كتب و مقالات و خواطر و أخبار زكريا المحرمي

مستقبل أزمة الرسوم الآثار والنتائج المتوقعة

  

إن الحديث عن المستقبل إنما ينم عن فهم وإحاطة بالواقع، وواقعنا اليوم يتجلى فيه الصراع المعلن والخفي بين الثقافة الليبرالية وبين الثقافات المتدينة عامة والثقافة الإسلامية خاصة، ولأن الليبرالية قائمة على تحطيم جميع القيود الاقتصادية التي يمكن أن تحجر حركة رؤوس الأموال وتحدّد انسيابية أطنان العائدات المالية إلى جيوب المؤسسات المالية العملاقة الجشعة للمال والسلطة تعتبر الليبراليةُ القوالبَ الاجتماعية والثقافية المنضبطة وفق قواعد وأعراف معينة عقبة يجب تحطيمها لضمان أسواق مستباحة ومستهلكين منقادين وراء الدعايات التسويقية التي تتحكم في العقول فتوجهها نحو مزيد من الاستهلاك وضخ الأموال في جيوب المؤسسات المالية تلك.

 

بالنسبة لليبرالية لم تشكل أية ثقافة دينية عائقاً أمام تمددها سوى الإسلام، فالإسلام بخلاف جميع الثقافات الدينية الموجودة يتميز بسمات عدة جعلت منه العدو اللدود للانتشار السرطاني للثقافة الليبرالية، وأهم هذه السمات تتلخص في التشريعات الإلهية المنظمة لعمليات التبادل التجاري بين الأفراد والمجتمعات وفق قانوني “التراضي” و”رفع الضرر”. 

وقاعدة “رفع الضرر” عن طرفي العملية التجارية تشكل حائلاً بين المستهلك وبين جشع المؤسسات الليبرالية التسلطية التي تريد أن تنفض جيوب الأفراد والمجتمعات المستهلكة. وإذا استصحبنا حقيقة “مليارية” أمة الإسلام التي تشكل ما يقارب ملياراً ومئتي مليون نسمة أدركنا الدوافع وراء حنق المتطرفين الليبراليين المتأجج ضد الإسلام وثقافة المسلمين. 

في الفترة القريبة الماضية بدأت كثير من المجتمعات الأوربية تشعر بالانهيار الاجتماعي والخواء النفسي الذي فرخته لهم الليرالية، وبدأت هذه المجتمعات في البحث عن مسكّنات روحية تملأ الفراغ النفسي الليبرالي، وبدأت في الغرب موجة تدين عجيبة، وركبت المؤسسات الليبرالية الجشعة موجة التدين تلك، وظهر في الغرب ما يسمى بـ “اليمين المحافظ”، و”الإنجيليين الجدد”، وقد تقلد هؤلاء “اليمينيون” سدة قيادة الكثير من المؤسسات الليبرالية الشرهة والراغبة في قضم وهضم كل ما في أيدي وجيوب وعقول المسلمين وغيرهم. 

وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م كشر هؤلاء المتطرفون عن أنيابهم ومخالبهم، وأعلنوا في أكثر من مناسبة أنهم يخوضون “حرباً صليبية” ضد المسلمين، والجميع يعرف ما حدث بعد ذلك من احتلال عسكري لأفغانستان والعراق، وإطلاق يد الحكومة الصهيونية للتنكيل بكل ما هو إسلامي عربي فلسيطيني، ومن إهانة للقرآن الكريم في جوانتانامو والعراق وغيرها.
ومن رحم هذه الهجمة اليمينية المتطرفة خرجت شرارة الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم على أيدي بعض سفهاء الدول الاسكندنافية القابعة في الأصقاع المتجمدة من الشمال الغربي للعالم، فهوان الأمة الإسلامية وضعفها قد جرأ عليها صعاليك اليمين المتطرف في تلك الدول التي تتميز بالبرود المميت في تفاعلها مع المتغيرات العالمية. 

إذاً فواقعنا اليوم يتلخص في حقيقة وجود حرب ثقافية بين اليمين المحافظ المتطرف وليبراليته الجشعة وبين الإسلام وأمة المسلمين، وليست الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا حلقة في سلسة هذا الصراع الذي يسخن فيغلي يوماً فيوماً. 

يجب علينا كي نتنبأ بمستقبل الصراع القائم أن ندرس الأوضاع السياسية والإجتماعية والإقتصادية لطرفي النزاع، (هم) المحافظون الجدد من جهة، و(نحن) المسلمون من جهة أخرى. 

فواقعهم السياسي الديموقراطي قائم على فلسفة الاستناد إلى الشعب، والتعددية الحزبية، وتأسيس الأجهزة الإدارية المدنية، بينما تقوم فلسفة معظم حكوماتنا على مبدأ الزعامة الواحدة، والحزب الواحد، وحجر المؤسسات المدنية وإخضاعها للمؤسسة الحكومية الواحدة.
واقعهم الاقتصادي يقوم على الصناعة والزراعة وتصدير المنتجات، بل وتعدى ذلك إلى تصدير المصانع والخبراء، أما نحن فواقعنا هو واقع استهلاكي قائم على مبدأ “تداعي الاستهلاك” حيث تدفعنا كل مادة نستهلكها إلى استهلاك مادة أخرى، فحين تشتري نساءنا قميصاً أحمراً، فذلك يعني أنها ستشتري معه حذاء أحمرا، وحقيبة يد حمراء، وربما سيارة حمراء وبيت أحمر!، وهكذا دواليك حتى تصاب بطون المؤسسات الصناعية الغربية المنتجة بالتخمة من فرط ممارستنا لفريضة الاستهلاك التي أوجبها علينا واقع التخلف والتمزق. 

واقعهم الثقافي قائم على القراءة ثم القراءة ثم القراءة، فهم يقرأون كل ما يصل إلى أيديهم، فهم يقرأون كل شيء عن كل شيء، عن الأديان، والثقافات، والسياسية، والاقتصاد، والرياضة، والفن، حتى الجنس وفن القبلات يقرأون عنها، فهم لا يحبون الإخفاق حتى في العربدة والفساد!.  

أما واقعنا الثقافي فيتمثل في انتشار الأمية، والجهل، والبراءة من القراءة!، ومما يزيد طين واقعنا الثقافي بلة هو الهزيمة الثقافية التي مني بها الكثير من مثقفي الأمة بحيث صاروا أبواقاً للآخر وإيديولوجياته الوسطية منها والمتطرفة، وصار هؤلاء كما يصفهم علي شريعتي “سائسي الحمير” التي يركبها المستعمر فيدورون بها إلى حيث يريد، فينقلون ويروجون بضاعة الاستعمار والاستحمار. وللأسف الشديد فواقعنا السياسي المهتريء قد ساهم في تدعيم أبواق الاستحمار السياسي فأقام لها المنابر الإعلامية والثقافية لتبث سمومها التغريبية المؤيدة للاستبداد السياسي المذل للأمة. 

ومن خلال هذه المقارنة المبدأية لواقع طرفي الصراع (المسلمون والمحافظون الجدد) يتضح لنا جلياً رجحان كفة المحافظين الجدد وقدرتهم على اكتساح المسلمين بين عشية وضحاها. 

بيد أن هذا الاكتساح المزعوم لم يحصل، ولن يحصل. والعامل الأساس في امتناع هذا الاكتساح يتمثل في السبب الذي من أجله قامت هذه الحرب الثقافية والعسكرية، إنه “الإسلام”، فالإسلام ييتميز بقدرته على البقاء والاستمرارية والعطاء حتى في الظروف التي تتعذر فيها الحياة، فالإسلام هو أكسير الحياة والوقود الأبدي المفجر لطاقات الأمة، وليست كتائب الاستشهاديين في فلسطين وفلول المجاهدين في العراق والمرابطين على صهوات الأقلام الحرة في زمن الاستبداد وتكميم الأفواه إلا مشهداً بسيطاً من مشاهد تجليات تأثير الإسلام في أتباعه، فالإسلام يمثل مركزاً لتصدير الأفكار الجديدة والمشاعر الملتهبة القادرة على كسر أغلال المستحيل.
لقد قلب الإسلام الطاولة على اعداءه، وجعل من اكتساح العالم الإسلامي سهلاً ممتنعاً، فالظروف الموضوعية تنبيء ببساطة العملية، والإسلام هو العامل الذي يجعلها ممتنعة. 

والتنبؤ بمستقبل الصدام بين العالم الإسلامي وبينهم يتوقف على تحديد مفهوم المستقبل في الوعي الإسلامي، فالنظرة إلى المستقبل نوعان: 

الأولى: نظرة سلبية قائمة على اعتبار المستقبل قدر مكتوب لا حول للأمة فيه ولا طول، فإن خيراً فخير، وإن شر كان فلا ضير، وهذه النظرة دائماً ما ترتبط بالجهل والأمية والانحطاط الثقافي والفكري، وهي للأسف الشديد النظرة السائدة عند السواد الأعظم من عامة الأمة وخاصتها، ومثل هذه النظرة لا تفرز إلا مزيداً من الشعور بالهزيمة، وعدم القدرة على الصمود والمواجهة، وبالتالي نستطيع أن نقول أن مستقبل أزمة “الرسوم المسيئة إلى النبي صلى الله عليه وسلم” هو في هزيمة الهبة الشعبية الإسلامية، وتبخر سحب عواطفها المرعدة بالخطب الرنانة والمبرقة بالمسيرات الصاخبة الطنانة وغير الممطرة لأية قطرة مثمرة. 

الثانية: النظرة الإيجابية الفاعلة التي تعتبر نفسها صانعة للمستقبل، كاتبه لأصوله، ومخرجة لفصوله، وهذه النظرة تقوم على الحسابات الدقيقة والدراسات المطولة، والخطط المتعددة والاستراتيجيات الكلّية المتكاملة، وللأسف الشديد فإن أصحاب هذه النظرة نادرون بيننا ندرة الماء في الصحراء القاحلة الجرداء، ذلك أن امتلاك هذه النظرة يحتاج إلى تأهيل معنوي وثقافي وفكري لا يمكن أن نمتلكه إلا من خلال سبيل واحدة، هذه السبيل هي التي جعلت ميزان النجاح الحضاري والثقافي يميل إلى الآخر ويولي عنا هارباً كما ولينا هاربين عن هذه السبيل التي سلكها أعداءنا، إنها فريضة “القراءة”، التي أحياها غيرنا وأضعناها حين أضعنا بقية فرائض الإسلام وتشبثنا بنوافله.
فالقراءة -وهي الفريضة الإلهية الأولى- هي السبيل الوحيد لتحقيق الوعي والارتقاء الفكري والثقافي، وفي ظني المتواضع أن تضييع هذه الفريضة تم في وقت مبكر من تاريخ الإسلام، أيام الفتنة الإسلامية الكبرى، أيام “الصراع الأبدي” الذي تمخض عن مذبحة لقراء الأمة، فلم تكن عملية تصفية “القراء” خالية من العواقب الفكرية على الأمة، فحين خلت ساحة الوعي العربي من “القراء” ظهر “الحفاظ” الذين دعمتهم السلطة، يقول جورج طرابيشي في (اشكاليات العقل العربي) ص65: “فلقب الحفاظ بات يطلق حصراً على حفاظ الحديث الذين تبوأوا على هذا النحو المكانة التي كانت للقراء القرآنيين في الصدر الأول”اهـ. 

وسلعة الحفاظ تعتمد على الحفظ، والحفظ يؤدي إلى التيبس والجمود، أما سلعة “القراء” فهي القراءة، والقراءة تؤدي إلى التمدد والتغير والتجدد، وهذا الأثر السيء لسيادة ثقافة “الحفاظ” على ثقافة “القراء”، هو السبب المباشر في حالة الإخفاق الفكري والسياسي والاجتماعي الذي مرت وما تزال تمر به أمة الإسلام، الأمر الذي دفع بالجميع عن وعي أو غير وعي إلى البكاء على التجربة الإسلامية الأولى، تجربة ما قبل الفتنة الكبرى، إنها تجربة “القراء”. 

نحن بحاجة ماسة اليوم إلى القراءة، إلى قراءة الإسلام أولاً، وقراءة ما عند الآخرين ثانياً، هذه القراءة يجب أن لا تكون قراءة “حفاظ” بل يجب عليها أن تكون قراءة “قراء القرآن”، نحن نريد قراءة قرآنية، والقراءة القرآنية التي جعل الله تعالى فيها أسباب العزة والنجاح تقوم على التدبر والتأمل والنظر والنقاش والحوار، إنها سبيل الحكمة والعزة والرفعة والرقي، يقول تعالى {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}ص: 29. 

والقراءة الواعية للأحداث من خلال الثوابت الإسلامية والمتغيرات التاريخية كفيل بتحقيق التوازن مع الآخر ومن ثم التفوق عليه فكرياً وثقافياً ومادياً. 

لقد حقق غيرنا النجاح والتفوق والتقدم الفكري والحضاري حين اكتشف المنهج السليم للتعاطي مع المعارف والمقدمات للوصول إلى النتائج، إن ما نحتاجه اليوم للنهوض من كبوة الهزيمة التاريخية هو إعادة اكتشاف المنهج الذي حقق للرعيل الأول ذلك الانتصار المبهر بكل المقاييس. 

إننا بحاجة إلى إعادة اكتشاف منهج “القراء” الذي سارت عليه ركاب المدرسة الجابرية الأولى أيام جابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع ووائل وعبدالله بن عبدالعزيز وأبي المؤرّج. إن اكتشاف المنهج الجابري “القرائي” القرآني هو السبيل الوحيد لوحدة الأمة وقوتها وعزتها، ذلك أن أهم عامل ممزق للأمة هو تعدد مناهجها التي تعطي نتائج مختلفة أثناء دراسة القضية ذاتها، ولو وحدنا المنهج، وعدنا إلى منهج متفق عليه، أي منهج الرعيل الأول، منهج “القراء”، فإننا بلا شك سنصل جميعاً إلى نتيجة واحدة أثناء دراستنا لنفس القضية. 

وفي سياق أزمة الرسوم المسيئة لمقام النبي صلى الله عليه وسلم والهبة الشعبية الملتهبة، والإصرار على مقاطعة منتجات الدول التي نشرت الرسوم القذرة، وفي إطار تصور مستقبل الأحداث من خلال تفعيل النظرتين السابقتين للمستقبل يمكننا التنبؤ بنوعين من النتائج، نتائج سلبية ونتائج إيجابية. 

النتيجة السلبية: وهي الأقرب للواقع بسبب انتشار ثقافة اللاثقافة ووعي اللاوعي بين معظم أفراد الأمة، فمعظم الجماهير الإسلامية تتعامل مع القضية وفق مطامح آنيّة بحتة، فهم يطمحون للحصول على اعتذار رسمي من قادة الدول التي أساءت صحافتها للنبي صلى الله عليه وسلم، وماذا بعد؟ 

لا يوجد بعد استراتيجي لدى أصحاب هذه النظرة، فهم لا يبادرون بالفعل، وإنما ينتظرون ليؤدوا واجبهم المعتاد “ردة الفعل”، وردات الفعل تتميز بالتناقص والضعف إلى أن تتلاشى فتغيب عن الوعي الإسلامي بحيث تستباح كل ثوابتنا ومقدساتنا دون أن يثير فينا ذلك أية ردة فعل!، وهذا السيناريو حاصل بلا شك إن لم يكن لعقلاء الأمة كلمتهم، وإن لم يمارس العقلاء دورهم التاريخي في تصحيح مسار الأمة السائرة إلى هاوية الهزيمة. 

وكم هي مؤسفة ردات فعل بعض أصحاب هذه النظرة، فمنهم من خرج للتظاهر في مسيرات راقصة!، فهل يتم الدفاع عن عرض النبي صلى الله عليه وسلم بالرقص؟!، وهناك من قام بإحراق السفارات وتهديد الدبلوماسيين!، وقد سقط بعض القتلى في بعض الدول خلال تلك المظاهرات!. 

كل هذه المظاهر لا تعبر عن ثقافة إسلامية صحيحة وإنما تعبر عن جهل أصحابها وعن تشبهنا بالغرب الذي خرج على كنائسه وهجرها إلى الشوارع والميادين ليطلق فيها صيحات الاستهجان ضد الاستبداد الديني الكنسي والسياسي القيصري.
أما نحن المسلمون فقد أمرنا الله تعالى بإعمار المساجد بالمحاضرات والندوات والعبادة والأذكار، ليتنا بدل إقامة المظاهرات في الشوارع، أقمنا المحاضرات في المساجد، ليتنا بدل أن يأتينا الإعلام الغربي خارج المسجد، جررناه إلى داخل المساجد ليرى كيف يُصنع المسلم الحق، وكيف تبنى أمة الإسلام، وما هي الرسالة الحقيقية للمسجد. 

النتيجة الإيجابية: وهي الأبعد بسبب ندرة الوعي بسنن التاريخ وكيفية إدارة الأزمات الحضارية العظمى، إلا أن هذه النتيجة غير مستحيلة، بل هي في يقيني واعتقادي النتيجة التي ستنقلب على واقع الهزيمة والتراجع والسلبية، النتيجة الإيجابية تعتمد على قراءة الواقع قراءة واعية –قرآنية- تدرس المعطيات وتخطط للنتائج، قراءة تضع استراتيجيات النجاح والتفوق والاستمرارية في العطاء والتفوق، قراءة تستخلص عبر الماضي لتستفيد منها في الحاضر لصناعة المستقبل. 

على عقلاء الأمة أن لا يثبطوا من عزائم الجماهير، وأن لا يزيدوا في استفزاز مشاعرها عن طريق تسفيه عواطفهم وانفعالتهم، بل عليهم أن يستفيدوا من تلك العواطف المتدفقة لملأ المخزون الجوفي من الإيمان لدى الأمة، عليهم أن يستفيدوا من حرارة تلك العواطف لكي تكون وقوداً محركاً لعجلة الإصلاح والتجديد ونشر الوعي وإيقاض الشعور بأهمية إقامة فريضة “القراءة” الغائبة.
على عقلاء الأمة أن ينتبهوا إلى حقيقة أن العقل المجرد من الحس الوجداني ليس إلا قائداً للفشل كما هو الحال مع العاطفة المتفلتة من توجيه العقل، فنحن لا نريد عاطفة “أهل الحديث” المتهورة، ولا عقول “الفلاسفة” المجردة عن المشاعر، بل نريد عقل ووجدان “القراء” المتدفق بالإيمان والنابض بالوعي. 

وعلى هؤلاء العقلاء أن ينبهوا الغافلين –وما أكثرهم- من أبناء هذه الأمة إلى حقيقة الصراع الثقافي بيننا وبين الغرب، ويغرسوا في عقولهم وقلوبهم الوعي بالمصير الوبيل للتخاذل والتكاسل وعدم القيام بالمسؤولية التاريخية. 

وعليهم أيضاً أن يمدوا جسور التواصل مع عقلاء الغرب ومستضعفيه الذين زجت بهم الليبرالية واليمين المتطرف إلى أتون حرب ثقافية لم يختاروها ولكن كتبت عليهم في دهاليز المؤسسات المالية والعسكرية الجشعة للمال والمتعطشة للدم.  

على عقلاء الأمة أن يعرّفوا الإنسان الغربي بمحمد الإنسان، ومحمد الرسول للبشرية، على عقلاء الأمة أن يوضحوا الصورة المشرقة للإسلام الذي جاء به نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم، صورة إسلام السلام والمحبة والخير والرحمة. 

على عقلاء الأمة أن يستثمروا عاطفة المقاطعة الاقتصادية وأن يحولوها إلى وعي عام بضرورة دعم المنتج المحلي والإسلامي، فالدول إنما تقوم باقتصادها، وعدم دعمنا لمنتجاتنا الوطنية لن يؤدي إلى مليء جيوب الأعداء بأموال الأمة فحسب بل إلى انهيار اقتصادياتنا الوطنية وازدياد تبعيتنا للآخر سياسيا واقتصاديا وثقافياً. 

على العقلاء أن يستثمروا عاطفة المقاطعة لتأصيل الشعور بالانتماء الوطني والشعور بالحاجة إلى التكافل الاجتماعي بين الدول الإسلامية اقتصادياً، فتضامن مليار ومئتي مليون من البشر على دعم صناعات الدول الإسلامية ومنتاجتها كفيل بتحقيق أسس القوة الاقتصادية لكل الأمة. 

وفي هذا الإطار لا يفوتني أن أعرج على خطابات سلطاننا المعظم حفظه الله ورعاه التي يحث فيه الشعب على ضرورة الوعي بدعم المنتج المحلي وعدم الاعتماد على المنتجات غير الوطنية، وكانت له مواقف مشرفة كثيرة في دعم ومساندة المصانع المحلية لتقوم على أرجلها وتنافس منتجات الآخرين. 

إن ثقافة المقاطعة الاقتصادية ليست بدعاً من الأمر، فالني صلى الله عليه وسلم مارس المقاطعة ضد قريش حين أرسل السرايا لقطع الطرق على قوافل قريش التجارية الأمر الذي قاد إلى معركة بدر الكبرى، وكذلك يتجلى فكر المقاطعة في فقه مدرسة “القراء” الجابرية حين قالوا بعدم جواز نكاح الكتابية الحربية وعدم جواز أكل ذبائح الكتابيين الحربيين. 

ويتجلى كذلك في قول الإمام عبدالملك بن حميد في كتابه إلى زياد بن عمر الشحري: “لا أرى أي يوم كتبت إليك حبس الطعام عن أهل بلاد يسكنها أهل القبلة، وإن كان فيهم شبه من ذكر زياد إلا أن يكونوا كلهم محاربين للإسلام… وإنما أرى حبس الطعام عن المشركين أو بلاد يكون فيها المشركون هم الحاكمون على أهلها أو عن أهل بلاد فيها من أهل القبلة ممن يعمل بسفك دماء المسلمين وسلب الأموال واستباحة الحريم ومحاربة المسلمين ويكونون هم الغالبين على ذلك فأولئك هم حلال حبس المادة عنهم” (بيان الشرع 70/ 311( 

وفي قول أبي الحواري في جواب له إلى أهل الحضرموت: “ويقطع المادة عن أهل الشرك بعد الحجة عليهم وإبلاغ الدعوة لهم وذلك إذا حاربهم المسلمون، وكانوا حرباً لهم، وتقطع المادة عن البغاة من أهل القبلة بعد إقامة الحجة عليهم وإبلاغ الدعوة لهم فيردونها”(بيان الشرع 70/ 311( 

فكل هذه المواقف التاريخية والفقهية تعبر عن مشروع حصار ومقاطعة اقتصادية ضد أعداء الأمة والجماعة المسلمة، وكلٌ مارس فكرة الحصار والمقاطعة حسب ثقافته وعرفه وواقعه الزماني والمكاني، وواقعنا اليوم يتطلب منا ممارسة مثل هذا الفعل عن وعي ودراسة واستراتيجات طويلة المدى تهدف إلى تقوية الاقتصاد الوطني والإسلامي والفكاك من التبعية الاقتصادية للغرب المعادي لإنسانيتنا وثقافتنا وديننا. 

ويتوجب علينا ونحن نمارس “المقاطعة الاقتصادية” أن نتنبه إلى حقيقة أن الأعداء كانوا يتوقعون منا استفاقة وصحوة ومقاطعة اقتصادية لمنتجاتهم الصناعتهم، فوضعوا خططا واستراتجيات للتعامل مع هذه المقاطعة، ومن بين تلك الخطط اتباع سياسية “العصا والجزرة”، فهم يستخدمون سلاح التهديد العسكري والإطاحة بالقيادات والأنظمة السياسية، وسياسية الجزرة بإطلاق الوعود الكاذبة بنشر الديمقراطية والقضاء على الفقر، ودعم المشاريع الإنسانية. 

 

فعلينا جميعاً شعوباً وقيادات، مثقفين وجماهير أن نتنبه إلى استراتيجات الغرب وأن نتعاون على التعامل معها وتجاوزها ونحن نقوم بدورنا التاريخي في إدارة دفة الصراع الثقافي بيننا وبين متطرفوا الليبرالية، وعلينا أن ندرك أهمية نشر ثقافة “الوعي” والقراءة، وإعادة اكتشاف المنهج القرآني، وأن نحاول مد جسور التواصل مع الآخر الغربي غير المعادي لنا، وأن نوظف آلية المقاطعة الاقتصادية لدعم اقتصادياتنا الوطنية. 

وهذا والحمد لله رب العالمين. 

 زكريا بن خليفة المحرمي