كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

أزمة الأمة الحقيقية 1

هنا تكمن الأزمة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ومن اتبع هداه إلى يوم الدي أما بعد…

كان المنظرون الإسلاميون فيما مضى يقولون أن الأمة تقف على شفا الهاوية بسبب أوضاعها المأساوية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ونحن اليوم لا نملك إلا أن نقرّ بسقوطنا في جرف الهاوية إن لم نكن في قعرها أصلاً!

ومع أن أولئك المنظّرون قد اجتهدوا في تقديم تصوراتهم ورؤاهم لتشخيص حال الأمة ومحاولة إقالتها من عثرتها التي أضحت نكبة خانقة للأجيال وفاجعة مبددة للأمال إلا أن الوضع الكارثي للأمة ما يزال يتأرجح في دائرة السيء والأسوأ والأكثر سوءا!
تفاوتت تلك الرؤى والتشخيصات بين من يذهب إلى تحميل الطغيان والاستبداد السياسي مسؤولية ما جرى وما يجري للأمة، وبين من يوجه أصابع الاتهام إلى الجهل والأمية، وبين من يذهب إلى اتهام العقل المسلم بالخرافة والسلبية التي طبعت بها الأمة وحطمت إرداتها.
وقد قدم المخلصون من أبناء هذه الأمة حلولاً لتلك المشكلات كل ورؤيته، إلا أن الأمة مع ذلك لم تستطع أن تستفيق من غيبوبتها المستدامة! الأمر الذي يشي بوجود نواقص ما في التشخيصات والحلول المقدمة، وهذا يدفعنا إلى اعتبار الأزمة أعمق مما نتصور، وأن الطروحات السابقة وإن كانت صحيحة في ذاتها لكنها مولدة من أمور أكبر وأعظم أسهمت في إيجاد عقلية تجزيئية غير قادرة على لملمة المفردات المتناثرة وتفعيل نظرة شمولية واسعة للكون والإنسان والحياة.
إن أهم ما يميز تلك المحاولات التشخيصية هو بنيتها القائمة على التجزيء والتفكيك والنظر من زاوية واحدة إلى المشهد العام لأزمة الأمة وأوضاعها المأساوية، ومثل هذه النظرة الجزيئية لا تعطي سوى حلول جزئية تبتسر الحقيقة وتشظيها فتغيب معها معالم الأزمة وعواملها. ولأن أدركنا أن ثقافة الأمة في عصر الانحطاط الذي نعيشه قائمة على التجزيئ والتفكيك والتشظي فإنه يجدر بنا لأجل اكتشاف أصل الأزمة أن ندرك كذلك أن أهم نبع من منابع ثقافة الأمة إنما يتمثل في النصوص المقدسة التي تعدّ المحرض الأول للأمة نحو الحركة والبناء.
يتكون النص الإسلامي المقدس من شقين: الأول هو النص القرآني الذي لا يمكن أن نزج به في أتون هذه الإتهامات لا بسبب حساسيتنا المفرطة من التعاطي مع هذا النص بصورة نقدية منفتحة بل بسبب إيماننا المطلق بأنه وحي الله تعاى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأيضاً بسبب نظرتنا الموضوعية للنص القرآني واكتشافنا أن هذا النص العظيم تكمن فيه محرضات كثيرة ومحفزات أكبر لا تحارب النظرة التجزيئية وتحذر منها وتنسفها وحسب، بل تتعدى ذلك إلى تقديم منهج كلي شمولي متكامل تدعو الأمة إلى استجلائه والسير في طريقه المنير بعيداً عن ظلمات التجزيء والتفكيك والتشظي.
إذاً لم يبقى أمامنا سوى النص المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما فيه من خلل وعلل ومساقط وزلل اتفق أهل الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم ذاته قد حذر من كتابتها حيث رووا عنه أنه قال (لا تكتبوا عني سوى القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) [1] ، وجاء عن أبي سعيد الخدري أنه قال: (جهدنا بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لنا في الكتاب فأبى)([2])، وعنه أيضاً أنه قال: (ما كنا نكتب غير التشهد والقرآن) [3] ، وقال أبو هريرة: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نكتب الأحاديث، فقال: ما هذا الذي تكتبون؟ قلنا: أحاديث نسمعها منك. قال: كتاب غير كتاب الله!، أتدرون. ما ضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى) [4].
وهذه الحقيقة الغائبة عن الأذهان أو المغيبة عن كثير من الناس قد نبها إليه القرآن الكريم حين لفت انتباه الأمة إلى ظاهرة معاداة أهل الضلال للقرآن الكريم ومطالبتهم بنص بديل عنه! يقول تعالى: { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}يونس: 15، وبدأ هؤلاء في حياكة أحاجي وطلاسم يحاكون بها “الحديث” القرآني! يقول تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}لقمان: 6. وقد نجح هؤلاء للأسف الشديد في صرف الناس عن القرآن الكريم، يقول تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}الفرقان: 30.
القرآن الكريم هو “الحديث” الإلهي الذي قال فيه الله تعالى {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}الزمر: 23، ومن لا تنفعه هداية “الحديث” القرآني فأي حديث بعده يمكن أن يهديه؟ يقول تعالى { أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}الأعراف: 185. ويقول عز وجل: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}الجاثية: 6.
وقد كانت هذه الرؤية القرآنية التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم ماثلة في أذهان فقهاء الصحابة الذين استمر عندهم ذلك الموقف المعارض من تدوين الروايات والأخبار، فقد رُويَ عن أبي بكر الصديق أنه جمع الناس فقال: (إنكم تحدثون عن رسول الله r أحاديث تختلفون فيها، والناس من بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه) 5].
أما عمر بن الخطاب فقد جاء أنه طفق يستخير الله شهراً، ثم قال: (إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً) [6] ، ثم كتب في الأمصار (من كان عنده شيء من الروايات فليمحه) [7] ، وروى عنه أنه أحرق مجموعة من الروايات وقال: (مثناة كمثناة أهل الكتاب) [8]. وكان من شدة احتياطه في منع كتابة الروايات أنه يخرج مع رسله إلى الآفاق ويسير معهم في الطريق ليقول لهم: (إنكم تاتون بلدة لأهلها دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله r وأنا شريككم) [9]. بل قد وصل به الاحتياط في منع الحديث إلى درجة حبس مجموعة من كبار الصحابة لإكثارهم من التحديث فقد روي أنه بعث إلى عبدالله بن مسعود وإبي الدرداء وأبي مسعود الأنصاري، فقال لهم: (ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله r؟ فحبسهم! بالمدينة حتى استشهد) [10].
وروي عن عبدالله بن مسعود أنه أحرق صحيفة بها بعض الأحاديث ثم قال: (اذكر الله رجلاً يعلمها عند أحد إلا أعلمني به، والله لو أعلم أنها بدير هند لبلغتها، بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) [11] ، وأراد معاوية أن يكتب حديثاً فنهاه زيد بن ثابت قائلاً: (إن رسول الله r أمرنا ألا نكتب شيئاً من حديثه) [12].


1) الخطيب البغدادي “تقييد العلم” ص33 من طريق أبي سعيد الخدري ورواه مسلم7510) 72-(3004)، وأحمد 1/171.
2) الخطيب البغدادي نفس المصدر ص21-33. وقد نقل شعيب الأرنؤوط في تعليقه على “سير أعلام النبلاء” للذهبي ج3ص81 قول ابن القيم في “تهذيب السنن” 5/245 ما نصه: (قد صح عن النبي rالنهي عن الكتابة)اهـ
3) أبو داود 3648، وابن أبي شيبة في “المصنف” برقم 2991
4) الخطيب البغدادي “تقييد العلم” ص34
5) الذهبي “تذكرة الحفاظ” ج1ص3
6) الخطيب البغدادي “تقييد العلم” ص49
7) ابن سعد “الطبقات الكبرى“ج1ص206
8) ابن سعد “الطبقات الكبرى” ج5ص140
9) الخطيب البغداي “شرف أصحاب الحديث” ص87.
10) الخطيب البغدادي “شرف أصحاب الحديث” ص87
11) ابن عبد البر “جامع بيان العلم وفضله” ص92
12) الخطيب البغدادي “تقييد العلم” ص35، أبو داود3647

أزمة الأمة (2) هنا:

أزمة الأمة الحقيقية 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *