كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

أوباما العماني … وكربلاء الأمريكية


 

التنافس الرئاسي على أشده هذه الأيام في أقوى دولة في العالم، كلا الطرفين يحشد قواه للإطاحة بالآخر، الجانب الجمهوري خلف لواء العجوز جون ماكين، والحزب الديموقراطي خلف الشاب الأسود ذي الأصول الكينية المسلمة! طبيعي جداً أن نرى قصفاً متبادلاً بين الطرفين حول قضايا السياسية والاقتصاد غير أن هناك أبعاداً أخرى مسكوت عنها أو أنها مغيبة في زحام الاهتمام بالسياسية الخارجية والاقتصاد الأمريكي الذي يمر بأسوء حالة ركود عرفتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى.


 

هذه الأبعاد تتمثل في الشق الثقافي (الديني والاجتماعي) الذي يستند إليه كل طرف في معادلة التنافس الرئاسي، فباراك أوباما وإن كان منتمياً إلى الكنيسة الإنجيلية البروتستانتية إلا أن أصوله الإسلامية ما تزال شاخصة لدى الناخب الأمريكي ولدى ذاكرة أوباما ذاته الذي ينتسب إلى جده المسلم (الحسين)، ونحن لا ندري هل كان الحسين الكيني ذاك من أصول عمانية أم لا، فقد كان العمانيون من أوائل من نشر الإسلام في جنوب شرق أفريقيا، وانتشر الإسلام في تلك النواحي كالنار في الهشيم بفضل أخلاق العمانيين القائمة على رحمة القرآن وسماحة نبي الإسلام، أما الغربيون فقد جاءوا إلى تلك النواحي بحثاً عن مناجم الذهب والجواهر والعبيد! والمفارقة أن أمريكا وهي التي كانت الراعي الأكبر لتجارة الرقيق تتهم عمان الرحمة والسماحة بالاتجار بالبشر! مع أن عُشر الشعب الأمريكي وهم من أصول أفريقية سوى ثماراً لتجارة البشر، أما في الوقت الراهن فتهريب القُصّر والمومسات من أمريكا اللاتينية إلى لاس فيجاس وغيرها غير خاف على دائرة الهجرة الأمريكية.


 

وبغض النظر عن أصول الحسين جد أوباما إلا أن الجدير بالملاحظة أن شخصاً مثله من أصول أفريقية بل وإسلامية لم يكن ليصل إلى زعامة الحزب الديمقراطي لولا الميول الليبرالية الواضحة لهذا الحزب، والليبرالية فلسفة براجماتية تسيرها المصالح والمنافع. بيد أن اليبرالية الأمريكية هي الأضعف تأثيراً في المجتمع مقارنة مع الدول الغربية الأخرى -الكاثوليكية- حيث التدين يعاني من احتضار وتراجع أمام المدّ الليبرالي.


 

أما ماكين فإنه ينتمي إلى الحزب الجمهوري ذو الميول المحافظة، وأغلب الرؤساء الجمهوريين هم من المتدينين، وقد تجلى التأثير الواضح للتدين عند الرؤساء الجمهوريين من عهد رولنالد ريجان ومن بعده جورج بوش الأب وبوش الابن.


 

انتشرت في الأدبيات التي تعاطت مع التحولات الدينية في أمريكا فكرة أن بروز التيار الديني المحافظ في أمريكيا ليس سوى نتاج تغيرات ثقافية وفكرية حديثة ترجع ربما إلى العقود الثلاثة الماضية بدايةً من عهد ريجان في ثمانينيات القرن المنصرم، إلا أن هذه الفكرة لا تعبر سوى عن قصور في دراسة التاريخ الفكري والثقافي الأمريكي، فالتدين في أمريكا هو سمة بارزة منذ الهجرات الأوربية الأولى إلى العالم الجديد، بل أن بعض المؤرخين يزعمون أن المذاهب المسيحية المتطرفة وجدت لها في أمريكا ملاذاً آمنا من شرور قمع الكنيسة الكاثوليكية في روما!


 

يقول كارل ماركس (ت 1883م) في كتابه “المسألة اليهودية”: (إن شمال أمريكا هو بلد التدين بصورة خاصة كما يؤكد كل من بومون وتوكفيل والانكليزي هاملتون بالإجماع). وقال جوستاف لوبون (ت 1923م): (ونبدأ بذكر مجمل من صفات الشعب الإنجليزي السكسوني الذي يسكن الولايات المتحدة، فهو أشد شعوب الأرض على التقريب وحدة وتماثلاً ونشاطا قديرا ومشاعر دينية شديدة). بل يشير بعض الؤرخين إلى أن الجيوش الإنجليزية وفرقها القتالية المتطوعة كانت تحارب السكان الأصليين في أمريكا الشمالية باعتبارهم أعداء المسيح! فالتدين في أمريكا ليس وليد الفترة الراهنة بل هو سمة امتاز بها المجتمع الأمريكي مع بداية تكونه، واختزال روح التدين لديه في فترة ثلاثة عقود إنما يعبر عن جهل تاريخي واجتماعي وبالتالي عجز عن قراءة السلوك الأمريكي السياسي والاقتصادي.


 

من هذه المقدمة نخلص إلى حقيقة مفادها أن وصول باراك حسين أوباما إلى الحكم قد يعبر عن ثورة ليبرالية مضادة للاخفاق الديني زمن جورج بوش الابن بيد أنه ليس معبراً بالضرورة عن توجه ليبرالي من قِبل الجمهور الأمريكي، وبالتالي لا نستغرب أن تتم التضحية بباراك حسين أوباما إذا ما عنّت وشيجة التدين في الضمير الأمريكي، خاصة وأن الأصوات المتطرفة في الجناح الأمريكي المتدين تشكك في ولاء الأمريكيين السود، فقد قال برنارد لويس: (وتم لفظ اليهودي بوصفه شرقياً متطفلاً فتحول لتأييد الشرقيين الأكثر سلطة وقوة بحثاً عن المساندة، وبذلك فهو يشبه الأمريكيين السود الذين ينظرون لأفريقيا او حتى لآسيا في الوت الراهن للسبب نفسه في الحالتين).


 

 وأخشى ما يخشاه المرء بسبب هذه الأصوات وتلك الخلفية الثقافية الأمريكية المتعصبة أن يتعرض الحسين الكيني أو العماني إلى هلوكوست سياسي دموي شبيه بمجزرة الحسين الهاشمي في كربلاء، فتصفية الرؤساء جسدياً ليست استثناءا في الولايات المتحدة وآخر الرؤساء المغدورين جسدياً كان الرئيس الديموقراطي جون كينيدي وآخر الرؤساء المغدورين سياسياً هو الرئيس الديموقراطي أيضاً بل كلنتون الذي وقع ضحية إغراء الفتاة اليهودية المدسوسة مونيكا لوفنسكي. فهل سيكون باراك حسين أوباما إذا ما فاز في الانتخابات الأمريكية استثناءا للقاعدة؟ أم أنه ينتظر كربلاء أمريكية وشيكة!.

ملاحظة: هذا المقال تم نشره في شهر يوليو 2008م في ملحق “شرفات” الثقافي في جريدة عمان وفوجئت بعدها بمقال لأحد الصحفيين العرب الذي اقتبس فكرة مقالي ليصوغ منها مقالا مشابها دون إشارة منه إلى مقالي! والحمد لله على كل حال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *