كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

المُدنّس

 

تنديس المُقدَّس ليس حكراً على مذهب فكري دون آخر، فحتى حرّاس الهيكل لم يخلعوا نعليهم عند بابه، فانتهكوا حرمته من حيث لا يدرون، وأسباب هذا التدنيس مختلفة باختلاف أطياف تلك المذاهب، فالأدباء الذين دنسوا المُقدَّس كانوا مدفوعين بحماسة التشفي من سدنة المُقدَّس، بل هم ناقمون على المجتمع راغبون في تجريعه ذات الغصص التي كابدوها حين وقف الكهنوت حيال رغبتهم في التحليق الإبداعي والفني، فكان تدنيس المُقدَّس في نظر هؤلاء هو أقرب وسيلة إلى التشفي والانتقام.

أما الفلاسفة فمع أن علي شريعتي وتونبي يريان أن تدنيسهم للمُقدَّس عبارة عن ردة فعل مادية ثائرة ضد الزهد والرهبنة والكهنوت التي سادت العصور الوسطى إلا ان ذلك ربما لا يفسر جوهر الإشكال الفلسفي المدنس للمُقدَّس، فالتنديس الفلسفي للمُقدَّس نابع من المناهج غير السوية التي اعتمدها الفلاسفة في البحث حول دائرة المُقدَّس، فأكبر إشكال يقع فيه هؤلاء هو عدم الفرز بين دائرة الظن ودائرة اليقين، وعدم التفريق بين اليقين الذاتي الغنوصي واليقين الموضوعي العلمي القائم على دراسة العلاقات الداخلية والخارجية للفكرة.


 

المتدينون أيضاً ليسوا أقل انتهاكاً للمُقدَّس من الفلاسفة والأدباء، فهم قد دفعوا الناس إلى تعدي الخطوط الحمر للمُقدَّس حين وسعوا دائرة المُقدَّس وقلصوا دائرة الإباحة والممكن. فالنفس الإنسانية بالفطرة ميالة إلى البعد عن الأثقال والتكاليف، ولا يمكن لأي ديانة أو فلسفة أن تنتشر إلا بتحقيقها هذا الشرط الإنساني الأولي. فلذلك تجد أن الديانات والفلسفات القائمة على التطرف والغلظة لا يكتب لها الانتشار بل تميل إلى التقلص والانحسار، وكأمثلة حية على ذلك يمكننا النظر إلى الديانة اليهودية المنحسرة كما نقلها أحبارهم، والديانة النصرانية المنتشرة كما نقلها قساوستهم، وقس على ذلك الفلسفات الوضعية والأديان البشرية.


 

لم ينتبه الفقهاء إلى هذه المسألة أثناء تأصيلهم العلمي،  بل على العكس من ذلك أسسوا قواعدً وأصولاً تكرس مبدأ توسيع دائرة المُقدَّس وتضييق مساحة الممكن، ومن هذه القواعد قاعدة (سد الذرائع) التي توسَّعَوا فيها إلى درجة صارت فيها المُحرّمات الوضعية أكثر من محرمات النص المُقدَّس، إضافة إلى تعويلهم في بناء الأحكام على الروايات الظنية التي لم تجتمع عليها الأمة. ظن هؤلاء أنّهم بهذه المنظومة يُحصنون المجتمع من انتهاك محرمات النص المُقدَّس كـ(الزنا والربا والسرقة والقتل وشرب الخمر)، فأضافوا إلى قائمة المحرمات (الموسيقى والغناء وحلق وتقصير اللحى والإسبال والتأمين وتجارة الأسهم و….الخ)، وجميع هذه المُحرّمات لم تثبت حُرمتها بالنص القطعي وإنما هي مأسسة وفق قاعدة (سد الذرائع) ودلالات مرويات أحادية غير مجتمع عليها.


 

ومع أن هذا المسلك محمود النية إلا أنه يُعاب عليه عدم مراعاته الطبيعة البشرية والفطرة الإنسانية، حتى بلغ ببعضهم هوس الوسواس القهري إلى تحريم كل شيء بدعوى سد الذرائع، إن هذه الممارسات لا تحمي دائرة المُقدَّس قط وإنما تدفع نحو انتهاكها وتحقيرها، فالناس بطبعهم لا يصبرون على الشدة والغلظة والمنع والحرمان، ويثورون رغبة في الحصول على كل ما يحقق لهم السعادة والمتعة في الحياة، ولا شك أن الكثير مما تُوسع في تحريمه والتشديد على منعه مما لم يرد ذكره في النص المُقدَّس (القرآن والسنة والمجتمع عليها) يعتبره الناس ضروريا لسعادتهم ومتعتهم، فلهذا هم لا يعبهون بأحكام التكفير التي تصدر ضدهم، وليت الأمر يقف عند هذا الحدّ، وأن يبقى في دائرة المباح التي اشتغل هؤلاء بتضيقها، إلا أن ردة فعل النفس البشرية بطبيعتها دائماً تميل إلى المبالغة والتضخيم، فصار المرء لا يفرق حين ينتهك ما يعتبره حراماً بين الحرام الوضعي وبين حرام المُقدَّس.

إن تحريم الأمور التي ارتبطت بحياة الإنسان اليومية وعلاقاته الإجتماعية العصرية مثل الموسيقى وتزيين اللحى جعل المرء يتوهم أن انتهاكه المتواصل لهذه الأمور قد صيّره في خانة المغضوب عليهم والضالين، وأن اللعنة قد حلّت عليه إلى يوم الدين، فلا يضيره بعد هذه اللعنة والطرد من الرحمة أن يقترف غيرها من المُحرّمات سواء أكانت من صنف المُحرّمات الوضعية أم المُحرّمات المرتبطة بالمُقدَّس.


 

يذكر علي الوردي أن المجتمعات التي تعتمد التشدد في مسألة تحريم إظهار وجه المرأة تفشو فيها الأمراض الاجتماعية والأُسرية، وما ذلك إلا لأن هذا الرأي مع وجاهته لم يدرك البعد الإنساني لسكوت المُقدَّس (الوحي) عن هذا الموضوع، فالمرأة بطبيعتها ترغب بالشعور أنها مقبولة وأنها ليست مُقالةً اجتماعياً ومتقاعدة بشرياً ولا قيمة لها إنسانياً، فهي تكتفي بالشعور أن الأعين البريئة لا تهجرها كي تشعر بالرضى النفسي والثقة بالذات والقبول الاجتماعي، وحين تُمنع المرأة من هذا الحق الفطري يتجه الحال ببعضهن إلى البحث عن تلبية هذا الشعور في دهاليز لا يرضاها العُرف ولا تقبلها الشريعة.


 

إن أفضل علاج لظاهرة تدنيس المُقدَّس هو بإحسان الظن بالآخر وعدم قراءة النصوص الأدبية قراءة كهنوتية مغلقة لا تحتمل سوى تأويلاً واحداً، فترك مساحة للإبداع سيقلل ثورة الأدباء الناقمين والمدنسين للمُقدَّس، كما أن على الفلاسفة إعادة صياغة المنهج الفلسفي الذي خرج بالفلسفة عن السكة وجعلها معزولة غير قادرة على مجاراة التطور العلمي المادي القائم على القطعيات التجريبية، كما ينبغي على الفقهاء الالتزام بالدوائر التي ثبتّها الوحي المُقدَّس (الإباحة والتحريم) فلا يجوز لأيّ كان أن يتوسع فيها ولا أن يضيّقها، يقول تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ}النحل: 116، فلهذا نجد الرعيل الأول من الفقهاء أيام الوهج الفكري ملتزماً بهذا التوجيه المُقدَّس، يقول القرطبي: (عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم قط يقول حلال ولا حرام، ولكن كان يقول: كانوا يكرهون وكانوا يستحبون. وقال ابن وهب قال مالك: لم يكن من فتيا الناس أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقولوا إياكم كذا وكذا، ولم أكن لأصنع هذا)، والناظر في كتب المتقدمين من الفقهاء مثل “مدونة أبي غانم الخراساني” و “جامع ابن جعفر” و”بيان الشرع” و”المصنف” وغيرها، يجد أنها لا تخرج عن هذا المسلك الذي يراعي الفطرة الإنسانية ويلتزم بالتوجيه الرباني العالِم بالإنسان وضعفه {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} النساء: 28.


 إن الأمة اليوم بحاجة إلى إعادة النظر في قواعدها وأصولها، وعلى الفقهاء أن يعووا خطورة الخطاب الذي تسوده ذهنية التحريم، على المفكرين والفقهاء الحوار حول آليات قراءة النص المُقدَّس وعلاقاته الدلالية بالطبيعة الإجتماعية والنفسية كي لا يكون الخطاب الفقهي مفارقاً للواقع ولا مناقضاً للفطرة ولا سبيلاً إلى تدنيس المقدّس وتعظيم المدنّس.
   

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *