كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

سماء عيسى .. الهوية والأصالة

استنزفت محابر كثيرة في معركة الحداثة الأدبية، أقلام كثيرة جفت وهي تسجل قصفاً أو رداً، البعض رأها تعبيراً عن تزاحم أجيال وآخرون رأوها تخلياً عن هوية أمة وتاريخ حضارة، اهتم أغلبهم بالأشكال وفاتهم احتضار الفكرة ومُواتها في حمأة هذا الصراع. غاض الاهتمام بالإبداع، ونضب الاحتفاء بالفكرة، فصار ما يسمى “النقد” منصباً على الشكليات دون الغوص في المضامين، إلا أن الأكثر إثارة للقلق -غير الحميد- اعتماد من يُسمون “النقاد” معايير غربية وشرقية لقراءة النص العربي عامة والعماني خاصة.

وفي خضم هذا المعترك والصراع بين الأصالة والتحديث غابت الهوية العمانية أو كادت حتى بتنا لا نفرق بين نص لكاتب عماني بخرته رطوبة البحر الدافيء بعبق اللبان وبين نص لآخر غربي تجمدت أحساسيه بصقيع رياح الشمال القارصة.

قليل هي الكتابات التي استطاعت أن تمزج الإبداع الأدبي بالأصالة الحضارية للكاتب، وآخر هذه الإبداعات التي اطلعت عليها كتاب “أبواب أغلقتها الريح” لسماء عيسى. أورد عيسى في كتابه مجموعة من النصوص التي تتحدر أصالة كما تتحدر الأفلاج (وهي تسير منحدرة من الجبال إلى القرى) كما يقول عيسى. ليست الأفلاج والجبال والقرى وحدها ما امتلئت به نصوص عيسى، فهي حبلى بالكثير من المفردات المعبرة عن جغرافية الوطن وتضاريسه التي استقل بها عن غيره من العوالم والأكون، فهناك (الرستاق، وإزكي، وبركة الموز، والروضة، وسمد الشأن، وسيح الظبي، والعامرات) وهناك الصحراء والبحر، وهل عمان سوى واحة قلعتها الجبال وحصنها الصحراء وحارسها البحر؟!

حين نقرأ للكُتاب الفاقدين لبوصلة الأصالة والتاريخ نجدهم يحدثوننا عن قصص أشجار السنديان وغيرها مما لا نراه في بيئتنا نشعر بالتيه النصي الذي يحوي أشتاتاً متشاكسة من مناخات ابتذلتها عقلية الانشطار عن الواقع وعن جغرافيا الكاتب. أما سماء عيسى فقد أضاء في نصوصه قناديلأ معلقة على (النخلة، والسدرة، والشخر، والنبقة، والفيفاية، والغافة، والموز، والليمونة، والشريشة، والسمرة)، لا يشعر القاريء معها باغتراب وهو يسري في بساتين الإبداع النصي.

بل حتى الأداوت والآلات احتفظت في نصوص سماء عيسى بحميميتها لدى القاريء، فهي ذات الأدوات التي عهدها في بيئته ومجتمعه وتعبر بالضرورة عن حضارته وتراثه، إنها جزء من هوية العماني من قبل ومن بعد، فهناك (القلعة التي صارت سجنا مركزياً، ومدرسة القرآن، والمنجل، والهيب، ومساكن الطين، والمجذمة، والماعون، ومرجام الباب، والإزار، والطوي الذي سقطت به المرأة، والسجم، والسلالم الحجرية، والمروق الصغيرة، والسبلة الصغيرة، والتفق القديم، ودرس البقر، وزريبة الغنم، والمندوس).

لم تخلو نصوص سماء عيسى من توثيق لبعض الأساطير المحلية والتي تناقلتها الأجيال عبر تاريخ مليء بالأحداث والمتغيرات، فهناك أساطير مرتبطة بالحيوانات كأسطورة الوشق الذي يقول عنه سماء عيسى (يسمي العمانيون الوشق بالباعث لأنه يبعث الموتى من قبورهم ليلاً، يتغذى من هذه القبور). وأسطورة المسحورين الذين صاروا كلاباً، وأسطورة الصبية الجميلة التي ماتت وأصبحت عنزة.

كما لم تخلو نصوصه من الاعتزازر بهويته الدينية التي لا تخلو من مسحة صوفية رقيقة، فهو يتحدث عن (باب المسجد، وإمام المسجد، ومدرسة القرآن، ومصلى البيدار، وعابدة القرية ووهجها النوراني)، كما يأكد أن شعائر الإسلام هي جزء من الهوية التي يحملها ويمارسها صباح مساء، فهو يقول: (ثم قرأت بعضاً من القرآن الكريم، وأسير إليها اليوم الأول من شهر رمضان كل عام فقط للإفطار معها، لكم وددت أن اتوضأ من ماء الساقية والصلاة تحت ظلال شجرة الليمون)، بل أنه وبخلاف الأدباء الذين يطعّمون نصوصهم بأقوال أدباء وفلاسفة الغرب فإن سماء عيسى يجلّل كتابه بنص قرآن رائع وهو قوله تعالى {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}الضحى: 4-5.

في نصوص سماء عيسى لا نجد حضوراً لنيتشه ودوستويفسكي كما يفعل بعض أصحاب النصوص التائهة، وإنما نجد حضوراً لـ (قيد الأرض، وأبا مسلم البهلاني وميمته: معاهد تذكاري سقتك الغمائمُ)، بل نجد ما هو أكثر تعبيراً عن الاعتزاز بالهوية والافتخار بالأصالة حين يخاطب سماء عيسى بودليرَ بقوله (إلى بودلير، أرقد الآن تحت شجرة فيفاي ميتة أنا وقط عجوز)، ففي خطابه لبودلير لم يتصنع عيسى سمات حضارية لا علاقة لها ببيئته، بل صاح مفتخراً بأنه يحمل إلى بودلير والغرب صوت الهوية العمانية التي تمثل شجرة الفيفاي أحد رموزها الأصيلة.

 كم نحن بحاجة اليوم إلى أدباء من طراز سماء عيسى يتواصلون مع العالم من خلال هوية العماني وتراثه الذي ينتظر الآخر أن نكشف له كنوزه وأسراره، فالعالم لا ينتظر التقليد والاجترار بل ينتظر الإبداع وإعادة الاكتشاف لكل الرموز الحضارية التي تدون في صفحات التاريخ العلمي والأدبي حضارة الإنسان ومنجزاته.