإن تحرير الإنسان من عقال الأحادية الفكرية، وكسر أغلال القوانين الفردانية أقرب إلى كلينا من بعضنا إلى الآخر. اتفق مع العدوي على مكافحة الجمود والتقليد وتحرير العقول من أسر فكرة القطيع والمريدين، كل ذلك من خلال اعتماد فكر متسامح قائم على الحوار والإيمان بالتعددية، واعتبار الاختلاف إضافة إلى الفكر وتدعيما لمسيرته. لست أرد على العدوي ولا هو يعتبرني كذلك وإلا كنا مناقضين لدعوة التعدد التي نجتمع عليها، بل أنا أرحب بمقاله ورسالته في حدودها التي لا تتعارض والتعددية، واعتبر هذا المقال إضافة إلى نقاط الالتقاء القائمة بيننا على الحوار والترحيب بالاختلاف والتعددية في الطرح والقراءة.

زكريا بن خليفة المحرمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *