كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

شريعة الرحمة

 

انتشر في كثير من خطابات الإسلاميين عبارات تنفر من الأخذ بالآراء المبنية على اليسر والتخفيف، وصاروا يسمون تلك الآراء بـ “الرخَص”، و “التساهل في الدين”، وأن الأخذ بها هو ضرب من النفاق، ويرَون أن الإيمان الحق لا يكون إلا عند من اتبع أشد الأقوال وأصعبها، وسموا ذلك بـ “العزيمة”. لا ريب أن هؤلاء يقصدون من وراء ذلك ترسيخ مبدأ الانقياد والطاعة للشرع الحنيف، إلا أن الأمر قد تمادى لدى بعضهم فصار الأصل عنده في الأشياء الحُرمة حتى يثبت الدليل على حليّتها، وهنا وقعت الواقعة التي لم يستطع الناس لها دافعة، فالنفس الإنسانية بالفطرة ميالة إلى البعد عن التكاليف والأثقال، ولا يمكن لأي ديانة أو فلسفة أن تنتشر إلا بتحقيقها هذا الشرط الإنساني الأولي. فلذلك تجد أن الديانات والفلسفات القائمة على التطرف والغلظة لا يكتب لها الانتشار بل تميل إلى التقلص والانحسار، وكأمثلة حية على ذلك يمكننا النظر إلى الديانة اليهودية المنحسرة كما نقلها أحبارهم، والديانة النصرانية المنتشرة كما نقلها قساوستهم، وقس على ذلك الفلسفات الوضعية والأديان البشرية.

يذكرُ علي الوردي أن المجتمعات التي تعتمد التشدد في مسألة تحريم إظهار وجه المرأة تفشو فيها الأمراض الاجتماعية والأُسرية، وما ذلك إلا لأن هذا الرأي مع وجاهته لم يدرك البعد الإنساني لسكوت المُقدَّس (الوحي) عن هذا الموضوع، فالمرأة بطبيعتها ترغب بالشعور أنها مقبولة وأنها ليست مُقالةً اجتماعياً ومتقاعدة بشرياً ولا قيمة لها إنسانياً، فهي تكتفي بالشعور أن الأعين البريئة لا تهجرها كي تشعر بالرضى النفسي والثقة بالذات والقبول الاجتماعي، وحين تُمنع المرأة من هذا الحق الفطري يتجه الحال ببعضهن إلى البحث عن تلبية هذا الشعور في دهاليز لا يرضاها العُرف ولا تقبلها الشريعة.

بخلاف ما ذهب إليه أصحاب الخطابات المشددة على وجوب الأخذ بالآراء المُغلّظة والمُعسّرة والمُحذّرة من الأخذ بالآراء المُوسّعة المُيسرة نجد القرآن الكريم يقرّر أن شريعته ليست سوى شريعة سعة ويسر، يقول تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}البقرة: 185. لا يمكن للفقيه أن يغفل وهو يأسس رأيه الفقهي هذا النص الواضح في دلالته والذي يعززه الكثير غيره من النصوص القطعية في ترسيخ ذات دلالة اليُسر، حيث يقول تعالى: { يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا}النساء: 28.

 فتخفيف الله تعالى عن الإنسان إنما هو نابع من معرفة الله تعالى الشاملة بضعف الإنسان وحدود قدرته. وهذا الضعف الإنساني هو الذي راعاه القرآن في توزيع التكاليف على البشر، حيث يقول تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}البقرة: 286، ويقول تعالى أيضاً معززاً لهذا المعنى الرحيم: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}الطلاق: 7. فاليسر في التشريع هو مبدأ قرآني أصيل نابع من علم الله تعالى الأزلي بضعف الإنسان وقصوره ومحدودية قدرته، فلهذا أنزل الله تعالى عليه هذا الدين كي يخفف عنه ويرفع عنه الحرج، يقول تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}الحج: 78.

هذا هو القرآن في سماحته ورحمة تشريعه، وما أنزل الله تعالى علينا هذا القرآن إلا ليخفف عنا ويوسع علينا وييسر أمورنا، يقول تعالى: { طه، مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}طـه: 1-2. وقد نعى على بني إسرائيل حين غلّوا في دينهم وتشددوا على أنفسهم، واعتبرهم مخالفين للنهج الرباني حين حرّموا على أنفسهم مُتع الدنيا وزينتها، يقول تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ}الحديد: 27، ويقول تعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}الأعراف: 32. وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ}المائدة: 87. فهذه هي شريعة القرآن وهذه هي توجيهات الرحمن: اليُسر، والتوسعة، ورفع الحرج، ورفع الشقاء.

وعلى هذا سار النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن هديه يخرج عن نور القرآن حتى قالت عنه عائشة أم المؤمنين: (إن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن) مسلم. ونحن لو تتبعنا هدي اليسر والتوسعة في سنة النبي عليه السلام مقتصرين في النقل على ما رواه الشيخان سنجد أن البخاري روى عن عائشة أنها قالت: (ما خُير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه). وأنه عليه السلام قال: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا). وقال أيضاً: (يسرا ولا تعسرا، وبشّرا ولا تنفّرا)، وقال عليه السلام عاتبا على امرأة تطيل قيام الليل (مَهْ، عليكم ما تطيقون من الأعمال). وقال: (هلك المتنطعون. قالها ثلاثاً). وقال لعبدالله بن عمر: (يا عبدالله، ألم أُخبَر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ فقلت: بلى يا رسول الله. قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينيك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزََوْرِكَ عليك حقاً)، وقال: (ما بال أقوام، قالوا: كذا وكذا. لكنّي أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني).

وعلى هذا النهج القرآني والهدي النبوي سار أئمة المسلمين وعلماءهم. حيث يقول أبو سعيد الكدمي: “وإذا وقع الشيء أحببنا أن لا نضيق على الناس ما وسعهم”. وقال وائل بن أيوب: “إنما الفقيه الذي يعلم للناس ما يتسع للناس مما سئل عنه، وأما من يضيق عليهم فكل من شاء أخذ بالاحتياط”. وقال أيضاً في وصف المؤمنين: “والاتساع بما وسّع الله في دينه، والأخذ بتيسيره، وما منّ به من رحمته فيما أراد لعباده باليسر وجعل لهم فيه العذر”.

وحتى لا يكون كلامنا عاماً وبعيداً عن واقع الناس فإننا نضرب أمثلة من مواقف العلماء التي تؤكد على روح التيسير ورفع الحرج، فمعلوم قطعاً أن هناك طائفة من العلماء حرّمت قص اللحية وتزينها، إلا أن ما قد لا يدركه البعض منا أن هناك طائفة كبيرة اعتبرت قص اللحية سنة يندب الإنسان إليها، فقد روى ابن جعفر في جامعه أن ابن دينار قال: (رأيت رجلاً محرماً قصّر لأبي الشعثاء يحلله، قلت: ما الذي أخذ من شعر رأسه ولم يأخذ من لحيته؟ قال: يجزئه، وقد يستحب له، ويؤمر أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظافر يديه ورجليه قبل أن يجامع). وقال الربيع بن حبيب بعد روايته خبر الأمر بإعفاء اللحية: (يريد القطع لما طال منهما) أي ما طال من اللحية والشارب، وهو نفس الأمر المروي عن شيخه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة حيث قال السالمي في المعارج: (قال الشيخ إسماعيل: ورخص في الأخذ منها أبو عبيدة، وهو مسلم فيما وجدت عنه.  قال: واستحسنه الشعبي وابن سيرين في ما وجدت عنهما …. قال الشيخ إسماعيل: والأمر في هذا قريب إذا لم ينته إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب، فإن الطول المفرط قد يشوه الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين).

وقال أبو المؤثر الخروصي: (سمعنا أن المحرم إذا أحلّ من إحرامه، وأخذ رأسه، أخذ من عفا لحيته. قال [أبو المؤثر]: والذي معنا، أنه يأخذ من عرضها أكثر من طولها). وقال عمروس بن فتح النفوسي: (ثم يقص رأسه ويأخذ من شاربه ولحيته وأظافره). وقال أبو سعيد الكدمي معلقاً على كتاب الأشراف: (وكان ابن عمر يأخذ من لحيته وشاربه وأظافره إذا رمى الجمرة. وكان عطاء وطاووس والشافعي يحبون لو أخذ شيئاً من لحيته. قال الشافعي: حتى يضع من شعره شيئاً لله. قال أبو سعيد رحمه الله: معي أنه يخرج ما حكي كله مما يؤمر به ويستحب).

وقال أبو الحسن البسيوي: (ويستحب للمحلل أن يأخذ من لحيته وشاربه إذا قصّر، ومن أظافر يديه ورجليه). وقال أحمد بن عبدالله الكندي: (ثم احلق رأسك وخذ من عفا لحيتك، وقلّم أظافرك).وقال خميس بن سعيد الشقصي: (ويستحب له ويأمر أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظافر يديه ورجليه). وقال عبد العزيز الثميني: (ويأخذ من عرض لحيته أكثر من طولها).

والأمر في الموسيقى أشبه بذلك فمع وجود أقوال لعلماء تحرّم جميع أنواع الموسيقى والغناء توجد هناك آراء لأئمة معتبرين أجازوا أنواعاً من المعازف والغناء مما لا يخرج إلى حدّ المجون والسفه، ومن ذلك ما أورده الكندي في بيان الشرع: (ولا يجوز استماع القصبة للهو إلا أن يريد بذلك ذكر الآخرة)، وقال: (وقيل لا بأس باستماع القصبة)، وقال: (وأما القصبة الكبيرة فلا إلا على الجماعة على اللهو والغناء لأن المسلمين قد أجازوا استماعها يتذكر بها الآخرة، يتذكر بها الموت، أخبرني زياد بن الوضاح أنه رأى أباه يستمعها وهو يبكي).

وقال: (وقيل لو استمع مستمع إلى الغناء إذا كان لا يقدر على إنكاره وهو كاره للغناء مبغض له إلا أنه يستمع إليه يتذكر بذلك أمور الآخرة، وإن وقع في نفسه ذلك لم يكن بذلك بأس)، ونقل عن محمد بن محبوب أنه قال: (إن ضرب الطبل لا بأس به)، وأنه قال: (عن رجل ضرب الدفاف والمزامير والأدهار هل ينكر عليه؟ فأما الدف وحده من غير لعب فلا بأس به من غير لعب). وقال أبو المؤثر: (ما كان من ضرب الدهرة والطبول من الهند وغيرهم فهو يكسر ويغير إذا كان من الملاهي وإن كان من جهة الحرب فيستحب فعله).

ولا يُظن أن الاختلاف حول هذه المسائل الفرعية القائمة على أدلة ظنية كمرويات الآحاد هو اختلاف قطيعة ونفور، بل العكس هو الصحيح، حيث يقول الشيخ أحمد الخليلي: (فمسائل الرأي هي المسائل التي ربما تعارضت فيها الأدلة، أو كانت أدلتها فيها أخذ ورد من حيث ثبوتها، فقد يرى بعض العلماء ثبوت رواية من الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويرى آخرون عدم ثبوتها، فمن هنا يكون الاختلاف بينهم، ولا يفسق بعضهم بعضاً، ولا يضلل بعضهم بعضاً، ولا يقطع بعضهم عذر بعض، لأن قطع العذر إنما هو في مخالفة القطعيات، أما قضايا الفروع فالاختلاف فيها لا يفضي إلى الشقاق بل يجب التسامح فيه، فلذلك لا يفسق ولا يضلل الناس فيها بعضهم بعضا)، فلهذا وجدنا هذه الآراء وغيرها مبثوثة في كتب الفقه الإسلامية لتسع كلّ باحث عن التفقه في دينه دون أن يفسق العلماء بعضهم بعضا ودون أن يضلل بعضهم بعضاً.

الخلاصة أن الشريعة الإسلامية هي شريعة رحمة وتيسير وسعة، وأن من هدي النبي عليه السلام التيسير والرفق والنهي عن التنطع والتشدد على النفس والناس، وأن علماء المسلمين أيام الوهج الفكري الأول حين انتشر الإسلام واتسعت رقعته وكانت الأمة الإسلامية هي القائدة للأمم ساروا في بناءهم الفقهي على ذات التوجيه الرباني القرآني النبوي، ونحن اليوم في أشد الحاجة إلى إتّباع منهج القرآن وسلوك هدي نبي الرحمن لكي يكتب لأمتنا النهوض والقيادة والسبق والريادة.

 زكريا بن خليفة المحرمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *