كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

كرسي الخليلي

في مسيرة البحث عن ينابيع العلم يكتشف المرء أن هناك علوماً سهلة المنال، وأخرى بعيدة النوال، وفي العلوم الشرعية تعتبر أصول الدين مثل علم الكلام وأصول الفقه من أصعب العلوم وأكثرها تعقيداً لما تستلزمه من مقدمات عقلية ومطولات نقلية، فلهذا تجد كثيراً من طلبة العلم بل والعلماء يضربون صفحاً عن الخوض في لجتها، ويفضلون الركون إلى ما سهل من المعارف مما شاع عند العوام خبره وقلّ في الفقه أثره، يقول الغزالي: (العلوم ثلاثة: عقلي محض.. ونقلي محض كالأحاديث والتفاسير والخطب في أمثالها يسير، إذ يستوي في الاستقلال بها الصغير والكبير، لأن قوة الحفظ كافية في النقل وليس فيها مجال للعقل. وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والنقل، وعلم أصول الفقه من هذا القبيل).

وكم رأينا وقرأنا عن أئمة يندبون زمانهم حين هجر طلبة العلم الأصول وارتضو بالحفظ والخمول، يقول ابن بركة في ذم أمثال هؤلاء (فالواجب عليه إذا أراد علم الفقه أن يتعرف أصول الفقه وأمهاته، لأني رأيتُ العوام من متفقهي أصحابنا ربما ذهب عليهم كثير من معرفة ما ذكرنا).

ولا يكاد ينقضي زمان إلا هاجت الأرض بمصلح للحال، وماجت الجموع بمجدد للآمال. ولإن كان وراء كل حدث عظيم رجل عظيم، فإن بعض هؤلاء العظماء يتجاوز تأثيرهم زمانهم، ويتجدد عطائهم مع إعادة اكتشاف ابداعاتهم، ومن هؤلاء العظماء الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (ت 1287هـ)، الذي أصدرت مكتبة الظامري له مؤخراً سفر (كرسي أصول الدين) تحقيق خليفة البوسعيدي. الكتاب يقع في أربعمئة صفحة من الحجم المتوسط، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول يتحدث عن موضوع “الولاية”، والثاني عن أصول الفقه، أما القسم الأخير فهو يتحدث عن “البراءة”.

لا شك أن موضوع “الولاية والبراءة” يعبر في حقيقته عن مسألة “الإنتماء والإقصاء” داخل الجماعة، وهذا العلم لم يتم تحريره والإسهاب في شرحه وتفسيره إلا حين واجهت الجماعات والمذاهب الإسلامية أنواعاً من الانقسامات الداخلية، ومن أبرز من كتب في هذا العلم أبو سعيد الكدمي (ق 4هـ)، فقد أفرد للقضية مؤلفان هما “الاستقامة” و “المعتبر”، وقد تمت صياغتهما قطعاً في جو المفاصلة التاريخية المشهورة بين المدرسة العمانية النزوانية التي كان الكدمي أبرز رموزها والمدرسة الرستاقية التي كان ابن بركة السليمي أكبر ممثليها. ومن ثم كانت المؤلفات في موضوع الولاية والبراءة مقتصرة على اجترار آراء أبي سعيد قصاً ولصقاً، ومع روعة وتمام مؤلفات الكدمي إلا أنها تعاني من فقر لغوي وضعف تعبيري في رأي ناصر بن جاعد الخروصي وهو شيخ واستاذ سعيد الخليلي.

إن مما يمميز كتاب “كرسي أصول الدين” للخليلي عن باقي المؤلفات حول هذه القضية انطلاقه المباشر في التأصيل لها من مصادر التشريع بعيداً عن مرجعية النقل من كتب أبي سعيد الكدمي التي أعتمدها أهل النقل، كما امتاز في تفريعه للمسائل بنفس صوفي مجلل بالرقة ولطف العبارة مع وقار في الطرح وسعة في الرأي، بل ربما يكون الخليلي أولّ من أضفى مسحة صوفية على قضية “الولاية والبراءة”.

يقول الخليلي في أحدى تجلياته الصوفية: “وهم في ذلك على منازل ومقامات لتباين الأحوال في الكرامات، وفي كل منها منازل لا تحصى ومقامات لا تستقصى وإن كانت الأخرى هي المنزلة الكبرى، ومن ظهرت عليه شواهد هذه المحبة الإلهية مع الاستقامة الدينية فهو المعبر عنه بالولي عند الصوفية، ولكن في التوحيد لمقام التفريد يقال بعكسها في أصل قدسها، فلا منافاة لأنهما حكمان أفادهما علمان أحدهما الظاهر رعاية للمظاهر، والثاني لغريق الأنوار خارق ستور الآثار”.

ويقول أيضاً: “وأما الصغائر فهي ما عدا الكبائر من المعاصي مطلقاً كقبلة ونظرة ومس في بدن أجنبية، وعلى قول آخر فجميع المعاصي كبائر، وكأنه قول من استغرقته هيبة الجلالة فأسكرته ودهشته بوارق العظمة فحيرته، فأتى في مقاله بشاهد حاله”.

قد لا نجانف الصواب إن وصّفنا الخليلي بأنه غزالي زمانه، فكلاهما راسخ في الأصول وله من همسات التصوف فصول، والخليلي يؤكد على القاعدة الغزالية المطالبة بالرسوخ العلمي، حيث يقول: “فدع عنك الإقتحام على الولاية قبل أحكام الدراية، فهو القول الأصح، والمنهج الأوضح”. وهو يصرح في أكثر من موضع بممارسته للاجتهاد وإعمال النظر، فيقول: “والذي يرجح عندي في كفة النظر بميزان الفكر وقانون العبر أن الأحداث قد لا تكون على دستور واحد في الحكم، فلا بد من تنقية الأخلاط لتمييز الأجناس قبل تمهيد القياس”.

إن كتاب “كرسي الأصول” هو كما قال راشد اللمكي في مقدمته: “تندهش من جلالة عظمته العقول، تصنيف من عقم الزمان أن ينتج بمثاله من الجهابذة الفحول، فهذا السفر قد أسفر مخدرات أبكار معانيه في شوامخ قصور مبانيه، بناموس الإلهام، بحر الشريعة، وقطب الحقيقة الرباني الإمام الشهيد السعيد الخليلي الهمام، فأبرزها مفصلة يندك في شهود عظمتها طود بلاغة أولي النهى من الأعلام، فما الجمان في نظامه لسلكه، وما العقيان في صفائه بسبكه، وما الرحيق والمسك له ختام”.

ليس هذا الكتاب هو الوحيد للخليلي فله عدة مؤلفات أغلبها لم ير النور بعد مثل “الإنتصار للزمخشري”، و”النواميس الرحمانية في تسهيل الطريق إلى العلوم الربانية”، والمكتبة التراثية العمانية حبلى بالكثير من هذه النوعيات الفخمة من الكتب والمؤلفات التي تنتظر من ينفض عنها غبار الإهمال وتستصرخ من يزيل عنها دثار النسيان.