كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

أزمة الأمة الحقيقية 2

مزاحمة النص القرآني:

“مثناة كمثناة أهل الكتاب” إن هذه المقولة المنسوبة إلى عمر بن الخطاب [13] على قصرها وقلة ألفظاها إلا أنها تكتنز بمعاني تفيض منها الحكمة العمرية التي تشربت من معين القرآن الكريم، فاليهود والنصارى حرفوا التوراة والإنجيل وأضافوا إليها من أقوال أحبارهم ورهبانهم ما يصد عن سبيل الله واتباع سبيل المرسلين،  

وقد أدرك عمر أن النهي القرآني عن مضاهة الكتاب العزيز إنما جاء تحذيراً من الوقوع في خطأ أهل الكتاب، لأن السير في نفس الطريق الذي اتبعه أولئك سيؤدي بالأمة إلى نفس النتائج المهلكة التي وصلت إليها أمة اليهود والنصارى من ضلال وتيه وحيرة ورجوع إلى الوثنية، وهذه القراءة العُمَرية الواعية للتاريخ إن دلت على شيء إنما تدل على الفكر القرآني الوقاد الذي ينطلق منه عمر المتمثل في قوله تعالى {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا}الأحزاب: 62.

والأمة الإسلامية للأسف الشديد انتقلت إليها عدوى أهل الكتاب وأصيبت بمس من تحريفات أهل الملل التي عبثت بنصوصها المقدسة، ولأن القرآن الكريم كان عصياً على العابثين بسبب تكفل الله عز وجل بجمعه {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}القيامة: 17، وتكفله تعالى بحفظه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}الحجر: 9، تحولت طاقات المغرضين إلى تراث النبي صلى الله عليه وسلم من أفعال وأقوال، وهم بذلك طبقوا سنة أهل الكتاب بحذافيرها، فأهل الكتاب اعتبروا تراث أنبيائهم الذي حكاه الأحبار والرهبان نصاً مقدساً معتمداً في التشريع، أما في الإسلام فقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم الأمة إلى الاقتداء بأفعاله الشارحة لبعض التشريعات التي جاء به القرآن الكريم، فلهذا نجده يقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ويقول أيضاً: (خذوا عني مناسككم)، أما كلماته فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن تقييدها وكتابتها قائلاً  (لا تكتبوا عني سوى القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) [14] !

 

 


ولأن سنة الله تعالى لا تتدبل {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا}الأحزاب: 62، فقد أصيبت أمة الإسلام بما أصيبت به الأمم السابقة من تيه وضلال وحيرة، ولولا بقاء النص القرآني خالصاً من التحريف والتزييف لما بقى من الإسلام سوى اسمه في سجلات التاريخ وأرشيف الأمم البائدة.


ومع ذلك ينبغي تذكر أن (العوارض التي غشيت الدين وصرفت قلوب المسلمين عن رعايته، وإن كان حجابها كثيفاً، لكن بينه وبين الاعتقادات الصحيحة التي لم يحرموها بالمرة تدافع وتغالب لا ينقطع، والمنازعة بين الحق والباطل كالمدافعة بين المرض وقوة المزاج، وحيث أن الدين الحق هو أول صبغة صبغ الله بها نفوسهم، ولا يزال وميض برقه يلوح في أفئدتهم بين تلك الغيوم العارضة، فلا بد يوماً أن يسطع ضياؤها وينقشع سحاب الأغيان، وما دام القرآن الكريم يتلى بين المسلمين وهو كتابهم المنزل، وإمامهم الحق، وهو القائم عليهم يأمرهم بحماية حوزتهم، والدفاع عن ولايتهم، ومغالبة المعتدين، وطلب المنعة من كل سبيل، لا يعين لها وجهاً، ولا يخصص لها طريقاً، فإننا لا نرتاب في دعوتهم إلى مثل نشأتهم ونهوضهم إلى مقاضاة الزمان ما سلب منهم، فيتقدمون على من سواهم) [15] في جميع المجالات الحضارية العلمية والسياسية والاقتصادية والإجتماعية.


    
 
 
أزمة الأمة الحقيقية (المقال كاملا للطباعة) 
 
هنا تكمن الأزمة
 
مزاحمة النص القرآني
 
إزاحة النص القرآني
 
تقديس الرواية على حساب القرآن
 
الإشكالات السياسية التي خلقتها الرواية
 
الإشكالات الإقتصادية التي خلقتها الرواية
 
الإشكالات الاجتماعية التي خلقتها الرواية
 
تسطيح العقل المسلم
 
السنة غير والروايات غير


 

 

[13] ابن سعد “الطبقات الكبرى” ج5ص140
[14] الخطيب البغدادي “تقييد العلم” ص33 من طريق أبي سعيد الخدري ورواه مسلم[7510] 72-(3004)، وأحمد 1/171.
[15] محمد عبده “الإسلام دين العلم والمدنية” ص20-21.
  

One Response

  1. أخي العزيز محمود عبدالله بكار مرحبا بك واعتذر إليك عن التأخر في نشر تعليقك بسبب مشاكل فنية.

    لقد كتبت رؤيتي المتعلقة بحل الأزمة وقد نشرتها بداية ثم آثرت حذفها وتأجيل إعادة النشر لاعتبارات عديدة ليس أقلها مخض الفكرة وتمحيصها واختبار قدرتها على الصمود والبقاء بل والتقدم على النظريات المثبطة التي تسير الأمة في الوقت الراهن.

    وأعدك ان يكون ذلك قريبا بإذن الله.

    تحياتي إليك وإلى أهل مصر الحبيبة.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    زكريا بن خليفة المحرمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *