كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

المُقدَّس

  

ثار الجدل وما يزال بين الفلاسفة والمفكرين حول دائرة المُقدَّس، حدودها وضوابط الولوج إليها، المتدينون اعتبروها محرمة على العقل، وأن مجرد التفكير في قراءة المُقدَّس موضوعياً هو تعدّي وانتهاك للدين وحرماته، فصار المُقدَّس عند هؤلاء أشبه بـ (الطوطم) عند قبائل الأرونتا الأسترالية، أما الفلاسفة فقد اعتبروا المُقدَّس مرحلة من مراحل تاريخ الوعي يمكن تجاوزها والتعامل معها باستباحة فجة كما فعل فرويد في كتابه (الطوطم والمحرّم)، ويرى بعض المفكرين مثل ميرتشا إلياده أن المُقدَّس هو عنصر من عناصر بنية الوعي تنتشل الإنسان من الفوضى إلى التنظيم عبر استجلاء المقدس في الحياة البشرية.

لم يُبحث مفهوم المُقدَّس عند العرب والمسلمين إلا من خلال الدلالات اللغوية لمفردة المُقدَّس، وتعاني الكتابات الإسلامية حول هذا الموضوع من قحط وجدب، ولا يتم التعاطي معها إلا من خلال استحضار مصطلح (الأسماء الحسنى)، حيث يمثل اسم (القُدّوس) حسب النظرية الإسلامية التقليدية أحد تلك الأسماء كما جاء في رواية أبي هريرة (إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً …الخ). ورواية أبي هريرة متأخرة في الظهور حيث لم تظهر في عهد أوائل مدوني الحديث مثل الربيع بن حبيب والإمام مالك، فلهذا تجنبها البخاري ومسلم، وقد يعكس تأخرها في الظهور ثقافة العصر التي نشأت فيه، والغالب أنها نشأت في عصر تبلور فيه مفهوم المُقدَّس على صيغته النهائية التي سيتم تداولها فيما بعد باعتبارها التعريف النهائي لهذا المصطلح، وأول المصادر اللغوية التاريخية التي تشير إلى اكتمال مفهوم المُقدَّس هو كتاب “العين” للفراهيدي (ت 175هـ) الذي يقول في تعريفه لهذه المفردة: (قدس: القُدْسُ تنزيهُ الله، وهو القُدّوس والمُقدَّس والمُتَقَّدِّس). وهو ذات الأمر الذي سيتكرر في المعاجم العربية اللاحقة. بيد أن ذات هذه المعاجم لا تُخفي بعض اللمحات التي تشي بأن مصطلح المُقدَّس متشكل في العقل الجمعي العربي قديماً حتى قبل ظهور الإسلام، ينقل ابن منظور عن امرؤ القيس -وهو شاعر جاهلي- القول واصفاً صِبْيةً من النصارى يتمسحون بثوب راهب لهم حتى قطّعوه: (فأدركنه يأخذن بالسَّاق والنَّسا، كما شبرَقَ الولدانُ ثوبَ المُقَدَّسِي)، والملاحظ على بيت امرؤ القيس نسبته المُقدَّس إلى الإنسان (الراهب)، فهل تم لاحقاً استيراد مفهوم (المُقدَّس) كما كان مستقراً في الثقافة العربية قبل الإسلام أم أن نزول النص القرآني قد هذّب دلالة هذا المفهوم نهائياً؟!. هذا ما سندرسه في الفقرات القادمة.

بداية نسجل ملاحظة هامة وهي أن مصطلح المُقدَّس وغيره من المفردات مع ارتباطها الوثيق بالدين لم يتم دراستها من خلال النص الديني الخالص، وهو القرآن، ويُمكن اعتبار توشيهيكو إيزوتسو صاحب كتاب “الله والإنسان في القرآن” أول من قام بدراسة المفاهيم والدلالات القرآنية للمصطلحات والمفردات العربية لا من خلال جرد حضور تلك المفردات في النص القرآني وحسب بل ومن خلال دراسة العلاقة بين تلك المفردات وغيرها من الكلمات داخل النص القرآني، وهو ما سماه إيزوتسو بـ “الدلالة العلائقية” للمفردة القرآنية.

لم يلتفت المسلمون في خضم انغماسهم في المناهج التفكيكية التي فرخت حالة الانقسام المذهبي إلى محاولة الرجوع إلى النص الخالص واستنباط منهج كلّي شمولي يأسس القواعد من الآيات المحكمات المشكّلة للأصول القرآنية {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}آل عمران: 7، والأمُّ هي الأصل الذي ترجع إليها الفروع “الآيات المتشابهات”. وسوف نحاول فيما يلي دراسة مفهوم المُقدَّس داخل النص القرآني لاكتشاف دلالاته وأبعاده النفسية والاجتماعية.

ورد لفظ المُقدَّس في القرآن باشتقاقاته المتعددة في ثمانية مواضع، الأول في حديث الملائكة مع الله وقولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}البقرة: 30. وفي ثلاثة مواضع كلها تصف الروح الذي أُيد به عيسى، مثل قوله {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ}البقرة: 87، وجاء في وصف الملَك الذي نزل بالقرآن على محمد، {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ}النحل: 102، وجاء في موضعين لوصف الوادِ الذي تكلم الله فيه مع موسى أول مرة، منها قوله {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}طـه: 12، وجاء في موضع واحد لوصف الأرض التي أَمر موسى وقومه بالهجرة إليها، {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ}المائدة: 21.

واللافت للنظر في جميع هذه المواضع عدم ارتباط لفظ المُقدَّس بوصف الإنسان، وإنما جاءت لوصف فعل من أفعال الملائكة، ووصف الروح، ووصف الملَك الذي نزل على الأنبياء، ووصف أماكن على الأرض. ويتجلى من خطاب الملائكة وقولهم {وَنُقَدِّسُ لَكَ} وأمر الله موسى خلع نعليه {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} أن معنى التقديس في القرآن لا يخرج عن دلالة معناها اللغوي وهو (التنزيه والطهارة)، إلا أن الأهم من ذلك كله هو أن ارتباط فعل التقديس بالمخلوق لم يرد في القرآن الكريم إلا في موضع واحد وهو قول الملائكة {وَنُقَدِّسُ لَكَ}، أما روح القُدُس والوادِ المُقدَّس والأرض المُقدّسة، فهي جميعاً ارتبط التقديس فيها بالاختيار الإلهي الذي ليس للإنسان فيه حول ولا طول، فهي بالتالي مُطهرة ومنزهة إلهياً.

إذاً فالمُقدَّس حسب دلالة النص الديني الخالص في الإسلام لا تنسحب على البشر، بل حتى الأنبياء ليس لهم من المُقدَّس سوى الوحي. وبذلك نجد أن دلالة مفهوم المُقدَّس قد تطورت في العقل الجمعي العربي بفعل تأثير القرآن.

 إن هذا المفهوم القرآني للمُقدَّس والذي وجدنا لمعة منه في إشارة الفراهيدي حين قال: (القُدْسُ تنزيهُ الله، وهو القُدّوس والمُقدَّس والمُتَقَّدِّس) يفتح أمام الدارس أبواب البحث الموضوعي والنقد العلمي لجميع الأشخاص والأفكار والرؤى والعادات والتقاليد، كل ذلك في دائرة تنزيه الله وتقديسه، وتقديس الوحي الذي جاء من عنده، لكن المدارس الإسلامية وفي حمأة الصراع الأموي العلوي مالت قليلاً عن الدلالة القرآنية للمُقدَّس، فتعاملت مع أئمتها وفقهائها وآرائهم بحساسية أقرب إلى الأرتكاريا بحيث اعتبرت كل مخالفة أو تخطئة أو نقد لأحد رموزها هو تعدٍّ على المُقدَّس، فاتسعت دائرة المُقدَّس، وتقلصت مساحة حرية الرأي، وغاض النقد الموضوعي، وأطلّ المفهوم الذي أشار إليه امرؤ القيس بخيله ورجله. الأمة اليوم بحاجة إلى العودة إلى النص الخالص لتعيذ صياغة مفاهيمها كي تتمكن من مواكبة حركة الحياة القائمة على البحث العلمي والنقد الموضوعي. 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *