كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

و الأذن تعلم قبل العين أحيانا

طلب مني بعض الإخوة الحديث عن ما يتضمنه قوله تعالى {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}الإسراء: 36 من إعجاز علمي! ومع أني أتحفظ كثيراً على ما يشاع ويذاع حول الكثير من مزاعم الإعجاز العلمي في آيات القرآن الكريم لإنها تعتمد في جلها على التباس مفهوم “القانون الكوني” الذي عبر عنه القرآن الكريم بقوله {سنة الله} وبين “النظرية” التي هي محاولة لتفسير بعض الظواهر من خلال منظومة علمية منطقية دون القطع يقينا بصحة هذا التفسير.

 وظاهرة الحديث عن الإعجاز العلمي في القرآن التي وصلت إلى حد الهوس والفصام النفسي عند بعض الوعاظ الذين يقدَّمون على أنهم علماء في كل شيء ابتداء من الفقه ومروراً باللغة وانتهاء بالطب والفلك والفيزياء النووية! إنما تعبر في جوهرها عن مركب النقص أمام الآخر المتقدم علمياً وتقنياً ومدنياً أي الغربي ومن سار في ركاب التقدم الحضاري والبحث العلمي، وليت ضجيج هؤلاء على الفضائيات الهزيلة يخفت فاسحاً المجال لأصحاب العقول والفكر الرزين أن يتبوأوا مكانتهم كي يوجهوا الأمة نحو سبيل الحق وهو عبادة الله وعمارة الدنيا التي لا يمكن أن تكون إلا من خلال دخول الأمة في المختبر الكوني كي تمارس بنفسها الفرائض الربانية المتمثلة في البحث العلمي والتفكر الكوني والتدبر الحضاري. 

وعوداً على بدء في موضوع الآية موضع البحث وهي الآية 36 من سورة الإسراء فقد استوقفتني ملاحظة مهمة معبرة في كثير من جوانبها عن حالة التشظي الفكري الذي تعاني منه أمتنا الإسلامية! فما استوقف المهتمين بما يسمى الإعجاز العلمي هو شطر الآية الثاني وهو قوله تعالى {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} ولم يلتفت هؤلاء إلى الشطر الأول وهو قوله تعالى {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} وفي تصوري أن فهم الشطر الثاني في معزل عن الشطر الأول لا يؤدي إلا إلى فهم مبتسر، فالشطر الأول من الآية يحمل دلالات علمية وحضارية تؤسس لمنهج علمي رفيع كفيل بتقدم الأمة ورفعتها وسبقها على غيرها في مجال البحث العلمي والبناء الحضاري، لإن هذا يشطر يحمل توجيها إلهياً بعدم اقتفاء واتباع الظنون وامراً باتباع اليقين المعرفي الذي لا يتأتى إلا من خلال الوحي المتمثل في القرآن الكريم وفي القوانين الإلهية الكونية التي تحتاج من البشرية إلى بحث وتنقيب واكتشاف، بيد أن حالة التشظي الفكري والمعرفي الذي رسخته فينا ثقافة الرواية والأخبار الظنية الثبوت المحملة بالكثير من الخرافات والأساطير الإسرائيلية (نسبة إلى بني اسرائيل) والسموم النفاقية (نسبة إلى المنافقين في كل عصر) أعمت أعيننا وأصمت أذاننا وأغلقت قلوبنا عن تدبر هذه المعاني الربانية العظيمة. 

وكما قدمت سابقاً فإن قراءتنا للشطر الثاني من الآية يجب أن يكون وفق هدي الشطر الأول، حتى لا نقع في مهاوي الظنون والشكوك والأوهام ونبني من الملح مدناً لا تلبث أن تذوب أمام عذوبة ماء الحقيقة الناصعة. 


يقول تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}الإسراء: 36، يتساءل البعض عن دلالة تقديم السمع على البصر في الآية الكريمة؟ وهل أن ذلك بسبب تطور السمع جنينياً قبل تطور البصر. 
وفي حقيقة الأمر لا تخلو هذه الإجابة من بعض جوانب الصحة ذلك أن حاسة الإبصار تسمتر في التطور بعد الولادة إلى سن الثالثة، وبعض المراجع العلمية تشير إلى أن 75% من عملية الإبصار تتطور بعد الولادة، بينما تكون حاسة السمع متطورة جداً عند الولادة، ومع ذلك فإن عملية التطور الجنيني ليست وحدها هي كل ما تحمله الآية من معاني حضارية فهناك الكثير من المعاني المحتاجة إلى التأمل والتدبر ومنها أن السمع مرتبط باللغة واللغة هي وسيلة التواصل بين البشر وهي المخزن لكل المعاني الحضارية والعلمية وهي الأداة التي يتم بها توصيل الأفكار وتناقلها، واللغة مركبة من كلمات والكلمات مكونة من حروف والحروف تتمايز بمخارجها وإيقاعها الذي ساهمت في صياغته حاسة السمع، أما حاسة الإبصار فإنها غير قادرة على صياغة لغة لها ذات القدرة التعبيرية المتوفرة للغة المعتمدة على حاسة السمع، ذلك أن حاسة البصر إنما تعتمد على الصور والأشكال والألوان فقط وهي لا تستطيع منفردة صياغة لغة معقدة لها ذات القدة التعبيرية كاللغة القائمة على الحروف والكلمات. 

ولا يعني ذلك أن حاسة البصر لم تكن ذات أهمية في تطور اللغة بل العكس تماماً فإن أشكال الحروف ورسمها إنما يعتمد بالأساس على حاسة الإبصار، كما أن الكتابة والقراءة تعتمد على حاسة البصر بصورة مطلقة إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة أسبقية حاسة السمع على صياغة الحروف والكلمات وبالتالي التكريب اللغوي، ونحن نلاحظ أن الأطفال الفاقدين لحاسة السمع منذ الولادة يعانون من صعوبة بالغة في التلقي المعرفي، بينما الأمر مختلف عند الأطفال الفاقدين لحاسة الإبصار والذين نبغ منهم الكثير من العلماء والمفكرين. 


ومن الأمور اللطيفة التي ينبغي عدم إغفالها أن تقديم السمع على البصر في الآية الكريمة يحوي أيضاً معنى حضارياً آخر وهو أن الوحي إنما يتلقى بالسماع حيث جاء في نصوص لغوية، واللغة كما قدمنا هي إفراز سماعي، وحاسة الإبصار كما كان له دور في صياغة أشكال الحروف ورسمها فإنها مطالبة بممارسة مهمة النظر في الكون وقوانينه ليستطيع الفؤاد (العقل) أن يكتشف التكامل بين الوحي المسطور في القرآن الكريم وبين الوحي المنظور في قوانين الإلهية الكونية. وهنا نستحضر الشطر الأول من الآية وهو قوله تعالى {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} الذي يؤكد وجوب اتباع اليقين المعرفي المتمثل في الوحي “السمع” الذي يتلقاه الإنسان عن طريق اللغة، واليقين المعرفي الذي يحدث نيجة إعمال النظر “البصر” في الكون وممارسة العقل “الفؤاد” لفريضة التدبر.  

زكريا المحرمي 
29/11/2006
  

 

One Response

  1. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    أخي الكريم يونس أشكرك على مشاعرك الطيبة النبيلة واسأل الله تعالى أن يعننا جميعا على رفعة أمتنا وعزتها.

    لقد اخترنا بملئ إرادتنا طريق الإصلاح والتنوير تقربا إلى الله تعالى ورغبة في إصلاح حال البشرية التي تعيش عصر التيه والتخبط ولن تنثني عزائمنا عن تحقيق هذا الهدف.

    زكريا بن خليفة المحرمي.

Comments are closed.