كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

أزمة الأمة الحقيقية 3

إزاحة النص القرآني:

 نكون متفائلين جداً إن زعمنا أن مكانة النص القرآني لم يتم اغتصابها وتسليمها إلى أطنان المرويات التي تم سكها وتعليبها ونسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والتي عرفت فيما بعد باسم “السنة النبوية”، وواقع الأمة يشهد أن هذا التفاؤل ليس في محله وأن الذي حدث على حين غفلة من الأمة أن القرآن الكريم قد فقد مكانته التشريعية في ضمير الأمة تدريجياً،  
 

  والعجيب أن هذا الأمر الجلل مر على الأمة مروراً عابراً وهي في سبات الرواية المخدّر للعقول والمعطّل للألباب إلى أن أضحى هذا الأمر جزءاً من ثقافة الأمة التي لم يستفزها قول البربهاري المحدث الحنبلي (إن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن) [16]!
وقد ابتدأت محاولات إزاحة النص القرآني مع تلفيق روايات جمع وتدوين القرآن الكريم حيث زعم أهل الحديث أن القرآن الكريم جمعه رجل واحد وهو زيد بن ثابت، وأن زيداً رفض بدايةً اقتراح أبي بكر وعمر له بجمع القرآن وقال: (كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله r؟) [17]، بل إن أهل الحديث قد فتحوا باباً للطعن في القرآن الكريم حين رووا في قصة جمع زيد بن ثابت القرآن قول زيد (فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}التوبة: 128، حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه) [18]. وفي رواية أخرى أن الآية التي فقدها كانت من سورة الأحزاب [19]!. فالقرآن حسب أهل الحديث جمعه شخص واحد، وأن بعض آياته لم توجد إلا عند رجل واحد، وأن المصحف أودع عند رجل واحد، وورثه عنه رجل واحد، ثم ورثته عنه امرأة!، فانتفى عن القرآن صفة التواتر، وسقطت حجيته، وانتهز أعداء الإسلام الفرصة ليطعنوا في القرآن وآياته ويشككوا في عصمته عن التحريف والتغيير والتبديل
.
وزعم أهل الحديث أيضاً أن القرآن الكريم كان متناثر الآيات مبعثر السور مات النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يعلم الأمة كيفية مواضع آياته وترتيب سوره! وقد نسب هؤلاء إلى أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر أنه جاءها رجل عراقي (فقال: أي الكفن خيرٌ؟ قالت: ويحك، وما يضرّك؟ قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك، قالت: لم؟ قال: لعلي أولف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف. قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل) [20] ، ورووا أيضاً أن الزبير بن العوام قال: (أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة، فقال أشهد أني سمعتها من رسول الله r ووعيتها. فقال عمر: وأنا أشهد، لقد سمعتها. ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا آخر سورة من القرآن، فألحقوها في آخرها. قال ابن حجر: ظاهر هذا أنهم كانوا يؤلفون آيات السور باجتهادهم) [21]. وقال ابن حجر أيضاً: (كان القرآن كله كتب في عهد النبي r لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور) [22] ، وقال السيوطي: (وأما ترتيب السور: فهل هو توقيفي أيضاً، أو هو باجتهاد من الصحابة؟ خلاف. فجمهور العلماء على الثاني) [23].
بل قد وصل الأمر بأهل الحديث إلى رواية روايات تزعم وقوع الزيادة والنقصان في القرآن الكريم، وبمصطلح تقني أدق “تحريف القرآن، فقد زعموا أنبسم الله الرحمن الرحيم” ليست آية من القرآن الكريم وإنما هي زيادة من الصحابة في أوائل سور القرآن الكريم [24]!، وزعموا كذلك أن قوله تعالى {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى}الليل:2-3، إنما أصلها هكذا (والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى)، فقد رروا ان أبا الدرداء جاء إلى أصحاب عبدالله بن مسعود فسألهم عن قراءة عبدالله بن مسعود لقوله تعالى {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}الليل: 1، فقال علقمة: (والذكر والأنثى). قال أبو الدراداء: أشهد أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدونني على أن أقرأ {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى}الليل: 3، والله لا أتابعهم) [25]. وزعموا كذلك أن عبدالله بن عباس كان يقرأ القرآن يزيد ويغير آياته! حيث زعموا أنه كان يقرأ قوله تعالى {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا}الكهف: 79. بتغير كلمة {وَرَاءهُم} بكلمة (أمامهم، وزيادة كلمة “صالحة” قبل {غَصْبًا} فقد زعموا أن سعيد بن جبير قال: (كان ابن عباس يقرأ “وَكَانَ أمامهم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالحة غَصْبًا“) [26]. وأنه كان يزيد عبارة “كافراً وكان” في قوله تعالى {وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا}الكهف: 80. فقد زعموا أن سعيد بن جبير قال أن عباس (كان يقرأوَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ كافراً وكان أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ) [27].
وزعموا كذلك أن هناك آيات من القرآن الكريم قد تم حذفها من المصحف! حيث نسبو إلى عمر بن الخطاب القول: (كان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلاناها ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله) [28]. وقد جاء تفصيل هذه الآية في رواية أخرى نسبوها إلى أبي بن كعب وأنه قال: (كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، وكان فيها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)) [29]آية أخرى زعموا أنها حذفت من القرآن الكريم هي ما نسبوه إلى عمر وأنه قال: (ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) [30]. آية أخرى يروي أهل الحديث أنه تم مصادرتها من المصحف الشريف وهي ما نسبوه  إلى أم المؤمنين عائشة وأنها قالت: (كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يُحرّمن، ثم نسخن: بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهن مما يقرأ في القرآن) [31]. بل أنهم زعموا ان عبدالله بن الزبير كان يحرض عثمان على تغيير القرآن الكريم بحذف أحد آيات سورة البقرة! فرووا أن ابن الزبير قال: (قلت لعثمان بن عفان {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} البقرة: 240، قال: قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي، لا أغير شيئاً منه من مكانه) [32].
ومن غرائب ما يروونه في حق القرآن الكريم زعمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينسى القرآن ويتعلمه مرة أخرى من الصحابة!، حيث زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع (رجلاً يقرأ في المسجد، فقال: يرحمه الله لقد أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا) [33]. وزعموا كذلك أن أفضل الصحابة قراءة للقرآن كان كثير اللحن فيه، وأنه تعلم اللحن في القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم! حيث رووا عن عمر أنه قال: (أبيٌّ أقرؤُنا وإنا لندع من لحن أبيّ، وأبيٌّ يقول: أخذته من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أتركه لشيء) [34].

         

 

 

 

 

أزمة الأمة الحقيقية (المقال كاملا للطباعة) 
 
هنا تكمن الأزمة
 
مزاحمة النص القرآني
 
إزاحة النص القرآني
 
تقديس الرواية على حساب القرآن
 
الإشكالات السياسية التي خلقتها الرواية
 
الإشكالات الإقتصادية التي خلقتها الرواية
 
الإشكالات الاجتماعية التي خلقتها الرواية
 
تسطيح العقل المسلم
 
السنة غير والروايات غير

[16] حسن البربهاري “شرح السنة” ص89.
[17] البخاري 4986.
[18] البخاري 4986.
[19] البخاري 2807.
[20] البخاري 4993.
[21] السيوطي “الإتقان” ج1ص123.
[22] ابن حجر العسقلاني “فتح الباري” شرح الحديث 4986، ج10ص15.
[23] السيوطي “الإتقان” ج1ص124.
[24] ابن كثير “التفسير” ج1ص28 في تفسير آية البسملة من سورة الفاتحة.
[25] البخاري  4944، ومسلم  [1916 ]282-(824).
[26] البخاري 4725.
[27] البخاري 4725.
[28] البخاري 6830.
[29] الحاكم “المستدرك” 3554/691 وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (صحيح). انظر “المستدرك” ج2ص450.
[30] البخاري 6830.
[31] مسلم [3597]24-(1452).
[32] البخاري 4530.
[33] البخاري 5038.
[34]البخاري 5005.

2 Responses

  1. أخي العزيز أسامة عبدالجواد ياسين

    بالفعل أشاطرك الهم ذاته، فهذا الركام الروائي ران على قلب الأمة فأبعدها عن السبيل القويم والصراط المستقيم.

    ومع ذلك فالأمة ما تزال تنبض بالكثير من الخير الذي تحمله دفقات المفكرين والمصلحين أمثالكم وأمثال أستاذنا عبد الجواد ياسين.

    تحتاج الأمة منا بعض الجهد والمثابرة والتضحيات أحيانا من أجل الإصلاح وهذه سنة الأنبياء وطريقة الأولياء.

    كل ما استطيع أن أحلم به في هذه الفترة العصيبة من تاريخ الأمة هو ترسيخ الوعي لديها بأهمية إعادة صياغة المنهج العلمي الذي يحدد الكلّيات ولا يتمزق في الجزئيات، منهج علمي يروم إعادة الأعتبار للقرآن الكريم ويعيد للسنة (الحقيقية) مكانتها اللائقة بها كشارح للقرآن وليس مهيمنا عليه.

    الطريق طويل حقا وشاق فعلا إلا أن الحكمة تقول: من سار على الدرب وصل. وقد عزمنا المسير متوكلين على العلي القدير.

    زكريا المحرمي.

  2. بسم الله الرحمن الرحيم

    أخي العزيز (الطارق) ابن الكنانة أرض الحضارة والإسلام مرحباً بك في مدونة أخيك زكريا المحرمي.

    أخي الكريم إن رحتلك الاستكشافية للمدارس الإسلامية لا شك قد أثرت خلفيتك المعرفية وقد ساهمت في تشكيل القاعدة العلمية التي تنطلق منها، ذلك ان تعدد الرؤى يثري المخيال ويوسع المدارك، وقد كان فقهاءنا يعلموننا أن ننظر في الأقوال المتعددة وأن لا نكتفي بحفظ قول واحد لإن معرفة قول يورث الجمود والتحنط في مقابر التقليد الأحفورية.

    وأنا أدعو جميع ابناء الأمة إباضية وسنة وشيعة كي ينظروا في المساهمة الفكرية التي تقدمها بقية المدراس الإسلامية التي لم يُقدر لهم ان يولدوا في بيئتها، وأن يكون مناراهم دائماً وأبداً القرآن الكريم وتقوى الله والسعي إلى مرضاته.

    أخي الفاضل: أنت تعلم كما يعلم بقية القراء الكرام أن الأمة تأن تحت وطأة الحمل الروائي الثقيل الذي خلفه لنا أهل الحديث في سياق تاريخي ملتهب بالصراعات السياسية الدموية والحروب الفكرية التي لا تقل لهيباً عن موجهها السياسي، هذه الأطنان الهائلة من الزوائد الروائية لم تبق مقدساً إلا واقتحمته ولم تبق خطاً أحمراً إلا وتجاوزته، تلك الروايات شوهت الذات العلية لله تعالى وألبستها لبوس التشبيه والتجسيم، وتعدت على مقام النبي صلى الله عليه وسلم ووصفته بنسيان القرآن الكريم وأنه يدخل على النساء اللاتي لسن محارم له!، فكيف لا تتعدى على أمهات المؤمنين؟!

    إن روايات رضاع الكبير وما صحبها من روايات تزعم دخول الفتيان على أم المؤمنين عائشة ليست سوى خبث منتن يحتاج إلى مشارط العقل الإسلامي المتخرج من مدرسة القرآن للعلوم الإنسانية والكونية والتاريخية والشرعية ليقتلعها من جذورها المهترئة.

    لقد بينت في كتابي (قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث) بطلان هذه المرويات وغيرها مما فيه طعن لمقام الألوهية ومقام النبوة وحرمة أمهات النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي هن أهل بيته، فأتمنى أن تراجعه مشكوراً مأجوراً غير مأمور.

    زكريا المحرمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *