كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

صراع الصراع

   بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.    أما بعد..  ليس كتاب “الصراع الأبدي” سوى حلقة في سلسلة مشروع الإصلاح الفكري والثقافي والحضاري الذي افترضته علينا النصوص المقدسة في الكتاب الخالد، وسنة الأولين من المصلحين أنبياء ومفكرين. كان من السهل علينا التواري في ظلام التعامي والتسطيح لأزمتنا الحضارية، ولكن الهاجس الذي أيقظ فينا الشعور بخطورة الأزمة هو الذي وجه طاقتنا نحو مواجتها وعدم دس رؤوسنا في تراب الهروب والتبرير للفشل. 

والتاريخ الإسلامي –للأسف الشديد- لم يكن بمعزل عن تيارات الإخفاق والفشل، بل ربما يكون التاريخ العامل الأكثر تأثيرا في صياغة وضعنا الثقافي والفكري على ما هو عليه، وفي إطار مسيرة الإصلاح الحقيقية فإننا ملزمون أخلاقيا وأكاديميا أن نتعرض لجميع نقاط الالتهاب ومحطات عدم الاستقرار في سيرورة ثقافتنا وحضارة أمتنا، ومن بين تلك المحطات الحالكة السواد والمظلمة في سماء التاريخ، مرحلة احتراب الصحابة وتمزق الأمة إلى شيع وطوائف يكفر بعضها بعضا.

لقد اقتضت سنة الله تعالى في خلقه تزاحم الأشياء وتدافعها، وكان من الطبيعي –نظرياً- أن تخمد نار الصراع وتبرد حرارته وفق عوامل الزمان وحركة التاريخ، إلا أن هذا الصراع أبى إلا أن يكسر القوانين ويخط لنفسه منحناً هندسيا مطرداً مع الزمان، لقد تداخلت محفزات كثيرة لصب وقود الديمومة في مركبات الصراع الحربية الحاملة لأشد الأسلحة فتكاً وتدميراً، ليس أقلها مدافع التبديع البيولوجية ولا صواريخ التفسيق الكيماوية وليس أكثرها قنابل التكفير النووية التي نسمع دويها بين الحينة والأخرى ونكتوي بنارها وتشوهنا إشعاعتها الذرية الضارة، بل هناك أسلحة دمار شامل تبيد الخضراء وتسمم الصحراء وتسفك الدماء، واسألوا أهل العراق عنها فلا ينبأك مثل خبير.

بالطبع هناك عوامل داخلية كثيرة تدفع على الدوام إلى إنعاش القلب المريض للصراع بإعطائه صدمات الاستنهاض والحركية، بيد أنا يجب أن لا نغفل العوامل الخارجية التي كانت وما زالت فاعلة في الساحة الإسلامية وبل في التاريخ الإسلامي طولاً وعرضاً، ومدخل كتاب “قراءة في جدلة الرواية والدراية” كان مخصصا لدراسة ظاهرة العوامل الخارجية التي أثرت على البنية الفكرية والثقافية الإسلامية، والتي تمثلت في الاختراقات الاسرائيلية-النصرانية-الشعوبية لحصون الفكر الإسلامي الناصع، فليرجع إليه من أراد الاستزادة.

وما يهمنا هنا هو التركيز على العوامل الداخلية التي كرست الصراع وأعطته قبلات الحياة الأبدية ليستمر مفشلا جميع محاولات النهوض الحضاري للأمة ومفرخا حالة من الاحتراق الداخلي لطاقاتها. وأهم هذه العوامل في تصوري عاملان رئيسيان:

الأول: ربط العقيدة الإسلامية والانتماء إلى الجماعة (المذهب) بشخصيات الصراع الأبدي. فيتم تقسيم الناس إلى (نواصب وروافض وخوارج) وتقام محاكم تفتيش طائفية تحاكم الناس على مواقفهم من شخصيات الصراع الأبدي، وإن كانوا لا يعرفون من تلك الشخصيات حتى اسماءها!، وتراثنا الإسلامي العماني تجاوز هذه الإشكالية ساعة حدوثها، وقرر المحققون من علمائنا جواز موالاة أي شخصية تاريخية لم يثبت لدينا –بالعلم اليقيني الذي لا يثبت إلا بالتواتر- أنها أحدثت في الدين أمراً مشينا يستحق البراءة، وإذا بنا نفاجيء بتيارات إسلامية كبيرة متناحرة تحاول شق صدورنا لتعلم أين نقف هل مع هذا الطرف أو ذاك! في موقف لا يقل سذاجة عن موقف جورج دبليو بوش في موقفه من الحرب على ما يسيمه بالإرهاب الإسلامي ومقولته الشهيرة (من ليس معنا فهو ضدنا).

الثاني: هو الذي أشار إليه محمد عابد الجابري بالقول “وواضح أن جميع هذه المواقف التي كان لها طابع سياسي في الماضي والتي استعيدت ليتم التعامل معها كجزء من حاضر كل تيار سلفي، قد اعتبرت –وما زالت تعتبر- عند السلفية/ التيمية الوهابية على أنها تدخل في مفهوم “سيرة السلف”، أي فيما عبّر عنه الإمام مالك بـ “ما صلح أول” الأمة. وهذا موقف غير مبرر لا على مستوى المنقول ولا على مستوى المعقول، فضلاً عن أنه ينزع من فكرة الإصلاح جوهرها الثابت، وهو تجاوز صراعات الماضي والاتجاه إلى المستقبل مع الاحتفاظ بأصول العقيدة، كأصل التوحيد. إن هذا المسلك في التفكير والعمل يجعل الإصلاح يتحدد دوماً بـ “الآخر”! فالموقف السلفي الذي من هذا النوع يتحدد ليس فقط بالدعوة إلى سيرة الخلفاء الراشدين، بل أيضاً بمعاداة جميع الخصوم السياسيين والمذهبيين الذين عاداهم دعاة السلفية منذ الفتنة الكبرى إلى اليوم، وهكذا يمتص الصراع مع خصوم الماضي قدراً كبيراً من الجانب الإصلاحي في الحركة السلفية، وذلك على حساب الجوانب التي تهتم بمشاكل الحاضر والمستقبل”.

وعودا على بدء في موضوع العوامل الخارجية فإن هكذا منهجية قائمة على اجترار الصراع الأبدي واستحضار شخوصه ومعاركه الطاحنة قد مهدت الطريق أمام أعداء الأمة لإلهاب نار الفتنة بين مدارسها المختلفة ومذاهبها المتعددة، وهو ما نراه ماثلاً اليوم في المجازر التي تسفك فيها الدماء المسلمة بأيد مسلمة موجهة من الخارج، وفيما يحدث في باكستان والعراق عبرة لأولي الألباب.

التاريخ والرواية:

ليست مصادفة أن تكون محطة “التاريخ” هي التالية لمحطة “الرواية” في مسيرة الإصلاح من خلال إعادة القراءة والتفكيك والبناء وفق رؤى أكثر أصالة وقرآنية مما هو مطروح من مناهج لم تكرس سوى القطيعة والصدام وبالتالي اجترار الصراع الأبدي.

لقد ساهم التاريخ في صياغة الرواية، وساهمت الرواية في تشكيل التاريخ، ومعرفة من ابتدأ عملية صياغة وتشكيل الآخر التاريخ أم الرواية ربما يدخلنا في حيرة أسبقية البيضة أم الدجاجة. فالرواية كما هو واضح في “قراءة في جدلية الرواية والدراية” هي نتاج تاريخي بامتياز،  فقد ظل التاريخ ضاغطاً على الأحزاب المتناحرة مما دفعها إلى اللجوء إلى المقدس للاستقاء من بقاءه وديمومته ارواء لحاجاتها الملحة ضد الخصوم، ولإن النص القرآني كان قد أقفل جمعاً وترتيباً في زمان النبي صلى الله عليه وسلم -كما بيناه في مقال لنا موسوم بـ “وإذا الصحف أحرقت”، وأكدنا عليه في كتابنا “الصراع الأبدي” في خضم مناقشة الطعون على الخليفة عثمان بن عفان- اتجهت الأنظار تلقائيا إلى دائرة مفتوحة لم يحسم أمر تدوينها أضروري أم لا حاجة إليه، إنها دائرة السنة النبوية في تطبيق التشريعات القرآنية، فبعد انقضاء عهد عمر بن الخطاب الذي كان سدا في وجه كل محاولات التدوين الروائي خوفاً من مزاحمة تلك المدونات الروائية لمكانة القرآن الكريم، وقولته المشهورة بعد أن أحرق مجموعة من المدونات الروائية “مثناة كمثناة أهل الكتاب”، بعد انقضاء عهد عمر وبداية الفتنة في النصف الثاني من عهد عثمان انساح طوفان الرواية الجارف وركبت الأحزاب المتصارعة الموجة، وبدأت عمليات سك وتعليب الرواية لمواجهة الخصوم، واستمرت عمليات التنصيص الروائي خدمة للمذاهب والسلطات السياسية المتعددة، وأعيد رسم ملامح التاريخ الإسلامي –روائيا على الأقل- بما يتناسب ورغبات الأطراف المتنازعة، وضاعت الحقيقة، وظل الصراع الأبدي مأكداً على جدارته وجبروته وسيطرته التامة على التاريخ والرواية معاً.

 فلهذا كان لازماً علينا العروج على “الصراع الأبدي” لنعريه ونفضحه أمام التاريخ والرواية، ونبين الحاجة إلى إنقاذ التاريخ الإسلامي من محنة “الصراع الأبدي” وإنقاذ السنة النبوية والقرآن الكريم من المخلفات الروائية للصراع الأبدي.

لماذا الصراع “الأبدي”؟

كثيراً ما يواجهني هذا السؤال! من أبسط الناس إلى أكثرهم قراءة واطلاعاً، لماذا الصراع “الأبدي” وليس “نهاية الصراع”؟ ومع أن الإجابة على هذا السؤال موجودة في الأسطر الأولى من مقدمة الكتاب، إلا أني أضيف إليها شيء آخر لم أذكره في تلك المقدمة، ألا وهو اقراري بضعفي عن مواجهة “الصراع الأبدي” منفرداً، وأن كتابي هذا مهما قدر له أن يزيح من ضبابية حول الشخصيات والمواقف التاريخية إلا أنه لن يكبح –منفرداً- عجلة القطار الزمني الذي يسير بها “الصراع الأبدي”. إن الرغبة في إلقاء القبض على الصراع الأبدي الهارب من زنزانة التاريخ لهو هدف عظيم، إلا أنه يحتاج إلى مجهود أعظم، وحتى لا يكون الصراع أبدياً إذا ما واجه زكريا المحرمي وغيره أفراداً متباعدين، علينا أن نتحد ونضع جميعاً “نهاية الصراع”.