كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

غزة ومشانق الصمت

لم أهيئ نفسي لامساك القلم بعد أن أبرمت معه اتفاقا على إعطاءه إجازة مفتوحة يستحلب فيها مداده المسكوب على أوراق دفاتري المبعثرة في الذاكرة، ولكن نهر الدم الذي جرى في غزة اليوم ضخ في عروق أقلامي بحاراً من المداد الأسود الحزين. بكى القلم حين عجزنا حتى عن البكاء، بكى القلم وسال من بيدي منفرطاً معاتباً الصامتين والشامتين والمتآمرين وهو يتمتم لاعنا: ويلكم وويحكم ألستم بشرا تجري في شرايينكم دماء كالتي أجبرت رغبا ورهبا على السيلان في أزقة غزة وشوارعها المكتظة بالجثث والأشلاء، أليست لكم أجساد كتلك التي تمزقت وتفحمت في أفران المحرقة السوداء. هل أنتم جلاميد صخر أم أن دمائكم زبد بحر. 

إن ما يحدث في غزة لينطق بأعلى أصوات الصمت أننا أمة مهزومة، مهزومة في عقلها، ومهزومة في وجدانها، ومهزومة حتى في إيمانها. إن الإيمان الذي لا يفجر جلاميد الصخر ولا يحرك الجبال ويكسر الأغلال ليس سوى خديعة للعقل ومصيدة للوجدان ومحرقة للعاطفة، إن الإيمان الحق هو انفجار كوني يعيد صياغة علاقة الفرد بكل ذرات الوجود، وهذه العلاقة الجديدة لن تكون أبداً بعد الإيمان كتلك التي قبلها بل ستكون محكومة بمنطق جبروت الإيمان القاهر الذي يفرض على صاحبه الشموخ والأنفة والتضحية والتلذذ بآلام المواجهة مع قوى الشر والفساد والرذيلة والحصار الجماعي والقتل العشوائي الذي تمارسه دولة الكيان الصهيوني الغاصب والمتآمرون معها. 

إني وإن كنت قد قلت قبل هذا أن الأمة بحاجة إلى إعادة صياغة مناهجها كي تنهض من كبوتها فإني أقول اليوم أن الأمة ميتة حتماً وقطعاً وجزماً إن لم تنتفض في وجه دعاة التخلف والتبعية والانقياد والجمود على مناهج الانحطاط والهزيمة التي يحاول أعداء أمتنا ربطنا بها كما فعل أسلافهم من قبل حين بثوا فينا روح الخرافة والأساطير وعبادة الظنون والأوهام والبعد عن القرآن وسنة نبي الرحمن المنطلقة من نصوص الكتاب المحكمة الذي لا يأتيه الباطل من بين أيديه ولا من خلفه. على الشباب المسلم اليوم أن يهيئ نفسه للحظة المواجهة، والتهيئة يجب أن تكون فكرية بالقراءة والمطالعة والعمل النافع للأمة، وتهيئة بدنية بالابتعاد عن السرف في المأكل والمشرب. والبدء بممارسة الرياضة البدنية، فلا يليق بأحفاد خالد بن الوليد وأبي عبيدة عامر بن الجراح وسعد بن أبي وقاص أن يكونوا أصحاب كروش مترهلة وأرداف متضخمة. 

على الأكاديميين أن يجعلوا من غزة وأهلها مشاريع لمقالاتهم العلمية حتى تكون مأساة أهلها حاضرة في أذهان أكاديميي العالم أجمع، فالطبيب عليه أن يكتب مقالات طبيّة عن الجراح التي تحدثها صواريخ الغدر الصهيونية، ويكتب عن سيكولوجية الخوف لدى أطفال ومراهقي غزة حين تهز قلوبهم أصوات صواريخ القتل الإرهابي الصهيوني، والمهندس بإمكانه الكتابة حول التصميمات التي يجب مراعاتها في الأبنية والشوارع والمرافق تفاديا للكوارث الإنسانية التي تحدثها الضربات الوحشية كالضربات الصهيونية، وخبير الزراعة يكتب عن تأثير الحصار على زراعة غزة، وخبير التجارة يتحدث عن الركود الاقتصادي وأثره لدى الجوعى في غزة. على المثقفين إقامة الندوات والأمسيات دعما لصمود مقاومة غزة وأهلها، وعلى الأغنياء والميسوري الحال التبرع للجمعيات التي تستطيع الوصول إلى مؤسسات الإغاثة التي تستطيع الوصول إلى غزة المنكوبة والمحاصرة والمحروقة. 

على علماء الأمة أن لا يفعلوا شيئا! فهم قد اعتزلوا ممارسة الفعل الإيجابي منذ زمن بعيد واستغرقتهم خلافات المذاهب والأفكار فنسوا –إلا من رحم الله- واجبهم اتجاه أمتهم وربهم، وأخشى ما أخشى أن تصدر فتوى من أحدهم تحرّم الدعاء لأهل غزة لأنهم لم يسبحوا بحمد ولي الأمر محمود عباس ولم يطيعوه في احتضان الصهاينة وتقبيل كوندلايزا رايس. فأمثال هؤلاء من الأفضل للأمة أن يناموا، فما فاز إلا النوّم! فعلا إن التاريخ لا تغيره سوى الأحداث الفجائية التي تأتي على حين غرة والأمة اليوم بعد حادثة هلوكوست غزة مطالبة باستثمار الحدث لإعلان النفير العام استعداداً للغد المنتظر، غد الخلاص والأمل، غد الحرية والنصر. 

زكريا بن خليفة المحرمي 

One Response

  1. الملاحظ أن الهجوم الإرهابي على الدول الإسلامية بات يحدث بانتظام كل سنتين أو ثلاث سنوات.

    ففي عام 2001م قامت القوات الأمريكية باحتلال افغانستان وبعدها بعاميين قامت نفس القوات بتدمير العراق واحتلاله وبعدها بثلاثة أعوام قام الكيان الصهيوني بتدمير لبنان ومحاولة احتلال جنوبه وبعد عاميين ونصف ها هي دولة الكيان الصهيوني تقوم بقتل أهل غزة وتمزيق أجساد أطفالهم.

    إن هذا الانتظام الفاجر في الظلم والقتل لا يؤدي إلا إلى زيادة جرعات المناعة والمقاومة لدى الأمة ضد دعوات الاستسلام العسكري والفكري والثقافي التي اشتدت وتيرتها مع عصر الفضائيات والانترنت وظهور أبواق إعلامية تروج للصهيوينة المتوحشة بدعوى الليبرالية والعقلانية، وهم أبعد ما يكونون عن العقل، وهم أقرب إلى العبودية منهم إلى التحرر الذي تتستر خلفه الليبرالية المزعومة.

    الأمة بعد هذه اللقاحات الحربية التي أرسلها لها أعدؤها باتت قادرة على التصدي والصمود ولا شك لدي في أن غزة وأهلها منتصرون، فالنصر المحتوم هو حليف الإرادة ولا إرداة أقوى من إرداة الإيمان، وأهل غزة مؤمنون والصهاينة لا إيمان لهم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون.

    زكريا بن خليفة المحرمي – لندن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *