كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

أزمة الأمة الحقيقية 4

الإشكالات الإقتصادية التي خلقتها الرواية

لا شك أن الجانب الاقتصادي مرتبط موضعياً وموضوعياً بالجانب السياسي، فحيث يكون استبداد وظلم وجور يتزعز الاستقرار النفسي والاقتصادي للمجتمع، ولم يكتف أهل الحديث بإحداث مأساة سياسية ما تزال الأمة تعيش ويلاتها إلى يومنا هذا بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك في محاصرة الأمة اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً، فكما هو معلوم أن القرآن الكريم جاء بقواعد مطلقة تنظم الحركة الاقتصادية المتغيرة، وهذه القواعد هي:

أولاً: العدالة. 

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}البقرة: 282. 

ثانيا: رفع الظلم. 

يقول تعالى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}البقرة: 279. 

ويقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}النساء: 10. 

ويقول عز وجل: {قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّـآ إِذًا لَّظَالِمُونَ}يوسف: 79. 

ويقول تعالى: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ}ص: 24. 

ثالثاً: التراضي. 

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}النساء: 29. 

رابعاً: الشفافية. 

يقول تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ & الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ & وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}. 

خامساً: حفظ الحقوق عن طريق التوثيق الكتابي والشهادة أوالرهن. 

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء}البقرة: 282. 

ويقول تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ}البقرة: 283. 

 وفق هذه المنظومة الكلّية الجامعة قررت الشريعة الإسلامية أسس البناء الإقتصادي، وقد استطاع المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام أن يصل إلى درجة الإكتفاء الذاتي والقضاء على مظاهر الفقر حتى قام المسلمون بتوزيع ما زاد عن حاجتهم من بيت المال إلى فقراء أهل الذمة وغير المسلمين تآلفا لقلوبهم وتأصيراً لعلاقة الأخوة الإنسانية التي حض الإسلام على تأكيدها ووصلها. إن أهم ما يميز هذه المنظومة بجانب قدرتها على استعياب جميع أنواع التعاملات الاقتصادية في شتى المجالات: التجارية، والصناعية، والزراعية، هو أنها قادرة على التلائم مع الواقع الإقتصادي المتغير. 

إلا أن أهل الحديث ما لبثوا أن انقلبوا على هذه المنظومة، وادخلوا على التشريع الإسلامي مواداً جنحت به بعيداً عن فضاءات الشمول والاتساع وحكرته في زوايا ضيقة من الأحكام الجزئية التي لا تراعي التغير الزماني والمكاني للمجتمعات الإنسانية، سواء أكان ذلك بالجمع غير الواعي للرواية، أو بتوجيهها بعيداً عن الدلالات القرآنية. هذه الثقافة التجزيئية التي أشاعها أهل الحديث أصابت الاقتصاد الإسلامي بالعطب وعدم القدرة على مجارات التحولات الإقتصادية الهائلة التي تموج بها الحضارة الإنسانية. 

ومن نماذج التشريعات الجزئية التي قيدت حركة الاقتصاد الإسلامي بسبب المرويات وسوء التعامل معها: 

أولاً: عدم مشروعية الصفقات التجارية ما لم يغادر أحد المتعاقدين مكان العقد! 

جاء في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا)([65]). فزعم أهل الحديث أنه يحق لأي طرف من المتبايعين أن يتراجع عن البيع إذا وجد عرضاً آخر أفضل من الأول ولا يهم ما يقع على الطرف الثاني من خسائر اقتصادية، فحسب أهل الحديث على أحد الطرفين أن يغادر مكان عقد الصفقة حتى لا يتراجع الطرف الآخر عنها!. أما إذا قدر لهما أن يظلا في نفس المكان لوقت طويل كأن يكونا في سجن أو سفينة أو مركبة فضائية أو حتى طائرة أو قطار أو سيارة فإن العقد يظل معلقاً مهما طار الزمان إلى أن يتفارقا في المكان! 

ثانياً: تحريم التبادل التجاري إن كانت السلعة والثمن متشابهين . 

جاء في الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الذهب بالذهب رباً إلا هاء وهاء، والبر بالبر رباً إلا هاء وهاء، والشعير بالوَرِق رباً إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر رباً إلا هاء وهاء)([66]). وأنه صلى الله عليه وسلم (استعمل رجلاً على خيبر فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاث. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً)([67]). 

فقال أهل الحديث إن المبادلات التجارية القائمة على استبدال سلعة بأخرى أكبر أو أصغر من نفس النوع غير جائزة شرعاً، فلا يجوز أن تبيع تمراً غالياً بآخر رخيص إذا اختلف الوزن وإن كنت محتاجاً إلى التمر الرخيص بسبب تفضيلك إياه على النوع الغالي، ولا أن تستبدل ذهباً قديماً بآخر جديد أقل منه أو يزيد عليه في الوزن إلا بعد أن تقبض ثمن الأول ومن ثم ترد المبلغ الذي قبضته مرة أخرى إلى البائع! والأمر كذلك في صرف الأوراق المالية فلا تجوز الحوالات المالية إذا اختلفت الأوراق المالية، فمثلاً لا يجوز تحويل مئة دينار إلى رجل في أمريكا ليستلمها بالدولار وإنما يجب فعل التالي: إما أن يتم قبض ما يعادل المئة دينار من الدولارات ومن ثم تحويل تلك الدولارات، أو تحويل المئة دينار بحيث يقبضها ذلك الشخص كما هي مئة دينار ومن ثم يحولها يداً بيد بحيث لا يسلم المئة دينار حتى تلامس يده ما يعادلها من الدولارات!، وكل هذا تعقيد وتشديد لا يتناسب والمنظومة الاقتصادية الكلية للشريعة الإسلامية والتي رسمت خطوطها الواضحة نصوص الكتاب العزيز. 

ثالثاً: التعامل مع المفلس. 

روى أهل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أدرك مال بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره)([68]). فلو أعلنت شركة ما إفلاسها فإن أي شخص تدين له هذه الشركة بمال جاز له انتزاعه قبل أن يصل غيره من الناس للمطالبة بأموالهم! وهذا أقرب ما يكون إلى قانون الغاب حيث يتسابق الدائنون من يصل أولاً لاسترداد أمواله دون مراعاة لغيره من الدائنين الذين ينتظرون استرداد أموالهم، فالأصل هو أن تحجز تلك الأموال ويتم توزيعها على الدائنين بالتساوي لا أن يتسابق الناس رجالاً ونساءاً إلى تلك الأموال. 

فالحاصل أن أهل الحديث بمروياتهم استطاعوا أن يكبحوا حركة الإقتصاد الإسلامي التي كان ينبغي أن تتميز بالسرعة والمرونة والانفتاح، الأمر الذي أدى إلى تذمر الناس من هذا الفقه القائم على التشظية والتجزيئ والهدم، والواقع ينبأنا عن حقيقة مؤلمة وهي تبني أكثر المسلمين اليوم لمنظومات إقتصادية غير إسلامية بعد أن عجز الفقه الإسلامي التجزيئي القائم على الروايات أن يوفر للناس حاجاتهم الأساسية! 

    
 
 
أزمة الأمة الحقيقية (المقال كاملا للطباعة) 
 
هنا تكمن الأزمة
 
مزاحمة النص القرآني
 
إزاحة النص القرآني
 
تقديس الرواية على حساب القرآن
 
الإشكالات السياسية التي خلقتها الرواية
 
الإشكالات الإقتصادية التي خلقتها الرواية
 
الإشكالات الاجتماعية التي خلقتها الرواية
 
تسطيح العقل المسلم
 
السنة غير والروايات غير


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *