كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

الحوار مع الذات .. مقدمات في النقد والإصلاح

تعيش الأمة الإسلامية اليوم راهناً فكرياً يموج بالكثير من المراجعات والغربلة للتراث، خاصة الشق المقدس منه وهو المتعلق بالقرآن والسنة والعلوم المرتبطة بهما، وهذا الحراك يبشر بغد أفضل ومستقبل أكثر إشراقا، لا ريب أن هذا الحراك أحدث غبارا وأدخنة أحرقت البعض وأصابت آخرين بأمراض أعاقت قدرتهم على مواصلة النقد والفحص في التراث، بيد أن هذا الغبار ليس إلا نتاجا لنزع الأغطية المقدسة عن التراث ونفضها، وليست الأدخنة سوى محصلة لإحراق الزائف من الأفكار المغلوطة التي لم يخلو منها أي تراث إنساني.

فلهذا يتوجب علينا عدم الاستسلام أمام الضباب والأدخنة والغبار لإنها ليست سوى حجاب يمكن التعامل معه بالحكمة من أجل الوصول إلى مناطق التراث المحتاجة إلى إعادة فحص وترميم. أما الاستسلام والخضوع والابتعاد عن مهمة التدبر والنقد فإنه يُعبر عن قصور في فهم ظاهرة ردات الفعل المتشنجة من قبل بعض المعجبين بالتراث والمقدسين لغثه وسمينه. إن تاريخ الأفكار ليؤكد أن كل فكرة انتجها الإنسان لم تخلو من اتباع يكافحون عنها، لن يُعدم الفكر الإصلاحي المتحمسين من أصحاب الطاقات الذين يضخون فيه دماء الحياة ومزاحمة الأفكار الجامدة.


 

إن الاختلاف وتعدد الآراء لا ينبغي أن يكون وسيلة إلى الفرقة والخصام، وإنما يجب أن توجه طاقات المختلفين إلى إثراء المرجعية المعرفية للأمة، إن الفرقة والخصام ليست سوى نتاج لأفكار ضيقة محدودة تتوهم فناء العالم بمخالفة رأيها، فلهذا تجد أصحابها من أشد الناس تعصبا وخصاما، لا يقبل هؤلاء رأيا غير الذي رأوه، ويبرأون من صاحب الرأي مخالف، وهم بذلك يمارسون لا شعوريا الشعار الفرعوني {مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى}غافر: 29. كل منا يمتلك فرعونا قابعا في داخله، لكن العقل يقيده ويصرفه عن ممارسة الاستبداد، ولكن هذا الفرعون استطاع أن يعطل عقول المتعصبين فيستبد بها ويطلق سهامها نحو مخالفيهم براءة وتكفيرا.


 

أما فتح أبواب الحوار وتعدد الأراء والأفكار فهو رديف للحكمة الإلهية، فالله سبحانه وتعالى حاور ملائكته قبل استخلاف البشر على الأرض، {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء}البقرة: 30. بل ما هو أكبر من ذلك فقد قصّ الله علينا حوارا وقع بينه وبين أشد المخلوقات جحودا وظلالا، حوار بين الله والشيطان، جاء فيه {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}الأعراف: 12، ذات الحكمة الربانية القائمة على الحوار نجدها ماثلة في ممارسات الأنبياء التي قصّها القرآن الكريم، فهذا إبراهيم يحاور ابنه ويطلب رأيه في تنفيذ الأمر الإلهي من عدمه (الصافات: 102)، وهذا إبراهيم يحاور الملائكة ليصرفهم عن عقاب قوم لوط (هود: 75). وهذا يعقوب يحاور ابناءه وينزل عند قولهم مع ظنه بسوء نواياهم (يوسف: 11-14). وهذا سليمان يحاور الهدهد قبل أن يصدر عليه حكما عقابيا على تخلفه عن الاجتماع، وينزل عند رأيه لقوة حجته (النمل: 20-22). وهذه ملكة سبأ تحاور قومها ولا تستبد بالرأي عنهم {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ}النمل: 32. وهذا محمد يأمره ربه أمراً، ويفرض عليه فرضا الحوار والاستماع إلى الرأي الآخر{فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}آل عمران: 159.


 

هذه نماذج من الحوار القرآني بين الخالق ومخلوقاته وبين الملائكة والأنبياء والصالحين الذين أمرنا بالاقتداء بسنتهم {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}الأنعام: 90، وهذه الحوارات ليست في أمور زائدة عن الحاجة بل هي حوارات في صميم الإيمان والتوحيد، وتتعلق بالتشريع وتطبيقاته في الواقع. ليست الحوارت التي قصها القرآن الكريم من قبيل التسلية والاستمتاع، وإنما هي حوارات مأسِسة لمبدأ الحوار الإيماني الذي لا يقل أهمية عن مباديء الإيمان الأخرى كالتوحيد والتنزيه، ولا تقل أهمية عن أصول التشريع المرتبطة بأحكام الصلاة والزكاة وغيرها.


 

إن الحوار والاستماع إلى الآخر فريضة قرآنية لا يستقيم إيمان المرء دونها، ولكنه للأسف الشديد تمت تنحيته في أغلب خطابات الإسلاميين، واستعيظ عنه بخطابات فرعونية انحلت من قيود العقل وتفلتت من زمام التوجيه القرآني، لقد تم تغييب الرؤية التقريبية للحوار وكونه أداة لاكتشاف وتصحيح المعرفة وتم الاستعاضة عنه برؤية انتهازية لا ترى فيه سوى وسيلة إفحام وتبكيت للخصم وإيصال رسالة وعظية إليه، فلهذا لا يكاد الحوار يبدأ حتى تستفز البنى المعرفية من اللاشعور، وتبدأ مصلطحات الأدلجة مثل قطعا وإجماعاً تطفو على السطح، وحين يعجز طرف عن إقناع الآخر يوجهه الشعور بالفشل نحو التشنج والانفعال والبراءة والتكفير.


 

وإن تعجب فعجب ملأ هؤلاء لردهات ما يسمى مؤتمرات حوار الأديان والثقافات، وليس ذلك بعجيب، فتواجدهم هناك تم طوعاً لتكريس زعامتهم العاطفية لأمة مسلوبة الرأي، أو كرها لتقديم فروض الولاء والطاعة للآخر المنتصر عسكريا واقتصاديا، إن حضور مؤتمرات الحوار مع غير المسلمين في ذات اللحظة التي يختطف فيه الحوار داخل البيت الإسلامي ليكشف بعمق ظاهرة الاستبداد والتسلط الفكري التي يعاني منها الخطاب الإسلامي، إضافة إلى التشويش الذهني الحاجب لحقيقة بدهية مفادها أن القصور الذي قد يبدو عن بعض المسلمين أفضل من الكفر البواح الموجود عند غير المسلمين، والمسلم المقصر أولى بالحوار والاحتضان من غير المسلم.


 

ليس التعصب والتكفير طارئا على مجتمعاتنا الإسلامية وإن كان مستفزا وسائدا في الفترة الراهنة، فقد ابتدأت بذور التعصب مع آخر أيام الخليفة عثمان، كانت بداية الاختلاف سياسية بامتياز وقادها الثوار ضد عثمان، ووجهها الأمويون ضد علي وشرعية خلافته، ورسختها من بعد المؤسسة الفكرية التي انشأتها الدولة الأموية لاستمالة القلوب والعقول الناقمة على سياسيتها، لم تجد تلك المؤسسة أمام هذه الحشود من المسلمين التي لا تحتكم سوى إلى ميراث محمد (القرآن والسنة) سوى الرواية سبيلا لتأسيس شرعيتها، وأنهم قضاء الله وقدره الذي صيرته الرواية ركنا إيمانيا سادسا! واستلم الفقهاء تركة الصراع السياسي بين الأمويين ومخالفيهم وبدأوا في التنظير للخلاف وتأصيل المفاصلة بين الأحزاب وتأسيس المذاهب وفقا لاحتيجات كل حزب من المخزون الروائي الذي صار كلأ مستباحاً كل يروي فيه ما يشاء ويختلق فيه ما يهوى، حتى تضخمت الروايات وصارت تلالا تعد بالآلاف المؤلفة والأطنان المكدسة.

وحين استفاق الجميع من سكرة اللهاث الروائي بدأوا في عملية غربلة ذلك المخزون الهائل من المرويات، إلا ان عملية الغربلة تلك اكتفت بنقد القشور المرتبطة بإسناد النقل، ولم تحفل –وإن ادعت ذلك-بدراسة متون الروايات ومضامينها، فورثنا بغير حول منا تركة هائلة من المرويات التي تصدمك دلالالتها المخالفة للحس والوجدان والعقل والقرآن، بل هي مخالفة لسنة النبي التي اتفق الناس عليها، وهي مع ذلك متشاكسة متضاربة لا تكاد تجد موضوعا إلا وفيه رواية أو أكثر متعارضة في الدلالة.

وطغت على الأمة النظر ة الإسنادية باعتبارها حافظاً للسنة والدين، وصار كل مسلم مداناً بالتجريح ما لم تثبت عدالته! وسيطرت على العقول النظرة الجاسوسية المتوجسة من كل صاحب فكرة، وسلت سيوف التجريح والبراءة، وسالت دماء التكفير، وأخرست أصوات الحوار، وهذا هو أصل اختلاف الأمة وتمزقها، إنه الرواية ومنهجها الإسنادي، يقول ناصر بن جاعد الخروصي: “إن أصل اختلاف الأمة في الأحكام نقل الأحايث التي هي كذب ممن تقول بها على النبي”.


 

لقد باءت كل محاولات الإصلاح التي قام بها الرواد المسلمون لإيقاظ الأمة من غفوتها بالفشل وأصيبت محاولات من بعدهم بالفتور والخلل، فالمدرسة الإصلاحية لمحمد عبده بشرت بمنهج “المقاصد التشريعية” إلا أن جذوته ما لبثت أن انطفأت تحت هدير الرواية ومنهج أهل الحديث الذي اتهم هؤلاء بإنكار السنة ورد الروايات التي لا تتوافق مع أهواء أصحاب نزعة “المقاصد التشريعية”. ورجعت الأمة إلى صندوق الرواية من جديد وظلت عقول مفكريها حبيسة أغلال المرويات التي تجزيء التفكير وتشظيه بدل أن تدفعه إلى رحاب الرؤية الكلّية والشمولية التي جاء بها القرآن.


 

إن التعصب والتكفير والبراءة من المخالف ليس طارئا على مجتمعاتنا الإسلامية بل هو نتيجة حتمية لتراجع دور العقل وانحسار دور المدرسة الفكرية القائمة على النقد والتدبر والنظر في النصوص والأخبار. إن الدعاية المضادة التي وجهها أهل الرواية ضد مخالفيهم من المفكرين نقاد المتون لتكشف عن إيدلوجيا وجدانية صارخة يختزنها هذا الخطاب، فهو يقدس الرواية ويتعامل معها بإعجاب يفقده القدرة على النقد الحيادي، فلهذا وسمت قراءته للمتون الروائية بـ “القراءة التلفيقية والتبريرية”، واصطنعوا لذلك ما اسموه فن “تعارض الأخبار”، بحيث يوفقون بين الدلالات المتعارضة للروايات المتناقضة، يقول ابن خزيمة: “لا أعرف أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثان باسنادين صحيحين متضادين، فمن كان عنده فليأت به حتى أؤلف بينهما”. هذا التعامل مع التراث والمنطلق من حس وجداني منبهر إعجابا بالمادة التي ينبغي أن يقوم بنقدها وتقويمها سيخفق لا ريب في الوصول إلى نتائج ذات جدوى، ذات الاخفاق متحقق أيضاً إذا ما انطلقت القراءة النقدية من أسس معادية للتراث كما هو الحال مع “الاستشراق”.

الأمة اليوم بحاجة إلى النقد الموضوعي الذي يستطيع الالتزام بالحياد الاكاديمي بعيدا عن رياح الأحقاد وأضواء الانبهار. الأمة بحاجة إلى أن تخلع التلسكوب الذي تنظر من خلاله إلى التراث وكأنه شمس تخطف الأبصار، وأن تقوم بتشريح هذا التراث وفحصه مجهرياً لتعرف مكوناته ودقائقه ومواطن القوة والضعف فيه، على الأمة أن تقوم بعملية جرد فكرية للتراث تمحصّ فيه الأصيل فتحافظ عليه وتجعله أساسا تبني عليه مستقبلها، وأن تفرز الغث الهزيل وتتخلص من إلزاماته المفرقة للأمة والمثبطة لنهضتها والمعطلة لانطلاقتها، ولن تستطيع الأمة القيام بهذه المهمة الحضارية ما لم تلتزم بقواعد البحث العلمي القائم على الموضوعية والحياد.


 

أمتنا اليوم بحاجة إلى المصارحة والحوار والتشخيص السليم لعلتها، فمواجهة الإلزامات الحضارية الراهنة من خلال افتعال صراعات مع المفكرين الذين يرومون نقد التراث وتميز غثه من سمينه ليس سوى وسيلة ساذجة للهروب، والإخلاص لتراث الأمة يلزمنا بمواجهة تحديات اللحظة والصمود أمام تيار التفوق الحضاري للآخر، وذلك لا يكون بالتكفير والتفسيق والبراءة من المخلصين من ابناء الأمة ممن سار في ميدان المواجهة النقدية وحيدا غير آبه بتقهقر الآخرين وتثبيطاتهم، بل المواجهة إنما تكون بالتجرد من التقديس الزائف وغير الموضوعي للتراث، فالتقديس الحقيقي لا يكون إلا حين نمارس عمليات التشريح وإزالة الأورام والأسقام من جسد التراث.


 الأمة محتاجة إلى أصوات عاقلة محملة بالفاعلية والحركة في اتجاه التسامح والبحث العلمي وفتح أبواب الحوار وتعدد الآراء، على الاستبداد أن يبقى في مساكنه ويفسح الطريق لجيش الأفكار كي يطهر الأرض من أدران الزيف وعوائق الاستخلاف الحضاري للأمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *