كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

أقنعـة العنكبــوت

سجل التاريخ مدونات أدبية كثيرة لا يُدرى قائلها، فبعض أبيات الشعر التي تُعد اليوم مرجعاً للترجيح في الدلالة اللغوية داخل قواميس اللغة لا يُعرف أصحابها، بل إن بعضها الآخر تمت نسبته إلى بعض أعلام شعراء الجاهلية ظناً وتخميناً لا قطعاً ويقيناً. ومع وصول شبكة الانترنت إلى عالمنا العربي بدأت ظاهرة “منتديات الحوار” تطغى على جميع أشكال استخدامات الانترنت الأخرى، وهذه الظاهرة تكشف بعمق حالة الكبت “الحواري” التي يعاني منها العربي.

ليس الواقع السياسي وحده المسؤول عن الكبت “الحواري” الذي تم تفجيره في منتديات الانترنت بل هناك ما هو أعمق، إنه الكبت الفكري والثقافي والاجتماعي، فالعقل العربي كما تشكل بعد عصور الانحطاط قائم على تقديس الرأي الواحد، وتدنيس كل رأي مخالف، الحوارداخل الأسرة لا ينتهض إلا من خلال مصادرة الذكر حق المرأة في التعبير، والأمر ذاته يتكرر على مستوى القبيلة والسلطة السياسية. ذات الأمر ينسحب أيضا على الفقه الذي اعتمدت فيه كل مدرسة أقوال مجموعة من فقهائها باعتباره مدونة مغلقة الخروج عليها هو خروج عن الدين وعمالة لأعداءه.

ظهور منتديات الحوار التي تسمح للجميع بالتعبير دون اعتبارات جنسية أو قبلية أو سياسية، والمشاركة بأسماء مستعارة، أوجدت للناس في العالم العربي منفذاً لتفريغ شحنات الكبت الفكري والثقافي والسياسي، وقد وقفت المؤسسات الرسمية العربية مواقف متباينة من هذه المنتديات الأمر الذي يعكس ضعف بعض هذه المؤسسات عن قراءة واقع مجتمعاتها ومتطلباته الفكرية والنفسية.

كُتاب المنتديات المتخفين وراء الأقنعة العنكبوتية متمايزون في كتاباتهم، فهناك من يخط كلمات أقرب إلى كلام السوقة والعوام مبنا ومعنا، وهناك من يُبدع أفكاراً ونصوصاً أرقى من الكثير مما تنشره الملاحق والمجلات الثقافية والأدبية.

شخصياً كانت لي تجارب كثيرة مع أقنعة العنكبوت في أكثر من منتدى حواري، فهي تغري بالمشاركة بسبب تميزها بالتخفف من قيود الرسميات في الكتابة والصرامة في المراجعة، إن ما يُكتب في الشبكة بقناع العنكبوت هو أقرب إلى المُسَودة حيث لا يلتزم فيه الكاتب بمراجعة النص المكتوب، وأحياناً يجد الكتاب خلف القناع العنكبوتي أنه يُفكر بصوت مسموع، فكل ما يخطر بباله يفرغه في المنتدى دون تبصر بالعواقب وتمهل في الطرح.

إن أكبر مشكلة في قناع العنكبوت تضيعه لحق الملكية الفكرية، فما تكبته بالقناع يصير حقاً مشاعاً للقراء في العالم أجمع، ولا يستطيع أحدُ ما ادعاء ملكيته للنص المدَوّن، وقد حاول البعض الكتابة في هذه المنتديات باسمائهم الشخصية لكنهم يواجهون صعوبة التعامل مع أصحاب أقنعة العنكبوت الذين يسيء بعضهم إلى كل من يختلف معه في الفكرة سواء أكتب باسمه الشخصي أم تخفى خلف قناع.

ستظل ظاهرة المنتديات الحوارية حية ومتفاعلة في عالمنا العربي ما لم يتم دراسة هذه الظاهرة ومحاولة معالجة أسبابها، أما إغلاق بعض المواقع بسبب الازعاج الذي تسببه الانتقادات التي توجهها إلى بعض المؤسسات فإنه لا يخدم سوى تعزيز ظاهرة الكبت الحواري والدفع نحو انفجار آخر ربما لا يكون حوارياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *