مع بدايات القرن العشرين ظهر جلياً أن المنظومة السياسية على مستوى العالم المتقدم باتت منحصرة في نظريتين سياسيتين لا ثالث لهما، وهما الليبرالية والاشتراكية، وتم عولمة هاتين النظريتين إلى باقي دول العالم التي سارت بالتبعية في ركاب فلسفة المحتل ليبراليا كان أم اشتراكيا. مع بروز ظاهرة التدين على مستوى العالم ووصول الكثير من التيارات الدينية إلى ساحة الصراع السياسي وفق ما تم الاصطلاح عليه بـ(لاهوت التحرير) حدثت ثورة تعبوية مضادة لهذا اللاهوت تحاول التصدي لتغوّل وتوّغل ما تم اعتباره إيديولوجيات إقصائية في الحرم السياسي. مع نهاية القرن العشرين استطاعت الليبرالية التي انتحبت الرأسمالية الاقتصادية مزاحمة الاشتراكية الشيوعية بل وإزاحتها وتجسد هذا الحدث في سقوط الاتحاد السوفيتي الذي كان أكبر قلاع الاشتراكية، وتقسيم يوغوسلافيا ورأسمالة الصين.


ظل الدين هو الغائب الحاضر في ميدان الصراع، فمع تغييب القوى السياسية المتنفذة له من ساحة الفعل السياسي كان حاضراً وفاعلاً بقوة في ساحة صناعة الفكر وتشكيل ثقافة المجتمعات، بل وكان عاملاً حاسما في تثوير المجتمعات ضد الانحرافات السلطوية ليبرالية كانت أم اشتراكية. استطاع العامل الديني مع بدايات ثورات التحرر الوطني التي اشتعلت في نهايات الحرب العالمية الثانية أن يدخل ميدان الصراع السياسي، تمثل هذا الدخول بداية من خلال تشكيل الأحزاب السياسية، ومن ثم تم الدخول عن طريق الاختراق الديني للمنظومة الليبرالية نفسها كما حصل في الحزب الجمهوري الأمريكي.

يقف العالم اليوم لا على عتبة تزاحم التيارات السياسية الدينية والليبرالية وحسب وإنما هو بالفعل يكابد ويلات صدام هائل بين القيم الليبرالية والدينية على المستوى الفردي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والفكري.


بعد تراجع اليسار الاشتراكي وانحسار دور الكنيسة وإزاحة كل منهما من دائرة المنافسة الثقافية العالمية لم يبق في ساحة الصراع الفكري العالمي غير الليبرالية والإسلام. هذا الواقع هو ما عبر عنه البعض كبرنارد لويس وصموئيل هنتجتون حين تحدثوا عن صراع الحضارات النهائي بين الإسلام والليبرالية، وإن كان فوكوياما قد حسم نتيجة الصراع بالقول أن الليبرالية الرأسمالية قد أنهت جميع جولات صراعها الفكري بسحق الفلسفات الأخرى، وأن تاريخ الإنسانية انتهى عند فلسفة الليبرالية الرأسمالية!

الصراع بين الليبرالية والإسلام ليس صراعا افتراضيا مفارقا لواقعنا، إن تجليات هذا الصدام في عالمنا العربي غير خافية، فالعلاقات الأسرية التقليدية بدأت في التجدد، والقيم الاجتماعية الكلاسيكية بدأت في التبدد، وبدأ داخل الأسرة والمجتمعات حراك صاخب باتجاه إعادة ترسيم وصياغة حدود تلك العلاقات. أما على مستوى النخب الثقافية فإن الصدام الفكري يتجلى في اللغة الخطابية التي تجاوزت حدود الحوار والجدال بالتي هي أحسن إلى لغة التبخيس والتجريح والسباب والقذف.


إن من بين أهم أسباب الصدام العنيف بين ممثلي الليبرالية والإسلام في عالمنا العربي هي تلك الضبابية التي تلف كلا الفكرين والأطروحتين، فالفكر الإسلامي المطروح ليس سوى لفيف قراءات اجتهادية للنص الإلهي، هذه القراءت المتعددة ليست بالضرورة متجاورة ومتكاملة بل هي في كثير من الأحيان متضادة ومتصادمة، فممثلو كل قراءة يزعمون أنهم حملة قبس النور المقدس وغيرهم قابع في ظلمات الهلاك والضلال. كثيرة هي القراءات الإسلامية للنص الإلهي، فهناك القراءة الصوفية، وهناك القراءة السلفية بتفرعاتها الثلاثة التقليدية والإخوانية والجهادية ، وهناك الطرح الشيعي القائم على ولاية الفقيه والآخر القائم على تكفير أتباعها، وهناك الإباضيون وهناك الزيديون.  وكل فريق من هؤلاء يزعم أنه (الفرقة الناجية) وأن قراءته للنص الديني تمثل القراءة النهائية التي تجبّ ما سواها.

الفكر الليبرالي ليس أقل انشعابا بل ربما يكون أعقد اشتباكاً من سالفه، فهناك الليبرالية العلمانية، وهناك الليبرالية القومية، وهناك الليبرالية الرأسمالية، وهناك الليبرالية الأدبية، وهناك ليبرالية الشارع!


كأي حدث لم يُعدم الصراع بين الليبرالية والإسلام عن الرصد والتحليل ومحاولة المقاربة، وآخر تلك المقاربات أسفرت عن ظهور مصطلح (الإسلام الليبرالي) وتم اعتبار حزب العدالة والتنمية التركي أكبر  ممثليه، وبدراسة هذا المفهوم وقراءة تجربة أصحابه ندرك أنه لا يأسس لنظرية فكرية ناضجة بقدر ما يعبر عن محاولة براجماتية لفك الاشتباك مؤقتا بين الإسلام واللبيرالية على المستوى السياسي فقط.

ما تنشده مجتمعاتنا العربية اليوم ليس مجرد التوفيق التلفيقي الأشبه بدس الرؤوس في التراب، بل نحن بحاجة ماسة إلى تشريح الأطروحات جميعها، ومحاولة فهم الأسس التي تنبني عليها، ومن ثم الحكم والاختيار وانتخاب الأفضل القادر على البقاء والاستمرارية.


توضيح الواضحات
قشع الضباب المخيم على المفاهيم هو السبيل الأقرب إلى كشف الحقائق ورصد المضامين، وكثيراً ما تسبب اختلاف المعاني إلى تباعد الرؤى والأفكار وبالتالي القطيعة والصدام. قد نتوهم في البدء أن  مفهوما الإسلام والليبرالية من الوضوح والانكشاف بحيث لا يستلزمان تحديداً من جديد، وربما يكون هذا الوهم حقيقة أو جزء منها، بيد أن الوقائع تشير إلى التباس بيّن حتى في تحديد مفهوم الإسلام فضلاً عما تحمله دلالة مصطلح الليبرالية من هلامية تم التطرق إليها من قبل باحثين كثر ما بين قادح ومادح. فلذا يلزمنا بداية تحديد مفهوم كلا من الإسلام والليبرالية حتى نستبين سبيل الشقاق بينهما ونستكشف طريق الوفاق إن وجدت.

الإسلام هو منهج حياة إلهي، جاء ليرفع الظلم ويقيم العدل وينشر السعادة والرخاء، دستوره النص الإلهي الخالد المتمثل في القرآن، وشرائعه وأحكامه شرحها النبي الكريم وفق حكمته فتناقلتها الأمة جيلا بعد جيل، وحين الاختلاف في الفهم وثبوت النقل عن النبي يكون النصي الإلهي وحده -لا سواه- هو الحكم والفيصل.


لا قدسية في الإسلام سوى للنص الإلهي، ولا حصانة فيه سوى لشخص النبي وهدي حكمته، أما غيره من البشر فإنه يأخذ من قوله ويرد حسب موافقته ومفارقته للنص الإلهي.

الناس متساوون في الحقوق والواجبات كل حسب كفاءته واستطاعته. أما العلاقات الاجتماعية والاقتصادية فإنها محكومة وفق قواعد حرية الإرادة، والتراضي، والعدالة، ورفع الظلم، ودفع الضرر، والتوثيق، والشفافية، والتعاون على البر والتقوى والتناهي عن الإثم والعدوان.


أما الليبرالية (Liberalism) فتبدأ فصول حلقاتها مع آدم سميث (1723-1790) الذي اعتبر الحرية الفردية والملكية الخاصة حق مطلق ومقدس، وتلاه ديفيد ريكاردو (1772-1823) وجون مينارد كينز (1883-1946) المنافح عما يسميه “دولة الرعاية”، وقد تطورت هذه الدعوة إلى فلسفة سياسية واجتماعية واقتصادية قائمة على استقلال الفرد وحرية اختياره السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومن مبدأ الحرية هذا تنبع بقية الحقوق كحق الاختيار (بمعنى حق الحياة كما يشاء الفرد، لا كما يُشاء له، وحق التعبير عن الذات بمختلف الوسائل، وحق البحث عن معنى الحياة وفق قناعاته لا وفق ما يُملى أو يُفرض عليه) حسبما جاء في موسوعة ويكيبيديا.
أما النظرة الليبرالية للعلاقات الاجتماعية فهي كما يقول برايان باري في كتابه “النظرية الليبرالية للعدالة”: (أن المجتمع يتشكل من وحدات مستقلة “الأفراد” تحكم ذاتها، وتتعاون فقط عندما تعمل شروط التعاون على تحقيق أهداف كل من أطراف العلاقة). أما المؤسسات فإن الليبراليون كما تقول فيرجينيا هيلد في كتابها “أخلاق العناية” (يقترحون أنه علينا أن نختار مبادئ لتصميم مؤسساتنا التي سنقبلها كأشخاص أحرار ومتساوين وعقلانيين ونزيهين كلياً. هذه المبادئ والمؤسسات التي نتفق عليها تعاقديا لتعزيز السعي المعقول إلى تحقيق مصالحنا الفردية. ونستطيع أن نطوّر ضمن قيود القوانين التي توصي بها مبادئنا السياسية والتي تنفذها مؤسساتنا السياسية أي علاقات اجتماعية ومحبة نرغب فيها). إما الإيمان فإن الليبرالية ترى بأن الإنسان له حرية اختيار ما يؤمن به، وهي مع ذلك تشدد على أن الإيمان يجب أن يكون فعلاً فرديا خالصا لا يتدخل في العلاقات الاجتماعية ولا في نظام السوق ولا في المؤسسات العامة والسياسية.


يرى البعض أن أول المنظرين لهذه الفلسفة هو الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط وأنه أسسها على أربعة أصول (الحرية، والإرادة، والتعاقد، والقانون). وكما هو ملاحظ فإن هذه الأصول الأربعة لليبرالية لا تمثل اغترابا عن أصول الإسلام ولكنها أيضاً ليست بالضرورة منسجمة معه، فهل الحرية والإرادة الليبرالية هي ذاتها الحرية التي ضمنها الإسلام، وهل التعاقد والقانون الليبرالي هو ذات التراضي والشريعة الذي افترضتها نصوص القرآن؟ هنا يكمن شيطان التفاصيل الذي دائماً ما يجوس بخيله ورجله ليفجر فخاخ التأويلات المتعارضة والتبريرات المتناقضة، وإن لم نستعذ بالله منه عن طريق التجرد من الأحكام القيمية المسبقة والقراءات الغائية المترصدة فلن نخرج من حلبة التناطح الليبرالديني.

الاستبداد بين الفرداينة والجماعتية
يرتكز الطرح الديني على الجماعة (المجتمع والأمة) بينما يرتكز الطرح الليبرالي على الفرد، روح الجماعة والمصلحة المشتركة هي الأصل في الطرح الديني أما الفردانية والمصلحة الذاتية هي العماد التي يقف عليها التصور الليبرالي، وقد أشار هيجل إلى هذه الملاحظة الحاسمة في كتابيه “فلسفة الحقوق” و”فلسفة الروح” (انظر أشرف منصور (www.marxists.org)). الأمر الذي حدا بهيجل إلى تقديم البديل الاجتماعي لليبرالية، وهو ما تطور لاحقاً في الفلسفة الماركسية.
مبدأيّ الحرية والإرادة يلتقي فيه
ما الطرح الديني بذات القدر الذي يفترق فيهما مع الطرح الليبرالي، فكلا الطرحين قائم على حرية الاختيار. الحرية في المفهوم الليبرالي لا يحكمها سوى القانون، أما الفهم الديني لمبدأ الحرية فإنه ينتصب على تأطير هذا المبدأ ضمن منظومة القيم الاجتماعية وأحكام الشريعة. وهنا يتجلى مجددا مركزية الفرد في الطرح الليبرالي وضمور الحضور الاجتماعي، بينما يتضخم الحضور الجماعاتي في الطرح الديني بحيث يصير فاعلا بدرجة تقترب جدا من حاكمية القانون في الطرح اللبيرالي. وهذا الاختلاف في الرؤية هو ما يتجلى في صورة الصدام بين قيم الأصالة الإسلامية وبين ما تحمله العولمة الثقافية من مفاهيم غريبة على الحس الجماعي للمجتمعات غير الغربية.

بيد أن ذلك لا يعني بالضرورة فشل الطرح الليبرالي في تعاطيه مع الحرية، بل العكس قد يكون صحيحا، فإن التركيز على الفرد واعتباره قطب الرحى في تأسيس مبدأ الحرية يقلص فرص الأنظمة الفاسدة التي تقمع الفرد باسم الجماعة على الاستبداد، وتضيق على حرية الأفراد متسترة وراء شعار حماية مصالح الجماعة.


إن الليبرالية السياسية تقوم على الحكم الديمقراطي، فيما كانت الأديان وما تزال في أغلب الأحيان وسيلة تستخدمها الأنظمة المستبدة لتطويع وقمع الشعوب، فالاستبداد على مر التاريخ قام على الحراب التي ترفع المصافح والكتب المقدسة.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الديمقراطية الليبرالية حصينة على اختراق الاستبداد، بل أن الليبرالية الاقتصادية أخذت بيد ما أعطته باليد الأخرى، فهي وإن أعطت الناس حق الاقتراع إلا أنها قيدتهم في ولاءات اقتصادية يتحكم فيها نخبة من أصحاب رؤوس الأموال يوجهون أصوات عمالهم باتجاه الريح التي تكدس لهم مزيدا من الأموال، فصار العامل البسيط موجها من قبل مرؤوسيه لاختيار ما يرونه مناسبا لمصالحهم، ويوهمونه أن عقد عمله معلق بوصول هذا الشخص أو ذاك إلى السلطة، فلهذا تجد أن الشركات العملاقة وأصحاب رؤوس الأموال هم من يحسمون أمر كرسي الرئاسة في الدول الاقتصادية العظمى.

الطرح الديني المعاصر بدأ يتخلص من أدران الفكر الاستبدادي المتوارث جيلا عبر جيلا، والذي صار عند بعض الطوائف الإسلامية مختلطا بالنص الخالص، الفكر الإسلامي المعاصر بدأ في عملية فرز للنص الخالص بعيدا عن الركام الروائي المفرخ للاستبداد، لكن ما يزال وجدان بعض المدارس السلفية غير قادر على التخلي عن الكثير من ذلك الركام وهو الأمر الذي تجلى في تنازع المدارس السلفية بين توجهات مدافعة عن الأنظمة المستبدة وأخرى مناهضة لتلك الأنظمة، والكل ينطلق من الدين ويتحدث باسمه، فريق ينطلق من الروايات التي خلفها الاستبداد وآخر ينطلق من وحي النص الخالص الذي حاول الاستبداد طمسه.


مبدأ التعاقد بين الديني والليبرالي:
يقوم مبدأ التعاقد الليبرالي على التعاون بين طرفين لتحقيق مصلحة ما. الدين كذلك يؤسس لمبدأ التعاقد والتعاون بين الأطراف لتحقيق مصالحها، بيد أن مبدأ التعاقد في الدين محكوم بأطر الشريعة وأحكامها، بينما الأمر مختلف مع الليبرالية حيث التعاقدات أقوى أحيانا من القوانين والقيم والأخلاق.
فحسب الفلسفة الليبرالية فإن العقد ملزم للأطراف، وليس للدولة سوى احترام هذا العقد وعدم التدخل في بنوده. الفارق الأساس بين العقد في التصورين الديني والليبرالي هو أن التصور الديني قائم على اعتبار أحكام الشريعة في تأسيس العقود، بينما التعاقد في التصور الليبرالي لا يلتزم بأية اعتبارات قيمية سوى ما اتفق عليه أطراف العقد، بل أن التصور القيمي والأخلاقي لليبرالية قائم على مبدأ احترام العقود والالتزام بها، بحيث يصير العقد ذاته -ولا شيء سواه- مقدساً ولا يجوز المساس به. تسري علاقة التعاقد في التصور الليبرالي على جميع نواحي التفاعل البشري، بداية من الأسرة مرورا بالسوق والمجتمع وانتهاء بالدولة.

الدين أيضاً يشكل التعاقد بالنسبة إليه أساس التفاعل الإنساني والاجتماعي بداية من الأسرة وانتهاء بالدولة، مع فارق جوهري يتمثل في ضبط الدين جميع أنواع هذه التعاقدات وفق منظومة قيم أخلاقية وأحكام قانونية مقدسة لا يجوز لأحد الأطراف ولا لكليهما تجاوزها، بينما القدسية تتنزل في حالة التعاقد الليبرالي على رغبة المتعاقدين وليس على منظومة القيم الأخلاقية للمجتمع.


يظهر جلياً أن فلسفة التعاقد الديني والليبرالي يتمايز كل منهما عن الآخر بالقدر الذي يشتركان في الاحتفاء بمبدأ التعاقد، الدين يجعل منظومة القيم الأخلاقية وأحكام الشريعة حاكمة على العقد والليبرالية تجعل العقد مقدسا طاغيا على جميع المنظومات سواء أكانت دينية أم اجتماعية. أهم ميزة لهذا الطغيان المقدس لروح التعاقد الليبرالي على جميع المنظومات والأعراف والقوانين هو تأكيد استقلالية الفرد وحرية الاختيار. بيد أن هذه النزعة الفردانية الطاغية ليست محصنة ضد التوحش واستغلال حاجات الضعفاء، فكثير من العقود المقدسة في الاعتبار الليبرالي أطرافها غير متكافئة لا في التفكير ولا في القدرة والتأثير، فتأثير العامل البسيط اتجاه الشركات العملاقة ليس هو ذاته تأثير شركات عملاقة أخرى اتجاه بعضها بعضا، فلهذا يمكن أن تنحاز بنود العقد بين العامل البسيط وبين الشركة في اتجاه الثانية، بينما الأمر قد لا يكون كذلك بين الشركة وشركة مساوية لها، والعامل في النهاية ملزم ببنود العقد دون نظر إلى منظومة قيم أو أحكام شرعية، بينما كفل الدين في منظومة أحكامه حقوقاً للعامل وامتيازات تحصنه من استغلال أصحاب الشركات والمؤسسات الجشعة.

هناك انتقادات أخرى تم توجيهها إلى مبدأ التعاقد الليبرالي، منها إن مبادئ الليبرالية القائمة على تنمية النزعة الفردية وتأصيلها لمركزية الفرد، وأن حرية الاختيار والعلاقات التعاقدية القائمة على المصلحة تُغفل اعتماد الفرد على غيره في جميع مراحل الحياة، فالإنسان لا يكون مستقلا قادرا على التعاقد إلا في فترة وجيزة من حياته بين العشرين والستين من العمر أما قبل ذلك وبعد ذلك فهو لا يستطيع في أغلب الأحيان العيش دون اعتماد على الآخرين، وحتى في سنوات الشباب لا يخلو الإنسان من حالات مرض وضعف ووهن يحتاج فيها إلى رعاية الآخرين.


كما أن تبسيط العلاقة بين الأفراد واختزالها في التعاقد بين شخصين حرّين على أن يحقق أحدهما مصلحة للآخر تؤدي إلى نزع القيم الإنسانية العظمى كقيمة الأمومة والأبوة، فعلى سبيل المثال إن رُزق الأبوان بمجموعة أولاد فإنه وبحسب النظرية التعاقدية ليس الأبوان مضطران لتقديم نفس العناية والحنان إلى جميع الأبناء وإنما يكفيهما تقديم ذلك إلى الأطفال الذين يظنون أنهما سيقومان برعايتهما مستقبلا حين يصلا إلى سن العجز والحاجة إلى الرعاية، فالعلاقة بين الآباء والأبناء ليست سوى علاقة (تعاون فقط عندما تعمل شروط التعاون على تحقيق أهداف كل من أطراف العلاقة) حسب القاعدة الليبرالية، وهدف الآباء الذي تحدده مصلحتهم التعاقدية وفق النظرة الليبرالية هو تربية أبناء كي يقوموا برعايتهم لاحقاً! أما الدين فإن منظومته القيمية منتصبة على أساس مبدأ التراحم والتكافل الأسري والمساواة بين الأبناء صغارا وكبارا.

والأمر ذاته ينسحب على العلاقة بين الزوج وزوجه، فكلاهما يتعاقد حسب النظرية الليبرالية على تحقيق مصلحة الطرف الآخر، وذلك لا يكون وفق قيم وتقاليد المجتمع وإنما بناء على مبدأ حرية الطرفين ورغبتهما في تحقيق مصالح مشتركة كالسكنى والإنجاب. بيد أن هذه النظرية لا تمنع أن يقوم أي طرف منهما بإقامة علاقة خارج إطار الزوجية إن لم يكن في ذلك إضرار بمصلحة الطرف الآخر، سواء أكانت هذه العلاقة سريّة أو علنية. ذلك أن الجنس في العرف غير المتدين كما يقول ميرسيا إلياده ليس سوى “عملا فيسيولوجيا، وهو لا يزيد عن أن يكون عملاً عضوياً مهما بلغ عدد المحرمات التي ما تزال تكتنفه، بينما هو في نظر المتدين سر مقدس أو اتحاد بالمقدس”اهـ. أما الدين فقد حصن العلاقة الزوجية بسياج من القدسية في إطار منظومة من القيم الأخلاقية العليا مثل المودة والرحمة والأمانة والإخلاص وتحصين الفرج وحدّ الزنا.


الصداقة حسب نظرية التعاقد الليبرالية هي علاقة تعاقدية يحقق كل طرف فيها مصلحة للطرف الآخر، وهذا الطرح يسقط الارتباط مع الضعفاء والفقراء والمرضى وأصحاب العاهات فهم غير قادرين على تحقيق أية مصلحة حتى لأنفسهم فكيف بغيرهم، بينما ينظر الدين إلى الصداقة باعتبارها قيمة إنسانية قائمة على الحب والتعاون والتضحية والوفاء بعيدا عن المصالح المجردة.

 قيمة الوطنية ليست حاضرة في التعاقد الليبرالي القائم على تحقيق مصالح الأطراف المتعاقدين، فالفرد حين يجد مصلحته مع دولة أخرى غير وطنه فعلاقته مع الوطن تطلق طلاقا بائنا، بل قد تستدعي مصلحته الجديدة مع الدولة الأخرى خيانة الوطن ونقل أسراره. أما الدين فإنه ينظر إلى المكان (الوطن) باعتباره مقدسا، وأن كل اعتداء عليه هو اعتداء على مقدس، بيد أن ذلك لا يجرد الأديان أحياناً من وزر خيانة الأوطان لصالح دول يظنها المؤمنون أكثر تمثيلاً للمقدس من الدول التي ينتمون إليها. الإسلام ضبط مسألة الولاء للوطن أو لغيره وفق قواعد العدالة ورفع الظلم وعدم الاعتداء، وعدم تضييع حقوق الناس، فإن تحققت هذه القواعد اعتبر الولاء لغير الوطن خيانة، وإن فقدت هذه الشروط فإن الولاء لغير الوطن إنما يكون مشروطاً بهدف وحيد وهو تحقيق تلك القواعد، وحين تتحقق تلك القواعد مجددا صار الولاء لغير الوطن خيانة للمقدس.


أما في إطار علاقات الدول ببعضها فإننا نرى كيف أدى عدم الندية بين أطراف التعاقدات الدولية إلى ابتلاع القوي للضعيف كما حصل أيام حقبة الاستعمار وكما هو حاصل الآن من احتلال الدول القوية للدول الضعيفة وتدخلها في شؤونها الداخلية واستغلالها لمواردها دون قدرة للطرف الضعيف على الاعتراض بسبب عدم كفاءته ليكوّن علاقة ندّية مع الطرف القوي.
 
القول الفصل
إن المبادئ الليبرالية التي تمثل بريقا باهراً وجاذبية آسرة مثل الحرية والتعاقد حاضرة إجمالاً في مبادئ الإسلام، مع تفاوت ظاهر في حضور هذه المبادئ بين المدارس الإسلامية المختلفة.

لا جدال أن مبدأ حرية الإرادة واستقلال الفرد يبرز في الطرح الليبرالي بأقوى صور التجلي والحضور، بينما يغيض هذا المبدأ في أغلب أطروحات المدارس الإسلامية المعاصرة، إلا أن الملاحظ على الخطاب المعاصر الذي يضيق على مبدأ حربة الفرد ويكبله بسلاسل مرويات الخضوع والاستسلام والانقياد للسلطة يتعارض بصورة ظاهرة مع الحضور المكثف لمبدأ حرية الفرد في القرآن،  في الجانب الآخر نجد أن تراث المدارس الإسلامية التاريخية التي كانت أقرب إلى روح القرآن كالمدرسة الإباضية والمعتزلة تراثها حافلاً بالاحتفاء بحرية الفرد ومحاولة التصدي لحملات الاستبداد الشعواء التي روجتها ماكينة الدعاية الإعلامية للسلطة المستبدة في صورة نصوص مقدسة منسوبة للنبي عليه السلام.


يتميز الطرح الديني عامة والإسلامي خاصة عن الطرح الليبرالي بإحاطته التعاقدات الإنسانية والاجتماعية والوطنية بسياج مقدس من القيم والأحكام العليا التي تعتبر محرّمة في وجدان المؤمنين بها، وهذه القدسية الوجدانية تربط احترام العقود بموضوع التقوى أو الضمير النابض بالإيمان، فأي تفريط في العقد هو بالضرورة تفريط في الإيمان. في الجانب الآخر تعاني التعاقدات الليبرالية بجانب افتقارها للبعد الإيماني والعقائدي من إشكالية عدم التكافؤ بين الأطراف،  وهي إشكالية يمكن أن يترتب عليها هضم حقوق البسطاء وسيطرة الأقوياء على مقدرات الضعفاء، بجانب إشكالية غياب المرجعية القيمية لهذه التعاقدات مما يجعل أمر احترام هذه التعاقدات مرهونا بوجود القانون النافذ، وحين لا يحضر القانون -لسبب أو لآخر- فإن سبيل هذه التعاقدات معلق بنزوات الأفراد وشهواتهم.

يمكن للطرح الديني الاستفادة من الطرح الليبرالي فيما يتعلق بحرية الإرادة واستقلال الفرد، وليس المقصود من ذلك الطعن في الإسلام واتهامه بعدم الاحتفاء بمسألة الحرية، وإنما الواقعية تحتم على الباحث الإقرار أن الخطاب الديني لأغلب المدارس الإسلامية ما زال يكرس لاستبداد الحاكم أو استبداد الحزب السياسي.

الطرح الليبرالي يمكنه أيضاً أن يستفيد من الطرح الديني خاصة فيما يتعلق بالثغرات الفنية المرتبطة بإمكانية الاستغلال وعدم الكفاءة في العقود.
حاصل القول أن المجتمعات الإسلامية ستظل بحاجة إلى الطرح الليبرالي طالما لم يتمكن الخطاب الديني من تطوير نفسه والتجرد من الأطروحات العقيمة المصادرة لحرية الأفراد التي تُقدم باسم الإسلام، وإلى أن يتغير هذا الخطاب ويصبح أقرب إلى روح القرآن المحررة لعقل الفرد والمطلقة لمداركه والمحترمة لوجدانه سيظل الطرح الليبرالي قائماً في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، بل وربما متمدداً لأنه ينتصب على أساس مغري بالقبول والانتشار ألا وهو مبدأ الحرية، وهو مبدأ فطري لا يستطيع الإنسان مهما سحقته آلات الاستبداد أن يحيا بدونه.

حين داعبت فكرة المشروع النووي مخيلة الإيرانيين لم تنسهم واقعهم الإقليمي والدولي خاصة موقف إسرائيل والولايات المتحدة من هكذا مشروع ربما يشكل خطرا استراتيجيا على وجود إسرائيل وعلى مصالح أمريكا في الشرق الأوسط. حاول الإيرانيون الاقتراب من الأمريكان عن طريق تقديم تسهيلات لوجستية للحرب الأمريكية على العراق وأفغانستان، كما حاولوا في الوقت نفسه تطويق إسرائيل عن طريق دعم ما يسمى بقوى الممانعة والمقاومة والتي تمثلها سوريا وحزب الله وحماس. كان الرهان الإيراني قائماً على أن أي هجوم على منشئاتها النووية لن يكون إلا أمريكيا، فلهذا سارعوا في توسيع ترسانتهم الهجومية والدفاعية التي يمكنها إصابة القواعد والمصالح الأمريكية في الخليج. وقد قام الإيرانيون باستعراض عضلات واضح حين حاصروا زورقا بريطانيا وألقوا القبض على جنوده، كما قاموا باستفزاز بوارج أمريكية في الخليج العربي.

اطمأنت إيران من توجهات أمريكا أوباما وكانت تظن أن الوضع في إسرائيل وحولها سيكون أكثر مواتاة لو تمكنت تسفي ليفني من الفوز بالانتخابات ولو تمكن حزب الله وحلفائه من الفوز في الانتخابات اللبنانية، لكن جرت رياح القدر بعكس ما يشتهي المقدور الإيراني، حيث تقدم اليمين الإسرائيلي المتطرف برئاسة نتنياهو وليبرمان، وخسر حزب الله أمام القوى المناوئة لحلفاء  إيران.

لم تكف رياح القدر عصفاً بالتكتيك الإيراني بل أوقعتهم في مأزق استراتيجي داخلي حيث انتهت الانتخابات العامة بإشكالية حقيقة للنظام الذي بدأ يتصدع على جميع المستويات بدءا من القاعدة الشعبية وانتهاء برجال الثورة أنفسهم وعلى رأسهم هاشمي رفسنجاني. فما هو أفق المشروع النووي وما هي استراتيجية الردع الإسرائيلي؟

إسرائيليا ابتدأت الاستعدادات للضربة المحتملة على إيران مبكراً جدا، حيث قامت إسرائيل بتطوير أجهزة صواريخها الاعتراضية، وفتحت أراضيها لقاعدة دفاع جوي أمريكية مجهزة بأحدث أجهزة الرصد الجوي ومضادات للصواريخ البالستية، كما قامت بعدة مناورات جوية، بل وقامت بهجمات فعلية على أهداف بعيدة جغرافيا عن إسرائيل كالهجوم على الموقع العسكري السوري والهجوم على مناطق شرق السودان، ولا يستبعد أن يكون هناك تواجد إسرائيلي جوي في أفغانستان فهي دولة كبيرة ومفتوحة أمنياً وجغرافيتها الوعرة قريبة من جغرافية جاراتها إيران، وهناك هجمات جوية كثيرة على المناطق في أفغانستان وباكستان لا يعرف من قام بها.

على المستوى الإقليمي نجحت إسرائيل في منع صفقة المضادات الجوية الروسية المتطورة عن كل من سوريا وإيران، كما بدأت إسرائيل وأمريكا اتصالات سرية ومباشرة مع الحكومة السورية لتحييد النظام السوري عن التدخل في الصدام المتوقع بين إسرائيل وإيران.

 حزب والله وحماس يمثلان تهديدا حقيقيا لشمال وجنوب وإسرائيل وحتى عمق إسرائيل مهدد أيضا بالفدائيين الحمساويين المستعدين للقيام بعمليات تفجيرية في العمق الإسرائيلي، فصواريخ حزب الله وحماس (الكاتيوشا) صغيرة الحجم تتميز بالسرعة والقدرة على تجاوز أجهزة الدفاعات الجوية، بخلاف الصواريخ البالستية العملاقة والتي تصل أحجام بعضها إلى ضعف حجم الطائرات المقاتلة والتي يسهل رصدها وإسقاطها. لكن حزب الله بدأ مرحلة جديدة بعد خسارته وحلفائه للانتخابات اللبنانية وصارت قضية سلاحه وولائه على رأس أجندة الحكومة اللبنانية الجديدة، فتورط حزب الله في حرب جديدة دفاعاً عن إيران سيسبب له إحراجاً ربما يفقده بعده الوطني والعربي، وحماس ليست بأفضل حال من حزب الله خاصة بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة والحصار التام الذي تنفذه إسرائيل وبعض الدول العربية، مما جعل حماس قابلة للتطويع والدخول في مفاوضات مع فتح وتغليب الهم الوطني الفلسطيني على أية هموم وولاءات إقليمية أخرى.

إيرانيا وبعد الهزة الأخيرة التي فجرتها نتائج الانتخابات الرئاسية بدا واضحا انقسام الإيرانيين بين خيار تغليب المصلحة الوطنية والانفتاح على الغرب الذي يمثله الإصلاحيون وبين خيار الانغلاق على الداخل وحشد القوة والعتاد دفاعا عن الذات المتضخمة التي يمثلها المحافظون، لقد انطلق مارد المسكوت عنه مثرثرا بحديث لاذع ضد شخص المرشد الأعلى للثورة متهما إياه بالاستبداد تارة ومتوعدا إياه بالموت تارة أخرى، وهذه سابقة لم تألفها الساحة الداخلية الإيرانية منذ استتاب الأمر لرجال الدين بعد الثورة، لقد كان الموقف من المشروع النووي الإيراني هو أحد نقاط الخلاف بين الإصلاحيين والمحافظين، حيث يرى الإصلاحيون وجوب عدم جعل هذا المشروع عقبة أمام التواصل البناء مع الغرب، بينما يصر المحافظون على الاستمرار في المشروع بالرغم من كل الضغوط، في المحصلة فإن أية ضربة أو أية حرب تشن على إيران بسبب هذا المشروع ستؤدي بلا ريب إلى إضعاف موقف المحافظين في قبال موقف الإصلاحيين الذين لا شك أنهم سيقفون ضد الحرب على بلادهم بيد أنهم قطعا لن يسكتوا بعد أن تضع الحرب أوزارها.

 أمريكيا لن تتورط القوات الأمريكية في الضربة الأولى ولن تتدخل في الحرب إلا أن تم مهاجمة قواعدها في المنطقة، وبخروج القوات الأمريكية من المدن العراقية تبقى قدرة حلفاء إيران على إلحاق الأذى بالقوات الأمريكية المتواجدة في العراق ضئيلة، وأي هجوم على القواعد العسكرية في الخليج العربي يعني بالضرورة حربا مفتوحة مع دول الخليج مما سيفقد إيران أي تعاطف إقليمي أو دولي معها في هذه الحرب.

الضربة الإسرائيلية ربما لن تقتصر على المنشئات النووية وحسب، بل ستتعدى ذلك إلى ضرب القواعد الجوية ومنصات إطلاق الصواريخ البالستية وربما ستستهدف بعض رموز النظام كمرشد الثورة ورئيس الجمهورية مما يعني دخول إيران في نفق مظلم من احتمالات الفوضى والتقسيم.

توقيت الضربة الإسرائيلية لا ينتظر سوى ضوءا أخضرا أمريكيا، وأمريكا لن تعطي هذا الضوء دون التشاور مع القوى العظمى الأخرى كالصين وروسيا وحلف الناتو واليابان التي لها جميعا مصالح كبيرة في الخليج العربي، وقد قام نتنياهو ومن قبله ليبرمان بزيارة معظم هذه الدول للتبشير بهذه الضربة واستجداء تعاطف تلك الدول مع الفكرة الإسرائيلية. الضربة حتمية ولا محص عنها، ولا يملك إبطال فتيلها سوى الإيرانيون!

الإيرانيون وحدهم من يملك الحلّ لهذه الأزمة التي أحدثتها تطلعاتهم النووية غير المحسوبة، وهو يحتاج بداية إلى حلّ المشاكل الإيرانية الداخلية عن طريق إلغاء وصاية الفقيه على النظام، وإعادة النظر في المؤسسات العسكرية الثورية التي تتصرف بعيدا عن سلطة الدولة، وعلى إيران أيضاً أن توقف برنامجها النووي أو تؤجله لمدة عشر سنوات على الأقل بحيث تقوم بإعادة قراءة للواقع حينذاك لاستئناف البرنامج من عدمه.

المنطقة مقبلة على أيام سوداء ليلها كنهارها، وعلى العرب وأهل الخليج تحديد خياراتهم الإستراتيجية، فإيران تشكل واقعا جغرافيا وامتداد تاريخيا لا يمكن تهميشه، وأي ضربة ضدها هي ضربة موجهة نحو أمن واستقرار جميع دول المنطقة، على دول الخليج أن تكون واضحة في إعلان عدم القبول بالمشاركة بأي شكل في أية ضربة ضد هذا الجار القديم والعملاق لأن المشاركة في هكذا عمل أهوج لن يؤدي إلا إلى إغراق المنطقة في حروب عسكرية وإثنية ومذهبية لا مصلحة لشعوب المنطقة بها.


  زكريا بن خليفة المحرمي


“لا يفقه الإنسان كل التفقه حتى يرى للقرآن وجوها” العوتبي الصحاري.
 

الحديث عن الأفكار لا يكاد ينتهي، فكل يوم تقذف الأذهان بفكرة جديدة تزيد وتعيد في منظومة الأفكار، فالأفكار مثل الخلية البشرية منغمسة في عمليات الهدم والبناء المعروفة بـ (الأيض أو Metabolism).

هذه العملية الهامة في تطور الخلية لا يرصدها الإنسان العادي إلا حين يرى الجسد البشري آخذاً في الانكماش أو التمدد، كذلك الأمر بالنسبة للأفكار لا نكاد ندرك عمليات أيضها هدما وبناءا إلا حين تؤثر مباشرة في حياتنا سلبا  أو إيجابا.
نحن بالتأكيد نعلم ما هي الخلية البشرية من خلال التشريح المخبري بيد أنا نقف حيارى إزاء هذا الكائن المدعو (الفكرة)! فما هو هذا الكائن؟ هل هو شيء حسي؟ أم هو شيء ذهني مجرد؟ لا شك أن الحديث عن الأمور الحسية أسهل بكثير عن الحديث عن الأمور التجريدية، فمجال الاختلاف في الأمور الحسية يحسمه الفحص الكوني (التجربة)، فلهذا صارت العلوم الحسية مبنية على التجربة، ولا مجال فيها للتجريد والنظر إلا بقدر ما تفتح آفاقا جديدة للاختبار.
أما الحديث عن الأمور التجريدية فالجدل فيها لم ينتهي منذ بداية البشرية وحتى يومنا هذا، واستحضر في هذا المقام قول الفيلسوف الفرنسي ديكارت: (ولن أقول شيئا بخصوص الفلسفة سوى أنني لما رأيت أنه وقع تعاطيها من طرف أبدع العقول التي تواجدت منذ قرون عدة وأنها على الرغم من ذلك لا تحتوي على مسألة واحدة لا يمكن الجدال بشأنها وبالتالي لا يمكن الشك فيها)، فالفلسفة التجريدية قائمة على الافتراضات والاحتمالات والظنون بل وحتى الأوهام.

استبداد البراجماتية:

ألج من هذا المدخل لطرق مقال خميس بن راشد العدوي (أنساق البراجماتية)  المنشور في ملحق شرفات بتاريخ 6 مايو 2009 متجاوزا الحديث عن لغته النخبوية وتراكيبه المعقدة وتجريده المتعالي عن الواقع والتي أوقعت الكثيرين مؤيدين ومعارضين- في لبس من رسالة المقال، ومذكرا بقول ديفيد هيوم (من المؤكد أن الفلسفة السهلة الواضحة مفضلّة أبداً لدى عموم البشر على الفلسفة الدقيقة العويصة، وينصح الكثيرون بها بوصفها لا أمتع من الأخرى وحسب، بل أكثر فائدة أيضاً. أما الفلسفة المغلقة القائمة على لفتة ذهنية لا يمكنها أن تدخل في الأعمال والأفعال، فهي على العكس تندثر ما أن يغادر الفيلسوف الظل ويخرج إلى وضح النهار. وما يجب أن يعترف به أيضاً هو أن الفلسفة السهلة قد فازت بشهرة أدوم وأحق أيضاً. وأن أهل التعليل التجريديين حظوا حتى الآن على ما يبدو بمجرد شهرة مؤقتة ناجمة عن الفضول أو عن جهالة عصرهم).
طرح العدوي فكرة تجريدية جريئة مفادها أن القانون الحاكم لأية فكرة إنما يكمن في (براجماتيتها أو نفعيتها)، مع أن البراجماتية غير والنفعية غير، فالأولى متوحشة كما يقرّ جورج هربرت ميد (1863-1931م) وهو أحد منظريها لما تحويه من مضامين رأسمالية انتهازية وفردانية. لم يترك العدوي أي مجال لأية قوانين أخرى كي تنطلق في فضاء الأفكار أو ربما هو قيد الأفكار في معتقل البراجماتية  بدلا من أن يطلقها في فضاء القوانين المتعددة. قطعاً لم يكن مقال العدوي بيان مصادرة واعتقال ولكنه حتماً لم يكن رسالة تعددية ووصال. ربما يتمنى المرء لو يجد في مقال العدوي تشظيا يجعل رسالته فسيفساء فكرية لها أبواب واسعة ومتعددة بدلا كونها -كما يحب أن يصفها البعض- حجرا مسمطا ليس له سوى باب واحد خزَنَتُه البراجماتية والنفعية.
الأفكار ليست شيئا ملموسا يمكن أن نتفق في تعريفه ودراسته وقوننته، بينما تعامل العدوي مع الأفكار باعتبارها كائنات محسوسة يمكن ترويضها في المختبر العدوي، فخرج علينا بنتيجة صادمة ومحبطة بل و حسب تعبير الدكتور عبدالله الحراصي-مخيفة. لا يكمن الإحباط والخوف والصدمة في خطأ النتيجة، فنحن هنا لسنا في معرض تقديم حكم قيمي للفكرة العدوية، وإنما الصادم والمخيف والمبحط معاً هو في لغة المصادرة وتقديم  الإجابات النهائية والإدعاءت المطلقية والفهوم النهائية التي أحكمت قبضتها على المقال العدوي من مبتدأه إلى منتهاه.


ومع أن مسوغ العقلانية التجريدية قائم كما يقول كوتنغهام على أن يكون التعليل مفهوما على نحو واضح ومميز وبلغة الروابط الضرورية والصارمة، إلا أننا لم نجد تعريفا واحدا ولا شرحا واحدا ولا ربطا واحدا يمكن أن يبرر ذلك الإصرار العدوي على اعتقال الأفكار ومصادرتها وفق قانون واحد، وواحد فقط، ألا وهو النفعية أو البراجماتية كما يحب أن يسميها.
يقول كوتنغهام : (لكي نفهم فيلسوفاً سواء أكان قديما أم حديثا نحتاج إلى إخضاع أفكاره للامتحان النقدي المتواصل، إن علينا إن جاز القول أن نتجادل مع الفيلسوف بدلا من تشرّب أفكاره سلبياً)، وهو ما بالضبط ما سنمارسه مع فيلسوفنا العدوي، ونبدأ بالقول أن مصطلح الفكرة إنما يعبر عن نتيجة العملية العقلية المسماة (التفكير)، ونحن لا نعلم ماهية هذه الفكرة، ولا كيفية القيام بها، وإلى اليوم لا يزال النزاع قائما بين الفلاسفة حول ماهية العقل، ومكانه ودوره في بناء الأفكار، يكفي فقط الرجوع على كتاب (العقل Mind) لجون سيرل المنشور عام 2004م لنتلمس حجم ضبابية مفهوم العقل، ولأن كان الأمر كذلك مع الأصل (العقل) فلا ريب أن الفرع (الفكرة) لن تكون أقل تجريدية واشتباكاً، فالبحث حول ماهية الفكرة وطبيعتها وقوانينها هو بالتأكيد أشد التباساً وضبابية، ويحمل مساحات أوسع للاختلاف من الجدل حول (العقل). فحديث العدوي عن قانون واحد أحد للـ(الفكرة) قائم على تجاوز الحقائق السابقة فهو بالتالي حديث مبتعد عن الموضوعية وواقع في أعراف المصادرة وهوة الادعاءات الإطلاقية، إنه حديث لا رصيد له في بنك الفكرة ولا أسهم له في سوق العقل.
لو اتفقنا مبدئيا مع العدوي في أن فكرة معينة كـ(القراءة) يحكمها القانون الدكتاتوري المسمى (البراجماتية)، وأن الناس تقرأ طلبا للمنفعة المختبئة وراء هذه الفكرة، فإننا سرعان ما نتفارق عن العدوي حين نصرّ إصراراً أبديا على وجوب إخضاع فكرة (القراءة) للفحص. هل هي فكرة واحدة أم هي سلسلة لا متناهية من الأفكار، فالقراءة تنطوي على مكونات عدة منها: المعرفة، الكتاب، الكاتب، الطابع، الناشر، الأوراق، الأحبار، الألوان، الغلاف، الوزن، الحجم، الرائحة، …الخ. ولو نظرنا في كل مكون من هذه المكونات لوجدنا سلسلة لا متناهية من الأفكار تتقاطع معه وتؤثر فيه، فالمعرفة على سبيل المثال تؤثر فيها أفكار كثيرة من قبيل: حب الإطلاع أو كراهيته، نوعية المعرفة هل هي متوافقة مع القيم والمبادئ والرغبات أم تعارضها، كم المعرفة أيضاً يؤثر فهناك من يكفيه النزر اليسير وهناك من لا يكتفي بالبحر الغزيز.


فلو حاولنا أن نُدخل فكرة (القراءة) في آلة المنفعة العدوية لسك صالح الأفكار من طالحها لوجدنا أن مُحدّد المنفعة يصعب تحدديه ويستحيل تمييزه. فأين تكمن المنفعة، هل في فكرة القراءة أم في فُكيراتها (تصغير فكرة) أم الأفكار والفُكيرات المؤثرة في الفكرة أو الفُكيرات المتناسلة منها وعنها إلى ما لا نهاية.
الجواب لا يمكن حسمه بنفس اللغة الحاسمة التي صاغ بها العدوي مقاله وحدد بها قانونه، بل أننا ربما نتمكن من تفكيك المنفعة إلى مُنَيفْعَات أصغر إلى ما لا نهاية حتى تغدو هذه المنفعة أقرب إلى حالة الهلام الطيفي الذي تكون فيه الفوتونات الجسيمية سابحة في الطيف الموجي للضوء، بحيث يكون الضوء ليس مادة وليس طاقة، وهكذا المنفعة تكون في حالة من التفتت والتفكك والانصهار والتلاشي بحيث تكون لا هي منفعة ولا هي غير ذلك. ولأن كانت الفيزياء الكميّة قائمة على هذا التفسير النسبي للضوء، فلا أظن أن الأفكار والمنافع أكثر حسيّة وتجريبية من الضوء حتى يمكن تفسيرها بصورة مطلقة بالطريقة العدوية.

أضف إلى ذلك أن المنفعة أو المنيفعة لا تنتصب في الفكرة ذاتها كما ذهب العدوي وإنما تكمن في الطريقة التي ننظر من خلالها  إلى الفكرة، أو قل في الأفكار الأخرى التي تحلل هذه الفكرة وتشرّحها، فمثلاً يمكن أن ننظر إلى القراءة باعتبارها نافعة لأننا نحب الكاتب، ولكن يمكننا أن ننقلب على ذات الفكرة (القراءة) ونعتبرها خاسرة لأننا افتقدنا حب الكاتب الذي دفعنا نحو القراءة! فالقانون في قبول الفكرة (النفعية) وامتثالها لا يكمن في أصل الفكرة كما بيّن العدوي في مقاله وإنما في الزاوية التي ننظر من خلالها إلى هذه الفكرة والفكيرات المكونة لها والمتناسلة عنها، ونظرتنا إلى الفكرة ليست جزءا من الفكرة بل هي شيء مستقل عنها، والعدوي في مقاله شدد وأكدّ على أن النفعية هي جزء من الفكرة بل هي لحمة فيها!


أضف إلى ما سبق أن العدوي يتحدث عن المنفعة باعتبارها قانوناً للفكرة، وهو مسبوق بحديث غيره عن الخير والشر باعتبارهما قانوناً  للأفكار، وهناك من تحدث عن الحق والباطل، والمعتزلة تحدثوا عن الحسن والقبيح، والناظر إلى هذه المفاهيم يجدها جميعا لا تخلو من إطلاقات وتعميمات وتداخلات وتشابكات بحيث يصعب معها الحديث عن الواحدة وتجاهل الأخريات، فلو قال أحدٌ أن القراءة تجلب له المنفعة. هل يعني أنها تجلب له فائدة؟ أم تراه يعني أنها تجلب له خيراً أو أنها تجلب له حُسْناً أو حقاً؟ فالظهور في صورة المثقف على سبيل المثال قد تمثل منفعة ولكنها ليست بالضرورة مفيدة ولا حسنة وليست بالضرورة خيراً كما أنها بالتأكيد ليست حقاً، فالمنفعة إذن هي هدف أو غاية يسعى إليه الإنسان، وهذا ملحظ تعريفي لم يتطرق إليه العدوي الذي لا يخفى على مثله أن الفلسفة البراجماتية منبوزة بشعارها القادح (الغاية تبرر الوسيلة).
وبما أن الوسائل ليست كلها شريفة، فإن الأهداف كذلك ليست كلها نبيلة وليست كلها مفيدة، وليست كلها خيرا وليست كلها حسنةً، وليست كلها حقاً، وبالتالي تكون المنفعة ذاتها بحاجة إلى قانون يضبطها، ومن هنا نتبين أن القانون المطلق الذي اعتمده العدوي ليس سوى سراب بقيعة نسبوي محتاج بذاته إلى قوانين أخرى لتقويمه وتصويبه، وهنا نعود ونكرر الحديث عن رفضنا لمبدأ النظرة الأحادية والقانون الأوحد، لأن مثل هذه القوانين (بتاع كله) تتهاوى بالتمدد وتتماسك بالتقلص، وليت العدوي قلص مساحة قانونه ليحاكم بعض جوانب الفكرة بدلاً من أن يمد خيله ورجله ليحتل جميع مساحة الأفكار أرضها وبحرها وسماءها، حتى أمست الأفكار بعد حريتها غير المقوننة مستعبدة من قبل جحافل القانون النفعي المستبد.

تحرير الإنسان:

لسنا في صدد إسقاط القانون العدوي (البراجماتية) الذي بشر بها في مقاله، بل حقه علينا أن نحتفي به ونثمنه، وإنما القصد من هذا التعليق التأكيد على حرية العقل وحرية الأفكار، والدعوة إلى التعددية التي ميزت المشهد الكوني وأعطته بريقه وجماله والتي هي بالتأكيد أحد أسرار بقاءه، والتصدي للأحادية في كافة أشكالها أصولية كانت أم فلسفية.


إن مصادرة التعدد وادعاء الوصول إلى الحق المطلق هو أحد أسباب شقاء الإنسانية خاصة في عالمنا العربي والإسلامي حيث تمثل النظرة الأحادية القانون الحاكم لكل الحياة سياسية كانت أم فقهية، حتى في إطار القبيلة والأسرة بل وحتى مع الذات أحياناً. علينا أن نعترف أننا لا نمتلك الحق المطلق، وأن كل ما لدينا لا يمثل سوى حقيقة نسبية نحاول أن نعرج بها طبقا عن طبق للوصول إلى ذاك الكمال المسمى الحق المطلق، حيث تضع حرب العقول أوزارها وتركع القلوب سكينة، وتسجد الأرواح طمأنينة، وترتقي الأنفس راضية مرضية إلى الجلال والصفاء والكمال.

إن اليقين الذي طبع القرن التاسع عشر انحسر أمام مدّ نسبية القرن العشرين، أما قرننا الواحد والعشرين فهو عصر التواضع العلمي والاعتراف بحدود المعرفة حتى قال البروفسور هوكنجز  عن هذا العصر بأنه عصر (التعقيد)، وهو وصف شارح للخط الذي يجب أن يسير عليه العلماء والفلاسفة بحيث يستصحبون حقيقة التعقيد ونسبية الأفهام، ووجوب تقديم قراءات متعددة بعيدا عن المصادرة وتأليه القانون الفرد.

ربما نتساءل عن القانون الحاكم للأفكار، والجواب أنه لا يوجد صنم يسمى قانون الفكرة، بل لكل فكرة قانونها الخاص بها، وهذا القانون إنما تحدده النظرة التي ننظر من خلالها إلى هذه الفكرة، هل ننظر إليها من خلال (الأهواء) المتمثلة في الذاكرة القريبة وردات الفعل اللاإرادية، أم ننظر إليها من خلال (العقول) المتمثلة في عمليات التفّكُر الواعي والتحليل والنقد الصارم، أم ننظر إليها من خلال العقل والهوى معاً، ولكل من العقل والهوى ميزانه الخاصة، فالهوى ينظر إلى القشور والمظاهر الخارجية، والعقل ينظر إلى لب الأفكار ومكوناتها (الدون فكرية) أو الفُكيرات المكونة والمنبثقة عن الفكرة. وفي النهاية لن تكون نظرتنا للأفكار وحكمنا عليها وقانوننا الذي نقاضيها به سوى قانون نسبي تدخل فيه المنفعة والفائدة والخير والشر والحُسن والقبح والحق والباطل والحب والمبادئ والقيم وغيرها.

ليس الإنسان عقلا محضا أو مجموعة أفكار كما ذهب العدوي في مقاله، بل الإنسان كائن معقد تعقيد الكون الذي نعيشه بل ربما يكون أشد تعقيدا، فالإنسان مكون من عناصر بيولوجية  متمثلة في الجسد ورغباته ومؤثراته وتأثيراته ، وقدّ أكد أطباء السلوك في تجاربهم العملية أن الحرمان الجسدي من الهواء أو الماء أو النوم أو الطعام أو الجنس يؤدي حتماً إلى تغيرات نفسية وسلوكية تطلق محرضات العنف من كوامنها بعيدا عن عقال الحس والعقل. والإنسان مكون أيضاً من عناصر عقلية تتمثل في الإرادة والقدرة على التحليل والبناء والتفكيك، ومكون بالإضافة إلى هذا وذاك من عناصر وجدانية تمثل ذلك البعد الغائر في أعماق الذاكرة حيث يسافر خطابه من البعيد فيتجلى بكل هيبة آسرة وحماس متلظي في صورة انطباعات عاطفية تتملك الإنسان وتدفعه نحو عمل المستحيل، إنه الحاضن للحب والخازن للإخلاص والنبع الدافق بالإيمان.

إن اختزال الكائن البشري الذي خضع له الكون وسجدت له الملائكة في مجموعة أفكار لا يمكن أن نعدّه سوى مصادرة مجحفة في حق إنسانية هذا الكائن الذي كرمه الله تعالى فخلقه وسواه وعدله وفي أي صورة ما شاء ركبه. إن هذا التعقيد الخَلْقي والتشاكل التكويني في الكائن البشري يدعو الإنسان للثورة في وجه كل دعوة للاستبداد والاحتكار والمصادرة.


إن التكوين الخَلْقي للإنسان قائم على التنوع والتعددية ولا يجوز لأي منا أن يصادر على الآخرين حقهم في الاختلاف والتعدد والتشاكل، ولو كان ذلك باسم قانون الأفكار، وهنا نستحضر قول العوتبي الصحاري الذي يرفعه إلى النبي عليه السلام “لا يفقه الإنسان كل التفقه حتى يرى للقرآن وجوها” للتأكيد على أن التنوع والتعددية في الرؤى والموازين والقوانين هو دليل حكمة وفقه وفطنة، وأن التنوع والتعدد في الأفكار والرؤى يمثل سنة كونية أكدها نبي القرآن.

ليس هذا المقال رداً على العدوي بقدر ما هو محاورة تروم إعادة توجيه بوصلتنا الفكرية نحو آفاق التعدد والتنوع والتشاكل التي ربما عزبت عن ذهن العدوي وهو يحرر لنا سفره الرائع (أنساق البراجماتية). هذا المقال إنما هو انتصار لإنسانية الإنسان القائمة على التشاكل والتنوع والتمايز بين بيولوجيا الجسد المتعطشة وحماس الوجدان الملتهب وسكون العقل الر اجح. لأن كان العدوي قريبا إلى نفسي فإن تحرير الإنسان من عقال الأحادية الفكرية، وكسر أغلال القوانين الفردانية أقرب إلى كلينا من بعضنا إلى الآخر. اتفق مع العدوي على مكافحة الجمود والتقليد وتحرير العقول من أسر فكرة القطيع والمريدين، كل ذلك من خلال اعتماد فكر متسامح قائم على الحوار والإيمان بالتعددية، واعتبار الاختلاف إضافة إلى الفكر وتدعيما لمسيرته. لست أرد على العدوي ولا هو يعتبرني كذلك وإلا كنا مناقضين لدعوة التعدد التي نجتمع عليها، بل أنا أرحب بمقاله ورسالته في حدودها التي لا تتعارض والتعددية، واعتبر هذا المقال إضافة إلى نقاط الالتقاء القائمة بيننا على الحوار والترحيب بالاختلاف والتعددية في الطرح والقراءة.

زكريا بن خليفة المحرمي

العزيز أبو همام كانت له تساؤلات في منتدى الحارة العمانية http://alharah.net/alharah/t8981.html، جاء فيه ما يلي:

بسم الله الرحمن الرحيم …

لا ريب أن القراءة تُعد من ضمن الوجبات الأساسية لكل فرد قادر عليها يختلف التعاطي مع كيفية القراءة وجوانبها فمنهم من يقتصر على القراءة في مجال تخصصه ومنهم من يقتصر على جانب معين من القراءة كالفكر الديني أو الفلسفي أو الأدبي ويهمل جوانب أخرى بقصد أو بغير قصد غير أن الذي آومن به في نفسي هو أن تقطف من كل بستان زهرة وأن تقرأ كل ما يقع بين يديك إلا ما تيقنت أنه لن يزيد في رصيد المعرفي شيء يوسع مداركك … لكن هذه القراءة عادة ما تكون ناقصة في بعض الأحيان إما من تركيز أو وعي ( عدم الحضور الذهني ) أو مجرد تمتة ليقال أن فلانا يقرأ أو العشوائية فتنظيم القراءات وترتيبها في مصفوفة العقل شيء مهم للغاية ذلك أنها تكون جاهزة وقت الاستحضار والحاجة لها ..

كثيرا ما أقرأ كتبا غير أني ما أن انتقل من صفحة إلى أخرى حتى اكون قد نسيت السابق منه ( الكتاب ) وأنا على هذه الحال منذ فترة طويلة وحاولت أن أصلح الأمر وأتدارك الوقت لئلا تذهب القراءة سدى فاظننت أن العشوائية هي السبب فبينما أبحر في رواية أضعها من يدي لا أعود إليها مقاطعا القاص وأبطال الرواية بكتاب في الفلسفة اكمل منه صفحات لأقطعه بكتاب في الفكر الإسلامي وهكذا دواليك كلما وصلت لنصف الكتاب قفزت لآخر حيث أنني عندما أعود إليه يكون قد امتحى ما كان من قبل هذا إن عدت إليه قريبا …

أدركت أن التنظيم في القراءة شيء مهم للغاية ولا أدرى إن كان هو السبب الرئيس في حالتي أم أن هناك أسباب أخرى .. صحيح أنني أقرأ كثيرا ولكن الذي يبقى قليل وقليل جدا ولا أدرى لماذا ..

هل من نصيحة أو خطة لحفظ ما قرأت ..

يانتظار تعليقاتكم الثمينة

فجاء تعليقي على نفس الرابط كالتالي:
أهلا بك يا صديقي

أثارتني تساؤلاتك لأنها لامست ذكريات مماثلة، فقدت كنت أعاني مما تسميه (الإمحاء) مباشرة بعد الانتهاء من القراءة!

أدركت سريعا أن الناس تتمايز في ملكاتها وتختلف في مداركها، فهناك من يحفظون بسرعو وينسون بسرعة، وهناك من لا يحفظون أبداً وإذا حفظوا لا ينسون أبداً، وبين الضفتين أنهار وجداول متفاوتة كل وما قسمه الله له. هذا هو (القدر).

أما (المقدور) فإن قاعدته تقول أن الإنسان كائن واع وقصدي ومتكيف!

أي أن الإنسان مثله مثل بقية الحيوانات المعقدة قادر على إدراك المقدمات وتحصيل النتائج، وهو مع ذلك يتميز عليها بقدرته على فهم الأسباب والتعامل معها.

فلنفترض أنني وأنت يا صديقي ونحن من قبيلة واحدة نعاني -وربما جميع أفراد القبيلة- من صعوبة في الحفظ، فـ(القدر) أن الصفات التي تحملها مورثاتنا (الجينات) هي من جنس “ضعيف الحفظ” وهي صفة سائدة حسب قوانين مندل الوراثية.

ولنفترض -جدلا- أن أبناء قبيلة أخرى من جزر الواق واق أسبغتهم أيدي (القدر) صفة “سرعة الحفظ” المتنحية حسب القوانين الوراثية.

لا شك أن هناك مجموعة من أبناء قبيلتنا -المباركة- سيستسلمون للقسمة الوراثية ويحيلون ضعفهم في الحفظ مقارنة بقبلية أهل الواق واق إلى (القدر)، هذه المجموعة يمكن تسميتها “أسارى القدر”.

بيد أنه ما من شك أيضا أن هناك مجموعة أخرى تؤمن يقينا أن (المقدور) يصنعه الإنسان باختياره وإرادته الحرة، فلا تستسلم لجبر المورّثات ولا تنصاع للقوانين المندلية بل تتعامل معها بحيث تتكيف مع إلزاماتها وفي نفس الوقت تتملص من قيودها وتتحرر من أغلالها. هذه المجموعة يمكن تسميها “ثوار المقدور”.

ثوار المقدور سيبتكرون طرقا وأساليبا للتغلب على النقص الذي تسببت فيه مورّثاتهم، ومن تلك الأساليب، على سبيل المثال لا الحصر:

1- القراءة الجماعية، بحيث يتفق جماعة من الأفراد على قراءة نفس الكتاب ومناقشته بعد الانتهاء منه.
2- كتابة النقاط المفتاحية في الكتاب في صفحة مستقلة حتى يتيسر الرجوع إليها.
3- استخدام أقلام التظليل للإشارة إلى النصوص الفارقة في الكتاب المقروء.
4- كتابة ملخص عن كل كتاب مقروء.
5- اعتماد أسلوب القراءة القصدية، أي قراءة كتاب ما لغاية معينة كبحث علمي أو كتابة مقال أو غير ذلك.

هكذا انظر إلى الأمر يا عزيزي

تحياتي

المثقف في وعيه بمحيطه الاجتماعي، وقراءته لتنوع مكونات مجتمعه الثقافية، وإدراكه الذاتي لتميزه الفكري، واستحضاره الواعي لموقعه الاجتماعي وواجباته الثقافية كمثل الفراشة التي تطير من زهرة معرفية إلى أخرى ومن بستان ثقافي إلى آخر في وعيها بجمالها وتميزها عن غيرها.
بل قد تستبد ببعض المثقفين روح الوعي بالذات حتى تصل بهم إلى درجة (النرجسية) التي ربما تكون –أحياناً- مرضية الأمر الذي يجعل المثقف متوحداً ومنكفئاً في وحشة العزلة التي اختارها في برجه العاجي بعيدا عن المجتمع وهمومه.
يبحث المثقف عن الحرية كما تبحث الفراشة عن الضياء، وكل فضاء يعطي المثقف مددا من حرية هو محراب يسجد فيه المثقف ويصلي ويقترب من حضرة التجلي فتنكشف أستار الكلمة وتتبدى آفاق الحكمة، إنها لحظة الإبداع، إنها خمرة الإمتاع التي من ذاقها اشتاقها وصار من عشاقها.
لا شك أن التقدم الثقافي والفكري في عمان قديم قدم هذه الأرض وشعبها، لكن تميزت الحقب السالفة باقتصار الريادة المعرفية على مجموعة قليلة من الناس، أما اليوم فقد انكشفت سماء المعرفة على الجميع، وصار التمايز اليوم بين المثقف وغيره أشد صعوبة منه في الماضي حيث كان المثقف هو المتعلم وغيره هو الجاهل الذي لم ينل حظاً من التعليم،صار تحديد المثقف وتمييزه اليوم فيه الكثير من الإشكالات والالتباسات، البعض يرى أن المثقف هو الشاعر، والبعض الآخر يرى أن المثقف هو الأديب، وآخرون يرون أن المثقف هو المشتغل بالقراءة، والأكاديميون يقدمون أنفسهم باعتبارهم آلهة الثقافة دون غيرهم، وأنا أزعم أن المثقف هو الشخص الواعي بواقعه وهموم مجتمعه وتطلعات أمته، الحاصل أن انتشار التعليم وتوفره للجميع وإن أدى إلى انتشال المجتمع من الأمية إلا أنه أفقده الارتباط بالمثقف الحقيقي القادر على تشخيص علله وتطبيب أوجاعه.
افتقد المجتمع الشعور بالحاجة إلى المثقف، فالمجتمع صار يشعر بأنه غير محتاج إلى وصاية جديدة تفرض عليه بجانب الوصايات الكثيرة التي يرزح تحتها،هذا تماماً ما شعر به إدوارد سعيد عند البريطانيين حين قدم برنامجا إذاعيا في محطة (البي بي سي) البريطانية، ويذهب إدوارد سعيد إلى أن من أهم عوامل هذا الموقف البريطاني العام حيال المثقفين هو موقف بعض المثقفين النرجسيين الذين لم يرق لهم مزاحمة العمال وسكان الضواحي لهم في قائمة حملة الشهادات والقادرين على القراءة وتوجيه المجتمع.
لم تكن تجربتنا العمانية مع انفتاح التعليم بنفس طول التجربة البريطانية والأوربية بل ولا حتى تجربة الدول الإقليمية المجاورة، لكنا ورثنا ذات الشقاق بين المثقف أو من يدعي كونه (مثقفا) وبين مجتمع يرى نفسه غير محتاج إلى طبقة تعطي نفسها حق التوجيه والنقد،ولأننا مجتمع حديث تعليميا وحديث العهد مع الاستقرار السياسي بعد حقبة طويلة من الفتن والانقسامات والتدخلات الإقليمية والدولية فإننا ما نزال نفتقد عنصر التجربة الذي يرجح كفة طرف على الآخر في تحديد دور المثقف والمساحة المتاحة له لممارسة دوره متابعا وناقدا وموجها.
عمر تجربتنا السياسية هو عمر المؤسسة الرسمية الحاكمة فقط، وعمر تجربتنا الثقافية ما بعد التعليم هو عمر مثقفينا المعاصرين، كل طرف يرى في نفسه الأهلية ويرى في الآخر نقصا، المؤسسة الرسمية تقدم نفسها باعتبارها (رشيدة)، وبعض المثقفين ربما لا يرونها كذلك، والمثقف يقدم نفسه باعتباره (حكيما) وبعض رجال المؤسسة الرسمية لا يرونه كذلك.
ليست المؤسسة الرسمية طيفا واحدا كما أن المثقفين ليسوا أيضاً طيفا واحدا، في أحداث عام 2005م وما عرف بقضية (التنظيم السري المحظور)، تبدى جليا أن خطاب المؤسسة الرسمية تتنازعه كفتان، فهناك كفة يمكن أن نصنفها في خانة (الرشاد) وهي تلك التي كانت تتحدث عما اعتبرته (أمراً داخلياً، وأخطاء بسيطة، ولا وجود للتنظيمات، ووحدة المجتمع، والولاء للوطن والسلطان)، وفي المقابل كانت هناك كفة تتحدث عما اعتبرته (تنظيما خطيرا، وفتنة، وسفك دماء)، وهذا الخطاب لا شك تفوح منه رائحة عسكرة الرؤى والحلول والوسائل.
في الجانب الآخر وجدنا المثقفين منقسمين بين متضامن مع مؤسسة (الرشاد) وبين متضامن مع مؤسسة (العسكرة) وبين متبرئ من الجميع، وبين منشغل بتوحده وعزلته ونرجسيته. ولعل حادثة التحقيق مع الصحفيين في عام 2008م وما تبعها من تعاط متفاوت من قبل جمعية الصحفيين وجمعية الكتاب والأدباء الأقرب إلى الأذهان في كشف حال التباين الفكري بين المثقفين في البلد.
ما لا يعيه بعض مثقفينا (المندفعين)، ونحن كما أسلفت جيل بلا تجربة أن الحرية التي ننشدها هي بدعة في مجتمع لم يعرف على مستوى التعبير سوى الانغلاق والانقياد، وما لا يعيه الكثير من أهل (العسكرة) في مؤسستنا الرسمية أن حرية الكلمة هي استحقاق طبيعي ملازم لحقيقة انتشار التعليم وخروج الناس من دياجير الجهل إلى أنوار المعرفة.
ونحن وإن كنا نقدر تعطش المثقفين إلى حرية الكلمة على النسق الذي نراه في الدول الديمقراطية، فإننا أيضاً نقدر الهاجس الأمني الذي يشعر به العسكر في المؤسسة الرسمية. ولئن كان كل طرف من هؤلاء مشغول بهمه، فإننا لا نملك سوى التوجه إلى فريق (الرشاد) في المؤسسة الرسمية وإلى فريق (الحكمة) في النخبة المثقفة كي يتحاورا من أجل الوصول إلى منطقة وسط تروي ظمأ المتعطشين إلى ما يسمونه (الحرية) وتسكن هواجس المتوجسين الاجتماعية والأمنية.
لقد خلق ابتعاد فريق (الرشاد) في المؤسسة الرسمية وفريق (الحكمة) في النخبة المثقفة عن معالجة قضية حرية التعبير فصالا حاداً بين بعض المثقفين وبين المؤسسة الرسمية، مما أدى إلى الزج بالبعض في غياهب الجب بجانب ما يشاع عن تحقيقات وتعليق للترقيات الوظيفية للبعض الآخر. ومما فاقم هذه المفاصلة هو صدور إشارات تشجيعية من فريق (الرشاد) في المؤسسة الرسمية مثل قولة (لن نرضى بمصادرة الفكر) وقولة (محاربة الفساد) الأمر الذي فسره بعض المثقفين (الخطابيين) بأنه فتح لباب حرية الكلمة على مصراعيه فانطلقوا يستثيرون حفيظة الشق العسكري في المؤسسة الرسمية والذي حركته هواجسه الاجتماعية والأمنية باتجاه مضاد، حتى بات البعض تائها في دوامة الالتباسات والعلاقات غير الطبيعية بين هذا الطرف وذاك.
حين فتحت شبكة العنكبوت (الانترنت) أبوابها، اكتشف كثير من المثقفين عالما أقرب إلى الخيال الميتافيزيقي من التواصل اللامحدود مع الناس في عمان وخارج حدود عمان وحتى خارج جمجمة الوطن العربي بل وحتى وخارج صندوق العالم الإسلامي بأسره، فانطلق هؤلاء في فضاء الشبكة العنكبوتية كما تنطلق الفراشة باتجاه الضوء، فأطلقوا العنان لأقلامهم وسنانهم كي يفرغوا شحنات ما اعتبروه كبتا لحرية الكلمة، وجاءت الكلمة موزونة أحيانا وغير موزونة في أحايين كثيرة، والسبب كما أسلفت نقص التجربة، الأمر الذي استفز الحفيظة الأمنية للمؤسسة الرسمية التي طورت وسائل تعاملها مع الشبكة العنكبوتية إلى درجة الاحتراف بحثا عن أمن تراه مهددا واستقرار تخشاه أن يتبدد.
لم يدرك أولئك المثقفون أن فضاء الانترنت الواسع ملئ حرساً شديداً وشهباً، ولم تدرك الفراشة المسكينة أن الضوء اللامع ليس سوى خيطا عنكبوتيا رصداً. في الانترنت تفشت ظاهرة المنتديات الحوارية التي يتحاور فيها الناس من خلال استخدام أسماء وهمية وأقنعة يتخفون وراءها مما يعكس شبقا حواريا لم يجد له سبيلا للتفريغ الطبيعي في المجتمع، الذين يكتبون من رواء حجاب القناع العنكبوتي ظنوا أنهم بعيدون عن أعين المؤسسة، ولم يبق لهم رقيب سوى الضمير الذي أخفق في أحايين كثيرة عن لجم شهوة التشفي والاعتداء عما يعتبره البعض خطوطا حمراء لا يجوز تخطيها.
لا يمكن تحميل طرف ما المسؤولية كاملة، فهناك أخطاء وقلة تجربة من الأطراف جميعا، وهذه الأخطاء يجب أن لا ننظر إليها باعتبارها مثبطات ومركبات نقص في شخصية العماني، بل علينا أن ننظر إليها باعتبارها دروساً تصقل خبرتنا وتجارب تعرك مسيرتنا نحو وطن أكثر قوة وأكبر  قدرة على حل إشكالاته بعيدا عن المفاصلة والصراع.
هناك إشكالية تبقى عالقة ما لم نقر بحقيقة قصر تجربتنا السياسية والتعليمية وبالتالي الثقافية ما بعد عهد التنوير في عام 1970م، ألا وهي حقيقة ضرورة إعادة مراجعة للقوانين الصادرة في الفترة الأولى من عمر التجربة الدستورية والقانونية للبلد، فقانون المطبوعات والنشر الذي صدر في الثمانينات هو ابن لحظته فقد حملت به ظروفه الزمانية والمكانية فهي أمه ومرضعته، وفصاله ربما صار ضروريا بعد أن شب العقل الجمعي العماني عن طوق لحظة صياغة القانون. لا يمكن أن نتهم الشق العسكري في المؤسسة الرسمية بالتشدد والتضييق فهو إنما يطبق القانون الذي أقره الدستور، وإنما علينا أن ندعو (الرشاد) في المؤسسة الرسمية و(الحكمة) في النخبة المثقفة للحوار حول صياغة جديدة لمواد هذا القانون المحتاج إلى إعادة ترسيم تفرضها الوقائع الجديدة على الأرض.
على المستوى الشخصي لا أجدني مستفزاً من أية قيود ضد الكلمة الحرة لأنني مدرك للاشكالات والالتباسات المحيطة بالكثير من المفاهيم التي لم تحرر بعد مثل من هو المثقف، ودوره،والحرية وحدودها، بجانب مفاهيم أخرى ليست أقل ضبابية مثل الخصوصية والوطنية التي يفصلها كل على هواه، بجانب شعوري الداخلي بأن المثقف الحقيقي لا يعجزه أن يعبر عن همومه وهواجسه بعيداً عن إثارة حفيظة أصحاب القلوب الموسوسة.
كانت المدونة جزءا من مشروع ثقافي كبير لإصلاح العقل العربي والمسلم، والمدونة عبارة عن نافذة أطل من خلالها على القارئ الباحث عن خطاب الإصلاح، لم تستفز مقالاتي في المدونة حفيظة المؤسسة الرسمية، ولا أدري ما السبب، هل هي الحكمة في التعاطي مع القضايا أم هي الرغبة في إيجاد توازن فكري داخلي،أم هي عين الرضا لما أكتب، أم هو استصغار وتسفيه واحتقار لما أنثره من حروف أتوهم أنها مهمة.
قد يجادل البعض في أن المقالات المطروحة في مدونتي لا تعالج قضايا الوطن وحرية التعبير، ولكني أجادل هؤلاء بالتي هي أحسن وأدعوهم إلى قراءة مقال (هموم الكتاب العماني) ومقال (أقنعة العنكبوت)، ومقال (الحوار مع الذات)، ومقال (المقدس والمدنس) ومقالات أخرى ليروا أنها ليست سوى نبش لتابوهات (المسكوت عنه) بعيدا عن الصراخ والضجيج واستفزاز هواجس الآخرين.
ما نحتاجه جميعا هو اللقاء والحوار بين فريق (الرشاد) في مؤسستنا الرسمية الكريمة، وفريق (الحكمة) في نخبتنا المثقفة العزيزة، ويتم في هذا اللقاء تطارح وجهات النظر حول قضية الهم الثقافي وحرية التعبير للوصول إلى كلمة سواء تضمن الحرية ولا تخل بأمن الوطن وثوابته.
 هذا والله والوطن من وراء القصد.

زكريا بن خليفة المحرمي.

 لا يموت المثقف بوفاة الجسد طالما ظلت روح فكره حاضرة في وعي الأجيال المتعاقبة،وقليل ما هم أولئك المثقفون الذين يتفاعلون مع الزمان ويتفاعل هو معهم فيصنعون جزءا من التاريخ إما بالفعل والممارسة أو بالتدوين،والشيخ سعيد بن حمد بن سليمان الحارثي الذي انتقل إلى رحمة ربه يوم الأحد الماضي هو أحد هؤلاء المثقفين الذين لم يدونوا التاريخ فحسب بل ساهموا في صناعته ونحت معالمه. لقد تميزت كتابات الشيخ سعيد الحارثي بالثورية الحكيمة التي لا تدعو إلى الفتنة والفوضى، كما اتسم خطابه بالنقد المنصف الذي يعترف بإحسان الخصم بنفس الدرجة التي يثبت فيها تجاوزاته. لقد كان كتاب الشيخ سعيد الحارثي (اللؤلؤ الرطب) أول كتاب يصف المرحلة التاريخية الواقعة بين وفاة الإمام محمد بن عبدالله الخليلي رحمه إلى فترة تولي السلطان قابوس بن سعيد آل سعيد حفظه الله، كانت تلك المرحلة من أكثر حلقات التاريخ العماني فتنا وفوضى واحترابا خاصة مع الانقسام الداخلي والتدخل الخارجي ووجود مطامع إقليمية ودولية.

لم يكن الشيخ سعيد في كتابته لأحداث تلك الحقبة يصدر من مصادر روائية للخبر بل كان هو ذاته ينقل الخبر ويرويه، لقد كان الكتاب عبارة عن سيرة ذاتية للشيخ سعيد الذي كان أحد الرموز السياسية في تلك الحقبة. لقد كان الشيخ الحارثي شاهدا على حقبة من أشد تاريخ عمان ظلمة واسودادا ومع ذلك استطاع أن يوثق الكثير من الأحداث بأسلوب تجلى فيه الوعي السياسي والفقهي والاجتماعي.  وهذا الوعي الثقافي الواسع بارز في كل مؤلفات الشيخ سعيد الحارثي، فالناظر إلى كتاب (نتائج الأقوال من معارج الآمال) يكتشف بداية أن الشيخ سعيد ألفه استجابة لإلحاح طلبة العلم الذين رأوا في الشيخ الحارثي خير شارح لكتاب (معارج الآمال) للشيخ السالمي، وهذه الثقة من طلبة العلم لها دلالاتها الاجتماعية العاكسة لشخصية الشيخ الحارثي المنفتحة على كل الأجيال، والكتاب يبرز مكنة فقهية هائلة لدى الشيخ الحارثي استطاع من خلالها اختصار كتاب المعارج المطبوع في ثمانية عشر جزءا في أوراق معدودة، إضافة إلى تضمين هذا المختصر (نتائج الأقوال) الكثير من تجارب وقراءات الشيخ الحارثي. 

 كان الشيخ الحارثي قريبا جداً من الناس، كان كثير الأسفار والترحال، ودائماً ما يحدثك في جلساته العامرة في بيته المفتوح لكل زائر وخاطر عن مشاهداته الحضارية والاجتماعية، ولقربه من الناس ومعرفته بأحوالهم شرع في تألف رسائل (غرس الصواب في قلوب الأحباب) لغرس روح الفضيلة في المجتمع بأسلوب أدبي رائع جمع بين بساطة العبارة وجزالة المعنى. كان الشيخ الحارثي متابعاً لأحداث العالم تبهجه أفراح الأمة وتحزنه أتراحها،كان بيته قبلة يأمها طلبة العلم وعامة الناس، حين سكن في مطرح كانت المنطقة التي حل فيها عامرة بالزائرين وحين انتقل منها أضحت جدباء موحشة لا زائر فيها ولا عامر. مجلسه لا يكاد يخلو من جماعة غادية ورائحة. لقد أعطى الشيخ سعيد كل وقته للناس تواصلا وتعليما وتوجيها وتطبيبا لجروح النفس، لقد كان الشيخ سعيد في خلقه وتواضعه وسمته ملاكا يمشي على الأرض يشع وجهه بنور الإيمان ويتوشح جسده ثياب الإحسان. لقد فقد الزمان الشيخ سعيد الحارثي وبكاه المكان الذي عمره بالإيمان والأخلاق الإنسانية النبيلة، ونحن لا نملك سوى الدعاء له بالرحمة والرضوان ولأنفسنا بالثبات على طريقه والسير في دربه وأن يجمعنا الله تعالى به في مقعد صدق عند مليك مقتدر. 

 

 

زكريا بن خليفة المحرمي

ملاحظة: نشر هذا المقال في جريدة الوطن العمانية يوم الجمعة 21/4/1430هـ 17/4/2009م ولكنه جاء مشوها حيث قامت الجريدة بحذف أجزاء منه وترقيع أجزاء أخرى، وقامت بتغيير العنوان إلى (سعيد الحارثي المنفتح على الأجيال) دون الرجوع إلي أو التشاور معي والحمد لله على كل حال.

موضوع العلاقة بين الفقيه والوعي الحضاري الزمكاني يحتاج إلى مقالات مطولة ودراسات ولكن أكتفي هنا بنشر هذا التعليق الصادر لي على صفحات جريدة “عمان” يوم الجمعة 6/3/2009م حول ندوة (الإسلام ومجتمع المعرفة) التي أقامها مركزالسلطان قابوس للثقافة الإسلامية، مسقط.

 جاء في الجريدة ما يلي:

من جهته قال زكريا المحرمي: إن إقامة هذه الندوة المرتبطة بالمعرفة والإسلام يعكس وعياً إسلامياً بضرورة مواكبة الانفجار المعرفي وما يحمله من متغيرات اجتماعية واقتصادية تستلزم إعادة صياغة للعقل الفقهي وفق المناهج العلمية التي لا تعترف بالانغلاق والجمود.

لقد لامست ورقة أحد الباحثين العمانيين بعداً يكاد يكون غائباً من حقل التفكير الفقهي المعاصر وهو المتعلق بموقع الفقيه في العصر الرقمي، فهناك شريحة كبيرة من الفقهاء الذين ما زالوا يخوضون حروباً ومعارك ضد التصوير والحضور التلفزيوني، وهناك شريحة لا بأس بها لم تدخل في عالم الشبكة العنكبوتية ولا تعلم كيف تعمل،وهناك فئة أخرى ما زالت تعتبر حفظ المدونات والمنظومات الوسيلة الأقرب لبناء الفقيه وهم لا يعترفون بحافظات الحاسوب والأقراص المدمجة والأقراص الليزيرية المضغوطة.

والسؤال الذي يطرح نفسه وحال الفقيه المعاصر هي كما يصفها البعض بحالة (العقل المستقيل) هل ما يزال الفقيه متربعاً مكانته السابقة التي كان عليها أيام ابن بركة وابن رشد وأبو يعقوب الورجلاني حين كان الفقيه هو الفيلسوف والمثقف الواعي بحال أمته ومتغيراتها الاجتماعية والثقافية أم أن فقيه اليوم استقال من الوعي إلى اللاوعي وترك مكانه خالياً ليملأه المثقف المعاصر ذو التوجه المختلف أحياناً إلى درجة قد تقترب وربما تبتعد عن دائرة المقبول شرعاً؟


كما ان الورقة التي قدمها باحث عماني آخر كانت عن الإصلاح والتجديد وإعادة صياغة الخطاب المعاصر بحيث يستوعب الاختلاف في الرؤى لأن تعدد الآراء هو السبيل إلى التقدم، لقد ألحّت الورقة على ضرورة الاهتمام بالفكر وتنمية مدارك العقل القادر على النقد والتحليل والمبتعد عن الجمود والتقليد.
 

الأمة اليوم بحاجة إلى تفعيل الخطاب المعرفي والتحليلي الذي قدمه الباحثون وأتمنى أن تخرج هذه الندوة بتوصيات عملية تعمل على تجسير الهوة بين عالمنا الإسلامي وبين الصعود المعرفي الكوني المنطلق في فضاءات الإنترنت، كما أتمنى على المؤسسات الرسمية أن تدفع بالفقهاء العاملين لديها إلى العالم الرقمي عن طريق إشراكهم في دورات عملية تملأ لديهم الفراغ المعرفي الرقمي الذي لا يجدر بالفقيه المعاصر أن يكون بعيداً عن ساحته.

 

ملاحظة: الباحث الأول هو خميس بن راشد العدوي، والباحث الثاني هو الدكتور حميد اليحمدي، والظاهر أن محرر الجريدة أرتأى حذف الأسماء لسبب أو لآخر.

المعرض الدولي للكتاب لا يعبر عن تظاهرة ثقافية تعيشها مسقط بداية كل عام وحسب بل هو يعبر أيضاً عن توجه حضاري نحو بناء مجتمع القراءة والعلم والتجدد الثقافي. كل أمة اتجهت نحو الصعود الحضاري انطلقت من وعي أن الجمود المعرفي يؤدي إلى التقادم والتزمت تلك الأمم شعار “تجدد معرفياً أو تبدد”. 

ومع ذلك يعيش الكثير من القراء هاجس حسن اختيار الكتاب واستثمار الأموال فيما يعود على الوعي والفكر بالنفع والدفع نحو آفاق المعرفة الرحبة، ومن هنا ينشأ قلق اقتصاد-نفسي تزيد حدته تلك الجاذبية والبريق التي تصنعها العناوين الرنانة والأغلفة الملونة والمزخرفة.

وكم من القراء من أغراه عنوان أو بريق ألوان وإذا بالكتاب لا يستحق أن تصرف في قراءته ثواني من وقتك الثمين الذي تتنازعه المشاغل في عالم السرعة الالكترونية والاتصالات الفضائية، فقيمة الكتب تتفاوت، فهناك كتاب لا تكاد تسيغه حتى تلفظه، وهناك كتاب تتصفحه سريعاً منتقلاً إلى غيره، وهناك كتب تستوقفك كل كلمة فيها، تأخذك عباراتها وتعبيراتها إلى عوالم أخرى من الإبداع وفضاءات أرحب من الإمتاع، هذا هو الكتاب الذي يخلق بنا أن نقرأه بل وأن نعيد قراءته لنلتقط درره وننظمها فكراً وثقافة قادرة على تغير وجه الأرض.

قليلة هي الكتب التي تساوي في قيمتها ملايين الكتب، إنها الكتب التي تغير الإنسان، لا ليس الإنسان وحسب، بل تغير الأرض والأكوان، وقد تبقى هذه الكتب حبيسة الأرفف وقد يغطيها الغبار، إلا أنها يوماً سيكتشفها الباحث عن المعرفة الصانع للثورة الثقافية.

وما أرومه في هذه العجالة هو التطرق إلى نماذج من هذه الكتب التي تستحق أن تحمل لقب “الكتاب” فكم من كتاب لا يساوي خاطرة في جريدة عابرة.

من أهم الكتب التي أعادت بناء تكويني الثقافي كتاب “العودة إلى الذات” للفيلسوف وعالم الاجتماع الإيراني علي شريعتي، هذا الكتاب اعتبره النافذة التي أطللت منها على فضاء المعرفة القائمة على النقد والموضوعية في التحليل، كتابا صاغ فيه الشهيد شريعتي حوارا بين أسس الأفكار المتصارعة في السبيعينيات، في هذا الكتاب يكشف شريعتي للقاريء أهمية البعد التاريخي للفكرة وتطورها، يعيد شريعتي في كتابه الفذ هذا الاعتبار إلى الذات التي ضاعت وسط زحام السذاجة في فهم الدين وما يسميه بـ “الاستحمار” في تقليد الآخر الغربي المنتصر، لقد أكدّ شريعتي في كتابه الرائع هذا على أهمية “علم الاجتماع” في دراسة الأفكار ونشؤوها وارتقائها في المجتمع وانتقالها من مجتمع إلى آخر. هذا الكتاب فتح شهيتي على مائدة الشهيد شريعتي التي تتألف من مجموعة واسعة من المؤلفات والتي شدني منها كثيراً كتاب “مسؤولية المثقف”، و”النباهة والاستحمار”، و”معرفة الإسلام”، و”التشيع العلوي والتشيع الصفوي”.

كتاب “السلطة في الإسلام” للمستشار عبد الجواد ياسين اعتبره الجسر الذي انتقل بي من ضيق الجمود على التراث إلى فسحة ممارسة علوم التشريح على النص التراثي، لقد أوضح عبد الجواد في كتابه هذا أن السلطة في الإسلام ليست لأي شيء آخر سوى “النص”، وهو يقصد هنا بالتحديد النص “الروائي” الذي زاحم النص القرآني حتى أزاحه!، وقد نشأ النص الروائي على أعين السلطة وسمعها، فكانت تغذيه بما تشاء حتى يدر لها الخضوع والتسليم من قبل الأتباع، ناقش عبد الجواد تطور حجية الرواية وكيف تمت صياغة مناهج الأمة من قبل السلطة الروائية، حتى انسدت آفاق الحرية الفكرية، وتم تقليص دائرة الإباحة التشريعية، وتمت تربية الأمة على النظرة الجزئية المفتتة والمشظية والمكرسة للفرقة والاختلاف والخضوع والتسليم لكل من تقلد كرسي السلطة باسم الرواية.

كتاب “الطريق إلى المستقبل” لفهمي جدعان يعتبر من أهم منجزات الفكر العربي في آواخر القرن العشرين، يلح جدعان فيه على ضرورة التعامل مع الإنسان لا باعتباره عقلاً محضاً كما يتوهم العلمانيون ولا عاطفة محضة كما يتوهم المتدينيون، ولا باعتباره تركيباً بيولوجياً محضا كما يتوهم آخرون، بل الإنسان عبارة عن مزيج من مكونات الثقافة الموروثة، ومكوّن الإرادة، والمكوّن السيكولوجي بأطيافه المتعددة “الشعورية” والعاطفية والوجدانية والانفعالية الغنية، والمكوّن اللاعقلاني أو اللاشعوري بما ينطوي عليه من رغبات ودوافع ومناشط سوية أو غير سوية، والمكوّن البيولوجي بمورّثاته الصارمة أو الشاردة التي تذهب كل مذهب في ضبط أو دفع نشاطنا الحيوي وأخلاقنا وطباعنا وأفعالنا وجملة مصيرنا. ثم يتحدث جدعان عن ظاهرة الأقنعة “النفاق” التي أضحت الصفة الأبرز في تعاملاتنا، ويثني على دور المثقف وعلى تاريخ الحداثة العربية وعلى العلاقة بين التراث والحداثة والتباسها حين يكون الوحي أحد عناصرها، ومن ثم يستعرض مفهوم الحضارة ومكوناتها الثقافية، ويدرس العلاقة التواصلية والتدافعية بين الحضارات فيناقش برنارد لويس وهنتجتون في مقالتهم عن “صراع الحضارات”، وغير ذلك الكثير الكثير مما حواه هذا الكتاب الفذ لمؤلفه المتميز.

محمد عابد الجابري اسم لا يمكن تجاوزه في ساحة الفكر العربي ومؤلفاته رباعية “نقد العقل العربي” و كتاب “نحن والتراث” و”المشروع النهضوي العربي” و”في نقد الحاجة إلى الإصلاح” تعتبر من أهم المؤلفات التي تثير القلق الفكري بصورته الحميدة وغيرها –أحياناً- كل بحسب الخلفية المعرفية التي يقرأ بها الجابري الذي امتازت كتاباته بسبك فكري ولفظي راقٍ، ولا تقلّ سلسة جورج طرابيشي “نقد نقد العقل العربي” في الأهمية عن كتب الجابري ومؤلفاته حيث ترسخ مؤلفاتهما حقيقة القصور في الجهد البشري وضرورة ممارسة النقد حتى على النقد ذاته.

كتاب “الاستشراق” لإدوارد سعيد يعد تحفة علمية جب ما قبله وما بعده من مؤلفات حول ظاهرة “الاستشراق” أصولها وفصولها وتطورها وارتباطها بالتوجه الكلونيالي الأوربي قديما والأمريكي حديثاً، ويفضح الكتاب البعد الديني للأصولية المسيحية في تمويل حركة الاستشراق ودعمها وتجنيد الكثير من العرب والشرقيين لخدمة مآرب الكنيسة والدول الاستعمارية.

من الكتب التي تمثل بالنسبة إلي محفزاً نحو إعادة صياغة المنهج في التفكير الفقهي كتاب “السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث” وكتاب “كيف نتعامل مع القرآن” للشيخ محمد الغزالي وهذه الكتب اعتبرها خلاصة تجربة الغزالي في الدعوة والبناء الاجتماعي، يلخص الغزالي في الكتابين أزمة الأمة في ابتعادها عن تدبر كتاب الله وانحرافها عن فهم السنة والخلط بينها وبين الرواية، وللغزالي تجربته الفريدة في مجال الدعوة انتقل فيها من طبق إلى طبق، ومن طور إلى آخر مع الجماعات الإسلامية، وهو كثيراً ما يعرّي الصور غير الحميدة التي التصقت بالكثير ممن يحتكرون المعرفة الدينية ويتبنون لا شعوريا خطاباً أقرب إلى الشعار الكنسي في القرون الوسطى “إحمل صليبَك واتبعني”.

كتاب “التوارة جاءت من جزيرة العرب” لكمال الصليبي، هو أروع بحث تاريخي تمتزج فيه الانثروبولوجيا بعلم الاجتماع والألسنية فيما يتعلق بتاريخ بني اسرائيل وارتباطه بالجزيرة العربية وانقطاع صلاتهم التاريخية بالشام عموماً وفلسطين تحديداً، الكتاب مارس عملية مخض للكثير مما كنا نعده مسلمات فإذا بها فقاعات جوفاء تتبخر حين يطرقها البحث العلمي، لقد أعاد هذا الكتاب ترتيب أوراقي المعرفية فيما يتصل بتاريخ بني إسرائيل الأمر الذي فتح لي آفاق أوسع في فهم وتدبر آيات القرآن المتعلقة بهذه المجموعة البشرية التي أقلقت التاريخ وأقضت مضجعه وما تزال.

كتاب “الفتنة” لهشام جعيط هو نموذج للدراسة التاريخية التي يمتنزج فيها الفكر والفلسفة بالصرامة التاريخية، وقد استفدت من منهج جعيط كثيراً في كتابي “الصراع الأبدي”.

من الكتب الرائعة أيضاً كتاب “الإجتهاد والتقليد والنظر” وكتاب “القطيعة بين المثقف والفقيه” ليحيى محمد، ففي هذين الكتابين يؤكد المؤلف على ضرورة اقتحام المثقف لحضيرة الفقه وأنه ربما يكون الأجدر من الفقيه التقليدي في تعاطي الأمور المستجدة على الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وأخيراً لا يسعني وأنا أنوه بالكتب التي تصنع التفكير وتخلق الوعي بالمادة الفكرية وتحرض على اقتحام أسوار النقد والتدبر والانتاج الثقافي والحضاري لا يسعني أن أغفل عن الكتاب العماني، فهناك حقاً الكثير من الكتب التراثية والمعاصرة تستحق القراءة ففيها الكثير من أدوات البناء الفكري والمنهجي، فمن كتب التراث الحقيقة بالقراءة كتاب “الجامع” لابن بركة، وآثار ناصر بن جاعد الخروصي المبثوثة في كتاب “قاموس الشريعة” لجميل بن خميس السعدي، ومن الكتب المعاصرة الثرية بالمعرفة والبناء المنهجي كتاب “أشراط الساعة .. النص والتاريخ” لخالد الوهيبي، وكتاب “الإيمان بين الغيب والخرافة” لخميس العدوي وخالد الوهيبي، وكتاب “الخوارج والحقيقة الغائبة” لناصر السابعي.

بالتأكيد ليست هذه الكتب وحدها تحمل صبغة إعادة بناء العقل والتفكير، بيد أني أزعم أنها الأهم على الأقل فيما يتعلق ببناء المنهجية والفكر الذي أسير عليهما، أنا لا أزعم أني أتيت على كل ما في المكتبة العربية، فهناك الكثير مما لم يسعفني الوقت ولا المال –أحياناً- على اقتناءه ومطالعته، وأحياناً عدم وفرة الكتاب بسبب توقف طباعته أو امتناع بعض دور النشر من الحضور إلى معرض الكتاب السنوي في مسقط ربما تكون من ضمن الأسباب التي حرمتني وغيري من فرصة الإطلاع على ابدعات مفكري الأمة ومثقفيها.

 إن القراءة فريضة دينية وحضارية والمستقبل كما يقول فولتير هو لمن يعرف كيف يؤديها، وقد حاولت فيما مضى أن أقدم خلاصة تجربتي الشخصية في محراب القراءة، متمنياً في الختام اختياراً موفقا للقاريء يرتقي به من القراءة المجردة إلى القراءة الإبداعية الخلاقة التي تستيطع أن تبني فكراً يستطيع أن يغير وجه الأرض إلى الأجمل، ويعيد صياغة الأمة إلى الأفضل. 

 


 اعتذر للقارئ الكريم إذ اكتب هذا المقال على عجالة من أمري حيث احزم أمتعتي استعداد للسفر عودة إلى أرض الوطن، ولكن قررت أن اكتب هذا المقال إجابة على تساؤل الأخ علي بن سليمان الرواحي وهو كاتب وصديق ذو ميول ليبرالية، حول فلسفة الدعاء في أزمة غزة الحالية. فالأخ علي يرى من منطلقاته الفكرية أن الدعاء كما يقول في منتدى الفلسفة الصغرى في موقع فرق (لا يخفى على الجميع أن اللجوء للدعاء وبقية تنويعات المقدس، يكشف عن عجز ٍ دنيوي في التعامل مع الأحداث والوقائع، وعن عدم قدرة هذا الكائن على مواجهة التحديات المختلفة بنفس الآليات والطرق.)اهـ.  على هذا الرابط
http://www.farrq.net/forums/showthread.php?t=2532
 
وأقول للأخ علي وغيره من الليبرالين والعلمانيين أن عليهم مراجعة مناهجهم الفكرية والفلسفية، فلا يليق بمن نصّب نفسه في قائمة النقّاد والمحلّلين أن يقع في فخ النتائج المسبقة التي لا تحجر صاحبها في سجون الزاوية الواحدة في النظر وحسب بل هي أيضا تقيد عقولهم عن الانطلاق في فضاء الرؤية الكلية والقراءة الشمولية.  وكثيرا ما يقع المتعصبون المتدينون والملحدون على حدّ سواء في فخاخ النتائج المسبقة التي تجرفهم بعيدا عن الموضوعية والبحث العلمي الملتزم بالحِرَفية الأكاديمية.
إن فلسفة الدعاء في الإسلام ليست تعبيرا عن العجز الدنيوي كما يزعم الرواحي بل الدعاء تعبير عن الوصول إلى أقصى غاية ممكنة في العمل الدنيوي، فالدعاء لا يأتي من المؤمن إلا حين ينجزّ واجباته ومهامه بإخلاص وإتقان وتفان بحيث لا يبقى هناك شيء باستطاعته فعله إلا وقد أنجزه، وما وراء ذلك مما يقع خارج نطاق قدرته البشرية، فهو يوكله إلى الله القادر في الضمير المؤمن على فعل كل شيء.
    

إن الدعاء الذي يتحدث عنه الرواحي والقائم على التسليم بالعجز لا يسمى في العرف الإسلامي دعاءً وإنما هو تواكل جاء الإسلام لتصحيح مفاهيمه في أذهان المؤمنين، وقد مررت شخصيا بتجربة قريبة جداً حيث خضت في الأيام الماضية امتحانات الزمالة الطبية لنيل شهادة FRCPath  

الطبية من الكلية الملكية البريطانية لعلوم الأمراض، وهي امتحانات أقل ما يقال عنها أنها الأصعب في مسيرة أي طبيب، ولكن بفضل الله تعالى اجتزتها بكل سهولة ويسر وتوفيق من الله بعد أن أنجزت ما تتطلبه الامتحانات من دراسة وبحث ومراجعة واستعداد وتهيئة نفسية وكان للدعاء دور كبير في تثبيت أقدامي وشعور بالثقة بالنفس والاقتدار وعدم الاضطراب بالرغم من طول الامتحانات العملية والتحريرية التي كانت لمدة أربعة أيام متوالية وفي كل يوم ثمان ساعات من الضغط النفسي والإنهاك الجسدي، ولكن توفيق الله وبركة الدعاء والأخذ بالأسباب جعلتني اجتاز الامتحانات بنجاح بينما تساقط الكثيرون حتى من البريطانيين أنفسهم لتقصيرهم إما في العمل أو في الدعاء الذي كنت أحضهم عليه حضا!

مشكلة الليبراليين أنهم ينظرون إلى الإنسان لا باعتباره كلاً واحداً بل باعتباره مقطعاً مجزءاً وأنه ليس سوى عقل محض، ولكن الإنسان أكثر تعقيدا واشتباكا مما يطرح الرواحي وغيره، بل الإنسان كما يقول فهمي جدعان في كتابه المميز “الطريق إلى المستقبل” عبارة عن عقل ووجدان ولا شعور وخلفيات معرفية ورغبات فطرية، كل هذه تتفاعل وتتمازج لتنتج لنا الفكر والسلوك البشري. والدعاء يأتي موافقا للتوجه العقلي بربط الأسباب بخالقها، وموافقا مع الوجدان واللاشعور والخلفية المعرفية القارة في أعماق الفطرة بأن الارتباط بالله عملا ودعاء هو السبيل إلى النجاح والفلاح.


زكريا بن خليفة المحرمي -لندن

لم أهيئ نفسي لامساك القلم بعد أن أبرمت معه اتفاقا على إعطاءه إجازة مفتوحة يستحلب فيها مداده المسكوب على أوراق دفاتري المبعثرة في الذاكرة، ولكن نهر الدم الذي جرى في غزة اليوم ضخ في عروق أقلامي بحاراً من المداد الأسود الحزين. بكى القلم حين عجزنا حتى عن البكاء، بكى القلم وسال من بيدي منفرطاً معاتباً الصامتين والشامتين والمتآمرين وهو يتمتم لاعنا: ويلكم وويحكم ألستم بشرا تجري في شرايينكم دماء كالتي أجبرت رغبا ورهبا على السيلان في أزقة غزة وشوارعها المكتظة بالجثث والأشلاء، أليست لكم أجساد كتلك التي تمزقت وتفحمت في أفران المحرقة السوداء. هل أنتم جلاميد صخر أم أن دمائكم زبد بحر. 

إن ما يحدث في غزة لينطق بأعلى أصوات الصمت أننا أمة مهزومة، مهزومة في عقلها، ومهزومة في وجدانها، ومهزومة حتى في إيمانها. إن الإيمان الذي لا يفجر جلاميد الصخر ولا يحرك الجبال ويكسر الأغلال ليس سوى خديعة للعقل ومصيدة للوجدان ومحرقة للعاطفة، إن الإيمان الحق هو انفجار كوني يعيد صياغة علاقة الفرد بكل ذرات الوجود، وهذه العلاقة الجديدة لن تكون أبداً بعد الإيمان كتلك التي قبلها بل ستكون محكومة بمنطق جبروت الإيمان القاهر الذي يفرض على صاحبه الشموخ والأنفة والتضحية والتلذذ بآلام المواجهة مع قوى الشر والفساد والرذيلة والحصار الجماعي والقتل العشوائي الذي تمارسه دولة الكيان الصهيوني الغاصب والمتآمرون معها. 

إني وإن كنت قد قلت قبل هذا أن الأمة بحاجة إلى إعادة صياغة مناهجها كي تنهض من كبوتها فإني أقول اليوم أن الأمة ميتة حتماً وقطعاً وجزماً إن لم تنتفض في وجه دعاة التخلف والتبعية والانقياد والجمود على مناهج الانحطاط والهزيمة التي يحاول أعداء أمتنا ربطنا بها كما فعل أسلافهم من قبل حين بثوا فينا روح الخرافة والأساطير وعبادة الظنون والأوهام والبعد عن القرآن وسنة نبي الرحمن المنطلقة من نصوص الكتاب المحكمة الذي لا يأتيه الباطل من بين أيديه ولا من خلفه. على الشباب المسلم اليوم أن يهيئ نفسه للحظة المواجهة، والتهيئة يجب أن تكون فكرية بالقراءة والمطالعة والعمل النافع للأمة، وتهيئة بدنية بالابتعاد عن السرف في المأكل والمشرب. والبدء بممارسة الرياضة البدنية، فلا يليق بأحفاد خالد بن الوليد وأبي عبيدة عامر بن الجراح وسعد بن أبي وقاص أن يكونوا أصحاب كروش مترهلة وأرداف متضخمة. 

على الأكاديميين أن يجعلوا من غزة وأهلها مشاريع لمقالاتهم العلمية حتى تكون مأساة أهلها حاضرة في أذهان أكاديميي العالم أجمع، فالطبيب عليه أن يكتب مقالات طبيّة عن الجراح التي تحدثها صواريخ الغدر الصهيونية، ويكتب عن سيكولوجية الخوف لدى أطفال ومراهقي غزة حين تهز قلوبهم أصوات صواريخ القتل الإرهابي الصهيوني، والمهندس بإمكانه الكتابة حول التصميمات التي يجب مراعاتها في الأبنية والشوارع والمرافق تفاديا للكوارث الإنسانية التي تحدثها الضربات الوحشية كالضربات الصهيونية، وخبير الزراعة يكتب عن تأثير الحصار على زراعة غزة، وخبير التجارة يتحدث عن الركود الاقتصادي وأثره لدى الجوعى في غزة. على المثقفين إقامة الندوات والأمسيات دعما لصمود مقاومة غزة وأهلها، وعلى الأغنياء والميسوري الحال التبرع للجمعيات التي تستطيع الوصول إلى مؤسسات الإغاثة التي تستطيع الوصول إلى غزة المنكوبة والمحاصرة والمحروقة. 

على علماء الأمة أن لا يفعلوا شيئا! فهم قد اعتزلوا ممارسة الفعل الإيجابي منذ زمن بعيد واستغرقتهم خلافات المذاهب والأفكار فنسوا –إلا من رحم الله- واجبهم اتجاه أمتهم وربهم، وأخشى ما أخشى أن تصدر فتوى من أحدهم تحرّم الدعاء لأهل غزة لأنهم لم يسبحوا بحمد ولي الأمر محمود عباس ولم يطيعوه في احتضان الصهاينة وتقبيل كوندلايزا رايس. فأمثال هؤلاء من الأفضل للأمة أن يناموا، فما فاز إلا النوّم! فعلا إن التاريخ لا تغيره سوى الأحداث الفجائية التي تأتي على حين غرة والأمة اليوم بعد حادثة هلوكوست غزة مطالبة باستثمار الحدث لإعلان النفير العام استعداداً للغد المنتظر، غد الخلاص والأمل، غد الحرية والنصر. 

زكريا بن خليفة المحرمي 

تعيش الأمة الإسلامية اليوم راهناً فكرياً يموج بالكثير من المراجعات والغربلة للتراث، خاصة الشق المقدس منه وهو المتعلق بالقرآن والسنة والعلوم المرتبطة بهما، وهذا الحراك يبشر بغد أفضل ومستقبل أكثر إشراقا، لا ريب أن هذا الحراك أحدث غبارا وأدخنة أحرقت البعض وأصابت آخرين بأمراض أعاقت قدرتهم على مواصلة النقد والفحص في التراث، بيد أن هذا الغبار ليس إلا نتاجا لنزع الأغطية المقدسة عن التراث ونفضها، وليست الأدخنة سوى محصلة لإحراق الزائف من الأفكار المغلوطة التي لم يخلو منها أي تراث إنساني.

فلهذا يتوجب علينا عدم الاستسلام أمام الضباب والأدخنة والغبار لإنها ليست سوى حجاب يمكن التعامل معه بالحكمة من أجل الوصول إلى مناطق التراث المحتاجة إلى إعادة فحص وترميم. أما الاستسلام والخضوع والابتعاد عن مهمة التدبر والنقد فإنه يُعبر عن قصور في فهم ظاهرة ردات الفعل المتشنجة من قبل بعض المعجبين بالتراث والمقدسين لغثه وسمينه. إن تاريخ الأفكار ليؤكد أن كل فكرة انتجها الإنسان لم تخلو من اتباع يكافحون عنها، لن يُعدم الفكر الإصلاحي المتحمسين من أصحاب الطاقات الذين يضخون فيه دماء الحياة ومزاحمة الأفكار الجامدة.


 

إن الاختلاف وتعدد الآراء لا ينبغي أن يكون وسيلة إلى الفرقة والخصام، وإنما يجب أن توجه طاقات المختلفين إلى إثراء المرجعية المعرفية للأمة، إن الفرقة والخصام ليست سوى نتاج لأفكار ضيقة محدودة تتوهم فناء العالم بمخالفة رأيها، فلهذا تجد أصحابها من أشد الناس تعصبا وخصاما، لا يقبل هؤلاء رأيا غير الذي رأوه، ويبرأون من صاحب الرأي مخالف، وهم بذلك يمارسون لا شعوريا الشعار الفرعوني {مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى}غافر: 29. كل منا يمتلك فرعونا قابعا في داخله، لكن العقل يقيده ويصرفه عن ممارسة الاستبداد، ولكن هذا الفرعون استطاع أن يعطل عقول المتعصبين فيستبد بها ويطلق سهامها نحو مخالفيهم براءة وتكفيرا.


 

أما فتح أبواب الحوار وتعدد الأراء والأفكار فهو رديف للحكمة الإلهية، فالله سبحانه وتعالى حاور ملائكته قبل استخلاف البشر على الأرض، {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء}البقرة: 30. بل ما هو أكبر من ذلك فقد قصّ الله علينا حوارا وقع بينه وبين أشد المخلوقات جحودا وظلالا، حوار بين الله والشيطان، جاء فيه {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}الأعراف: 12، ذات الحكمة الربانية القائمة على الحوار نجدها ماثلة في ممارسات الأنبياء التي قصّها القرآن الكريم، فهذا إبراهيم يحاور ابنه ويطلب رأيه في تنفيذ الأمر الإلهي من عدمه (الصافات: 102)، وهذا إبراهيم يحاور الملائكة ليصرفهم عن عقاب قوم لوط (هود: 75). وهذا يعقوب يحاور ابناءه وينزل عند قولهم مع ظنه بسوء نواياهم (يوسف: 11-14). وهذا سليمان يحاور الهدهد قبل أن يصدر عليه حكما عقابيا على تخلفه عن الاجتماع، وينزل عند رأيه لقوة حجته (النمل: 20-22). وهذه ملكة سبأ تحاور قومها ولا تستبد بالرأي عنهم {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ}النمل: 32. وهذا محمد يأمره ربه أمراً، ويفرض عليه فرضا الحوار والاستماع إلى الرأي الآخر{فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}آل عمران: 159.


 

هذه نماذج من الحوار القرآني بين الخالق ومخلوقاته وبين الملائكة والأنبياء والصالحين الذين أمرنا بالاقتداء بسنتهم {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}الأنعام: 90، وهذه الحوارات ليست في أمور زائدة عن الحاجة بل هي حوارات في صميم الإيمان والتوحيد، وتتعلق بالتشريع وتطبيقاته في الواقع. ليست الحوارت التي قصها القرآن الكريم من قبيل التسلية والاستمتاع، وإنما هي حوارات مأسِسة لمبدأ الحوار الإيماني الذي لا يقل أهمية عن مباديء الإيمان الأخرى كالتوحيد والتنزيه، ولا تقل أهمية عن أصول التشريع المرتبطة بأحكام الصلاة والزكاة وغيرها.


 

إن الحوار والاستماع إلى الآخر فريضة قرآنية لا يستقيم إيمان المرء دونها، ولكنه للأسف الشديد تمت تنحيته في أغلب خطابات الإسلاميين، واستعيظ عنه بخطابات فرعونية انحلت من قيود العقل وتفلتت من زمام التوجيه القرآني، لقد تم تغييب الرؤية التقريبية للحوار وكونه أداة لاكتشاف وتصحيح المعرفة وتم الاستعاضة عنه برؤية انتهازية لا ترى فيه سوى وسيلة إفحام وتبكيت للخصم وإيصال رسالة وعظية إليه، فلهذا لا يكاد الحوار يبدأ حتى تستفز البنى المعرفية من اللاشعور، وتبدأ مصلطحات الأدلجة مثل قطعا وإجماعاً تطفو على السطح، وحين يعجز طرف عن إقناع الآخر يوجهه الشعور بالفشل نحو التشنج والانفعال والبراءة والتكفير.


 

وإن تعجب فعجب ملأ هؤلاء لردهات ما يسمى مؤتمرات حوار الأديان والثقافات، وليس ذلك بعجيب، فتواجدهم هناك تم طوعاً لتكريس زعامتهم العاطفية لأمة مسلوبة الرأي، أو كرها لتقديم فروض الولاء والطاعة للآخر المنتصر عسكريا واقتصاديا، إن حضور مؤتمرات الحوار مع غير المسلمين في ذات اللحظة التي يختطف فيه الحوار داخل البيت الإسلامي ليكشف بعمق ظاهرة الاستبداد والتسلط الفكري التي يعاني منها الخطاب الإسلامي، إضافة إلى التشويش الذهني الحاجب لحقيقة بدهية مفادها أن القصور الذي قد يبدو عن بعض المسلمين أفضل من الكفر البواح الموجود عند غير المسلمين، والمسلم المقصر أولى بالحوار والاحتضان من غير المسلم.


 

ليس التعصب والتكفير طارئا على مجتمعاتنا الإسلامية وإن كان مستفزا وسائدا في الفترة الراهنة، فقد ابتدأت بذور التعصب مع آخر أيام الخليفة عثمان، كانت بداية الاختلاف سياسية بامتياز وقادها الثوار ضد عثمان، ووجهها الأمويون ضد علي وشرعية خلافته، ورسختها من بعد المؤسسة الفكرية التي انشأتها الدولة الأموية لاستمالة القلوب والعقول الناقمة على سياسيتها، لم تجد تلك المؤسسة أمام هذه الحشود من المسلمين التي لا تحتكم سوى إلى ميراث محمد (القرآن والسنة) سوى الرواية سبيلا لتأسيس شرعيتها، وأنهم قضاء الله وقدره الذي صيرته الرواية ركنا إيمانيا سادسا! واستلم الفقهاء تركة الصراع السياسي بين الأمويين ومخالفيهم وبدأوا في التنظير للخلاف وتأصيل المفاصلة بين الأحزاب وتأسيس المذاهب وفقا لاحتيجات كل حزب من المخزون الروائي الذي صار كلأ مستباحاً كل يروي فيه ما يشاء ويختلق فيه ما يهوى، حتى تضخمت الروايات وصارت تلالا تعد بالآلاف المؤلفة والأطنان المكدسة.

وحين استفاق الجميع من سكرة اللهاث الروائي بدأوا في عملية غربلة ذلك المخزون الهائل من المرويات، إلا ان عملية الغربلة تلك اكتفت بنقد القشور المرتبطة بإسناد النقل، ولم تحفل –وإن ادعت ذلك-بدراسة متون الروايات ومضامينها، فورثنا بغير حول منا تركة هائلة من المرويات التي تصدمك دلالالتها المخالفة للحس والوجدان والعقل والقرآن، بل هي مخالفة لسنة النبي التي اتفق الناس عليها، وهي مع ذلك متشاكسة متضاربة لا تكاد تجد موضوعا إلا وفيه رواية أو أكثر متعارضة في الدلالة.

وطغت على الأمة النظر ة الإسنادية باعتبارها حافظاً للسنة والدين، وصار كل مسلم مداناً بالتجريح ما لم تثبت عدالته! وسيطرت على العقول النظرة الجاسوسية المتوجسة من كل صاحب فكرة، وسلت سيوف التجريح والبراءة، وسالت دماء التكفير، وأخرست أصوات الحوار، وهذا هو أصل اختلاف الأمة وتمزقها، إنه الرواية ومنهجها الإسنادي، يقول ناصر بن جاعد الخروصي: “إن أصل اختلاف الأمة في الأحكام نقل الأحايث التي هي كذب ممن تقول بها على النبي”.


 

لقد باءت كل محاولات الإصلاح التي قام بها الرواد المسلمون لإيقاظ الأمة من غفوتها بالفشل وأصيبت محاولات من بعدهم بالفتور والخلل، فالمدرسة الإصلاحية لمحمد عبده بشرت بمنهج “المقاصد التشريعية” إلا أن جذوته ما لبثت أن انطفأت تحت هدير الرواية ومنهج أهل الحديث الذي اتهم هؤلاء بإنكار السنة ورد الروايات التي لا تتوافق مع أهواء أصحاب نزعة “المقاصد التشريعية”. ورجعت الأمة إلى صندوق الرواية من جديد وظلت عقول مفكريها حبيسة أغلال المرويات التي تجزيء التفكير وتشظيه بدل أن تدفعه إلى رحاب الرؤية الكلّية والشمولية التي جاء بها القرآن.


 

إن التعصب والتكفير والبراءة من المخالف ليس طارئا على مجتمعاتنا الإسلامية بل هو نتيجة حتمية لتراجع دور العقل وانحسار دور المدرسة الفكرية القائمة على النقد والتدبر والنظر في النصوص والأخبار. إن الدعاية المضادة التي وجهها أهل الرواية ضد مخالفيهم من المفكرين نقاد المتون لتكشف عن إيدلوجيا وجدانية صارخة يختزنها هذا الخطاب، فهو يقدس الرواية ويتعامل معها بإعجاب يفقده القدرة على النقد الحيادي، فلهذا وسمت قراءته للمتون الروائية بـ “القراءة التلفيقية والتبريرية”، واصطنعوا لذلك ما اسموه فن “تعارض الأخبار”، بحيث يوفقون بين الدلالات المتعارضة للروايات المتناقضة، يقول ابن خزيمة: “لا أعرف أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثان باسنادين صحيحين متضادين، فمن كان عنده فليأت به حتى أؤلف بينهما”. هذا التعامل مع التراث والمنطلق من حس وجداني منبهر إعجابا بالمادة التي ينبغي أن يقوم بنقدها وتقويمها سيخفق لا ريب في الوصول إلى نتائج ذات جدوى، ذات الاخفاق متحقق أيضاً إذا ما انطلقت القراءة النقدية من أسس معادية للتراث كما هو الحال مع “الاستشراق”.

الأمة اليوم بحاجة إلى النقد الموضوعي الذي يستطيع الالتزام بالحياد الاكاديمي بعيدا عن رياح الأحقاد وأضواء الانبهار. الأمة بحاجة إلى أن تخلع التلسكوب الذي تنظر من خلاله إلى التراث وكأنه شمس تخطف الأبصار، وأن تقوم بتشريح هذا التراث وفحصه مجهرياً لتعرف مكوناته ودقائقه ومواطن القوة والضعف فيه، على الأمة أن تقوم بعملية جرد فكرية للتراث تمحصّ فيه الأصيل فتحافظ عليه وتجعله أساسا تبني عليه مستقبلها، وأن تفرز الغث الهزيل وتتخلص من إلزاماته المفرقة للأمة والمثبطة لنهضتها والمعطلة لانطلاقتها، ولن تستطيع الأمة القيام بهذه المهمة الحضارية ما لم تلتزم بقواعد البحث العلمي القائم على الموضوعية والحياد.


 

أمتنا اليوم بحاجة إلى المصارحة والحوار والتشخيص السليم لعلتها، فمواجهة الإلزامات الحضارية الراهنة من خلال افتعال صراعات مع المفكرين الذين يرومون نقد التراث وتميز غثه من سمينه ليس سوى وسيلة ساذجة للهروب، والإخلاص لتراث الأمة يلزمنا بمواجهة تحديات اللحظة والصمود أمام تيار التفوق الحضاري للآخر، وذلك لا يكون بالتكفير والتفسيق والبراءة من المخلصين من ابناء الأمة ممن سار في ميدان المواجهة النقدية وحيدا غير آبه بتقهقر الآخرين وتثبيطاتهم، بل المواجهة إنما تكون بالتجرد من التقديس الزائف وغير الموضوعي للتراث، فالتقديس الحقيقي لا يكون إلا حين نمارس عمليات التشريح وإزالة الأورام والأسقام من جسد التراث.


 الأمة محتاجة إلى أصوات عاقلة محملة بالفاعلية والحركة في اتجاه التسامح والبحث العلمي وفتح أبواب الحوار وتعدد الآراء، على الاستبداد أن يبقى في مساكنه ويفسح الطريق لجيش الأفكار كي يطهر الأرض من أدران الزيف وعوائق الاستخلاف الحضاري للأمة.

هموم الكتاب العماني  (1-2)

تثار في مجالس الكتاب والأدباء مناقشات حول ما يسميه البعض ظاهرة “ركود الكتاب العماني”، والركود هنا بقدر ما يحمل من معاني سكونية على مستوى التوزيع والانتشار ينطوي بالسواء على شحنة غير يسيرة من تهم الخواء المضموني إضافة إلى اللغة المفرطة في الجمود القاتل أو الحركية المتهورة.


 

وأكبر دليل على بروز هذه الظاهرة -عند من يؤمن بها- قلة توزيع الكتاب العماني مقارنة مع غيره، ونحن لا نختلف مع هؤلاء حول تشخيص الظاهرة مع تحفظنا على تقديرهم لدرجة حضورها، فنحن متفاؤلون جدا من واقع تجربة ذاتية مع تأليف الكتاب –العماني-من قدرة هذا الكتاب على الانتشار وتحقيق القبول عند القراء، ومع ذلك نرى أن الحلّ للإشكالات التي يعانيها الكتاب العماني لا تكمن بأي حال من الأحوال في التذمر المزمن الذي يعانيه البعض، وإنما الكتاب العماني بحاجة إلى رؤى فاعلة تستطيع مده بالطاقة اللازمة للمنافسة في سوق الانفتاح الفكري والمعرفي وتوفر المنافس القوي.


 

وقد اطلعت على دراسة لطيفة قامت بها إحدى الرائدات في العمل التربوي التطوعي من خلال مركز الزهور التطوعي في الغبرة أوضحت من خلالها أن 94% من القراء لا يهتمون بجنسية المؤلف، لكن ما هو جدير بالملاحظة أن 16% من فتيات المرحلة الثانوية لا يحبذن اقتناء الكتاب العماني! وأن 34% يعتبرون عنوان الكتاب العماني غير جذاب، وهذه النسبة تتضاعف عند طالبات المرحلة الثانوية إلى 50%، و41% غير راضين عن تصميم الكتاب العماني، وتنخفض هذه النسبة إلى 17% عند طالبات الثانوية، و19% غير راضين عن قيمته بينما 83% من طالبات الثانوية غير موافقات على سعر الكتاب العماني.


 

هذه الدراسة الرائدة التي تكشف بعمق ظاهرة “ركود الكتاب العماني” –على الاقل عند العينة التي طالها البحث- تستدعي من الباحث وقفة تأمل على أكثر من صعيد، ففي تصوري أن الاشكالات التي يعانيها الكتاب العماني لا تنحصر في المؤلف وحده بل تتعداه لتطال مستويات أخرى لا حول له فيها ولا طول، ومع تشعب المسألة واتساعها إلا أنها غير عصية على الدراسة إذا ما تم النظر إليها وفق ثلاثة مستويات:


 

أولاً: الكاتب. فالكاتب عليه أن يكون واعيا إلى أن قرار تأليف الكتاب يستتبعه مسؤوليات فكرية واقتصادية، فالأمر ليس ككتابة الخواطر والهمسات التي تطويها الصحف اليومية بمجرد صدور صفحة الغد! عليه أن يكون على وعي بالحالة الثقافية للمجتمع وهل هو بحاجة إلى المادة التي يراد تضمينها الكتاب، وعليه أيضاً أن يدرك الخطاب الثقافي العام فلا يصعقه بخطاب خشبي جمد عند لحظة تولد صراعات الخروج والتشيع والإرجاء والاعتزال، ولا ينزلق به في منحدرات الحداثة المتهورة فيصطدم مع قيمه وأعرافه دون وعي لضرورة المرحلية في البناء والتغيير، حتى جغرافيا المكان يجب أن يراعى فيها الأنسة وعدم الاغتراب، فهناك من يكتب عن أشجار السنديان وهو لا يعرف شكلها، وعن الصفصاف وهو لا يعرف لونه، وعن شخصيات شرقية وغربية يكاد زيتها ينطفيء ولو لم تمسسه ظلمة الاغتراب عن واقع القاريء ومجتمعه.


 

على الكاتب أن لا يتعالى على المجتمع بتقديم خطاب مشفر أقرب إلى الذاتية والتوحد والتشفير يستحيل على القاريء أن يفك ألغازه، فهو بذلك لا يخلق هالة من الاغتراب عن المجتمع وحسب بل يأسس سبيلا للانعزال والتوحش النفسي والاجتماعي الذي عانى منه نيتشه في أواخر عمره.


 

على الكاتب أن يستشعر وهو يكتب أهمية الاحتفاء بتراث من يريد توجيه كتابه إليهم، فمن المؤسف أن يكتب البعض عن العظماء فيضيف إليها شخصيات أقرب إلى السذاجة والبله ويغفل عن عظماء ارتبطوا بالتاريخ العماني من امثال طالب الحق وأبو حمزة الشاري والجلندى بن مسعود والوارث بن كعب والخليل بن أحمد وابن المبرد وأحمد بن ماجد وغيرهم كثير، وهنا أثني على ديوان “صهيل فرس حروري” للشاعر عبدالله بن حمد المعمري الذي صاغ في لوحة شعرية ملحمية سيرة أبي بلال مرداس بن حدير التميمي صديق جابر بن زيد الأزدي العماني، فكم نحن بحاجة إلى قراءات أدبية إبداعية كرائعة المعمري لتراثنا العماني بدل إهماله بدعوى اقتصاره على مسائل الفقه والشريعة.


 

على الكاتب أن يعي أن كتابه ليس الأول ولا الآخر، فإن كان يريد لكتابه النجاح عليه أن يتفانى في إبداع أفكاره وصياغتها بالطريقة الأمثل لنوعية القراء الذين يستهدفهم، وعليه أيضاً أن لا يغفل عن مسألة الاخراج الفني للكتاب وتصميم غلافه والدعاية الإعلامية له سواء أكانت من خلال الصحف أو المواقع الإلكترونية أو الرسائل النصية القصيرة.


 على المؤلف إدراك أن فعل تأليف الكتاب ليس رديفاً ولا شبيها بكتابة الخواطر والقصائد، فهذه تنضج بمجرد إفراغ الذهن لها في قالبها المكتوب، أما الكتاب فإن تأليفه يمر بمراحل عدة، تبدأ بتدوين الأفكار، يتلوها صياغة العبارات، يتلوها إعادة قراءة وتصحيح لـ “مسودة” الكتاب الأولى، وهذه المرحلة هامة وحاسمة حيث تشكل لحظة الإنضاج الفكري والإفاضة التعبيرية وانتخاب الأجود من الأفكار والعبارات لتستمر في “المدونة النهائية” للكتاب، هذه المرحلة تتلوها أخرى يتم فيها مراجعة عامة للنواحي اللغوية بحيث تصحح الأخطاء الإملائية والنحوية وترمم التعابير اللغوية الركيكة وغير المناسبة لموضوع الكتاب.

بعد كل هذه المراحل التي أمسك فيها المؤلف كتابه بالمعروف حتى لا يسمعه الناس وهو يفكر بينه وبين نفسه، ساعتها فقط يمكن لمؤلف الكتاب أن يسرحه بإحسان فيخرجه للناس. روى العوتبي في “ضياء الضياء” عن إياس بن معاوية أنه قال: “من ألفّ كتاباً فقد إستهدف، فإن أحسن فقد إستشرف، وإن اساء فقد إستقذف، ثم لا يخرج كتابه من يده حتى يقرأه ويصححه، ويحرره ويوضحه، ليخرج سالماً صحيحاً واضحاً فصيحاً”اهـ.


 ورجوعاً إلى الدراسة التي تمت الإشارة إليها في مقدمة المقال يتضح بجلاء أن ابناء الجيل القادم والذي يعيش لحظات المراهقة في طريقه الطويل إلى النضج والبناء به نسبة لا بأس بها من المحبطين وغير الراضين عن شكل ومضمون الكتاب العماني، وهذا يستدعي منا دراسة متفحصة تأخذ بعين الاعتبار الاختلاف في بنية التفكير بين الأجيال خاصة الجيل القادم الذي هو نتاج طبيعي لثقافة العولمة والانفتاح المندلق على الآخر بخيره وشره، إن دس التراب واتهام هذا الجيل بالضياع وسوء التربية لا ينتج سوى مزيد من المفاصلة بين الكتاب العماني وقراء المستقبل، علينا دراسة اهتمامات هذا الجيل وتطلاعته وتقديمها في صورة مبهرة تستطيع أن تربطه بتراثه وقيم مجتمعه، إن التأليف ليس ترفاً نمارسه كلما عنّت شهوة الكتابة بل الكتابة قيمة والتزام، وكل كاتب لا يعي هذه الحقيقة البدهية فهو غير جدير بهذه المهمة.
هموم الكتاب العماني (2-2)
تعرضنا في الجزء السابق من المقال إلى المسؤوليات الملقاة على عاتق المؤلف العماني، والأدوار المنوطة به لإنتشال الكتاب العماني من حالة “الركود”، وفي هذا الجزء سننظر إلى القضية من خلال مستويين آخرين وهما السلطة والقاريء.

ثانيا: السلطة. ثقافة أية أمة هي المحرك لها نحو البناء والتقدم، وقليل ما هم المسؤلون الذين يدركون أهمية الثقافة وقيمة المفكرين، والتراث العالمي فضلا عن التراث العربي غني بشواهد شعرية وقصصية وأحيانا أسطورية تؤكد على أسبقية المفكر على المسؤول في سلّم الأهمية الاستراتيجة للمجتمع والأمة، فالأمم لا تتحرك ولا تتقدم إلا بالفكر وأهله.


 

إن السلطة منصب إداري يتعاقب عليه الناس، لكن الفكر موهبة لا يمكن توريثها وإخلاء طرف المفكر منها فتُسرح إلى غيره. والكتاب ثروة لا تقدر بثمن، وهل قامت أمة الإسلام إلا بالكتاب العزيز، فلا عجب أن يقول مكيافيلي في مقدمة كتابه الشهير “الأمير” مهدياً كتابه إلى أميره لورنزو بيارو دي ميشي: “جرت عادة الناس في كسب ود الأمير على محاولة هذا الكسب بتقديم الهدايا إليه من الأشياء التي يعتقدون غلاء ثمنها أو تلك التي يعرفون محبة الأمير لها، وهكذا تنهال على الأمراء الهدايا من أمثال الخيول والأسلحة والملابس المذهبة واللأليء وغير ذلك من أدوات الزينة اللائقة بمكانتهم. وقد تمكنت بعد طويل جد وكد من التأمل والاستقصاء في أعمال العظماء، وتوصلت إلى نتائج أقدمها إلى سموكم ضمن إطار مجلد صغير ليس في مكنتي أن أقدم إليكم هدية أعظم من تمكينكم في فترة قصيرة من فهم جميع الأمور التي تعلمتها منفقاً في تعلمها سنوات طوالاً من الانزواء والمخاطر”.


 

إن قيمة المفكر لا تكمن في الأفكار التي ينتجها ويولدها ويغرسها في المجتمع وحسب بل يتعدى ذلك إلى كونه قبلة يُحج إليها من أصقاع الأرض كما يحج الناس للجامعات العلمية والأماكن السياحية، فكم من سائح لا يقصد في زيارته سوى الالتقاء بالمفكرين والمبدعين، إن تجاهل بعض المسؤولين لدينا للمفكرين يشي بإشكالية إدارية تحتاج إلى إعادة فحص وتصحيح مسار من قبل صناع القرار، فالجهل بقيمة المفكر لا يقل في خطورته عن عدم الوعي بمكونات وأسس الأمن القومي القائم على الجغرافيا والتاريخ والثقافة، فلإن كانت الجغرافيا جزءا من القدر فإن التاريخ والجغرافيا جزء من المقدور الذي لا يصنعه أحد سوى المفكرون. ويحز في النفس كثيرا أن بعض المسؤولين لا يدركون هذه الحقيقة التي تكاد تكون ضرورية لا شية فيها.


 

إن الدولة المتقدمة حضاريا تمارس التشجيع للمفكرين بسخاء منقطع النظير، فهي توفر لهم الدعم المادي والمعنوي، فعلى سبيل المثال تقوم بعض الدول بتفريغ مفكريها من أعمالهم وتدفع لهم رواتب وعلاوات وحوافز لا لشيء سوى ليكتبوا قصيدة أو رواية أو قصة قصيرة! قد يعجب بعض مسؤولينا من ذلك ولكن حين ندرك أهمية الانتاج الثقافي في الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأسري للأمم ساعتها فقط يمكنهم إدراك الحكمة وراء هكذا سياسيات تقدمية متحضرة.


 وإني إذ أذكرّ الجميع بالحقائق السابقة لا استطيع إغفال الحركة المتسارعة والداعمة للحركة الثقافية في عمان، لكن ما يحركني إلى التذكير هو الرغبة في تعزيز المنجزات وتجاوزها إلى فضاءات أرحب من التقدم الفكري والحضاري لبلدنا وأمتنا، هناك الكثير مما يمكن للمسؤولين إضافته لدعم الكتاب العماني.

يتساءل البعض: هل يجهل مسؤولونا أن اكثر الإبداعات العمانية طبعها أصحابها وفق عقود ظالمة اضطروا بموجبها إلى التنازل عن حقوقهم الفكرية مقابل حفنة من النسخ لا تتعدى بضعة مئات؟ أدوار كثيرة ينتظرها المفكر والأديب العماني من السلطة، فإن كان أمر التكريم والاحتفاء والحوافز المادية أقرب إلى الرومانسية الحالمة فلا أقل من تسهيل السلطة لإجراءات استصدار تصاريح النشر التي هي أصعب أحياناً من إجراءات طلب عقار!

على الجميع أن يتخفف من قيود الرقابة، وعلى السلطة أن تسن قوانين تكفل حرية التعبير وعدم وقوع المفكر والأديب تحت طائلة المحاسابات القانونية إن بدأت لا تنتهي. وزارة التراث والثقافة تستطيع أن تتبنى مشروعاً لطباعة جميع الاصدرات العمانية ونشرها داخليا وخارجيا بما يحفظ حقوق المفكر والأديب العماني. وزارة الإعلام ومؤسساتها التلفزية والإذاعية والصحفية عليها دور كبير في الترويج والدعاية لابداعات العماني، وزارة التربية والتعليم العالي والجامعات عليها دور وطني في إعادة صياغة مناهجها بحيث تستوعب الطرح الإبداعي العماني، كما أنه يناط بها إقامة ندوات خاصة بالمفكر والأديب العماني، كما أن المخصصات المالية الطائلة التي ترصدها هذه المؤسسات لشراء الكتب من معارض الكتاب يجب أن توجه في المقام الأول لدعم الكتاب العماني، وهناك الكثير مما يمكن للسلطة في أية بلد القيام به خدمة للفكر والثقافة والوطن.

ثالثا: القاريء. القاريء يمثل الحلقة الأهم، فحكمه هو القول الفصل على الكتاب بالنجاح أو الفشل، فالكتاب لم يُؤلَّف ليكون مكدساً في المخازن وأرفف المكتبات، وإنما كُتب كي تتسابق إليه أيدي القراء، بالتأكيد الكتاب العماني لم يصل إلى مرحلة الكمال، ولكن غيره أيضا لم يصل إلى تلك المرحلة فالتخلف الفكري في عالمنا العربي والإسلامي يعد ظاهرة عامة لا تختص بقطر أو إقليم معين، والقاريء باستطاعته أن يدفع حركة الفكر والتأليف في البلد نحو الكمال إن هو بادر إلى تشجيع الكاتب ودعمه باقتناء الكتاب ونشره والترويج له.


 

في دول العالم المتقدم يصطف الناس طوابير لشراء كتاب الرياضيين والمصوريين والرساميين لا لجودة مضامينها وإنما هو العرفان للمؤلف وتشجيعا له ودعما لمسيرته الإبداعية، ما الذي يمنع القراء عندنا من ممارسة هذه العادة الحميدة؟ بل يستطيع القراء تطوير هذا الفعل عن طريق إقامة تجمعات شبيهة بما يعرف بالطبق الخيري لجمع التبرعات للمحتاجين، ويتم استبدال الطبق الخيري بكتاب خيري يُقدم إلى المتبرعين بدلاً من أطباق الطعام وقمصان الرياضة، ويمكن تقديم الكتاب مع الطبق والقميص.


 ويستطيع القراء عمل تجمعات أهلية لدعم المفكر والأديب الذي يحبون أو على الأقل الذي يقيم بينهم، فيتكفل هؤلاء بطباعة وتوزيع الكتاب والترويج له. كما يستطيع القاريء أيضاً دعم الكتاب العماني عن طريق ممارسة عادة الإهداء الرائعة فيستبدل الهدايا المعهودة بكتاب عماني قريب من نفسية المهدى إليه.

وهنا لا يجوز لنا إغفال مكتابتنا المحلية التي تعاني من هجرة واسعة النطاق للقاريء المحلي الذي صار غريبا عن مكتبات بلاده، نعلم يقينا إن هذه المكتبات تعاني من الضعف والهزال على مستويات المادة المتوفرة فيها، بيد أن هذا الضعف ليس سببا وإنما هو نتيجة هجرة القراء والمرتادين، فكيف يمكن أن تنهض مكتبة رأس مالها محدود إن لم ندعمها بالزيارة والتجارة.


 

إني أنظر إلى قارئنا العماني نظرة ثقة وتفاؤل بل نظرة إعجاب وتقدير اتلمسها عند كل أصحاب المكتبات العربية الذين ابهرهم الشغف العماني باقتناء الكتاب، وأنا على ثقة أنهم سيحنون قبعاتهم ويطأطؤن رؤوسهم حين يدركون أن بعض القراء ذهب إلى أبعد من مجرد دعم الكتاب بشراءه ومطالعته بل وصل بهم الحماس الفكري والوطني إلى دعم الكتاب عن طريق التكفل بطباعته ونشره! ولا تعجب من ذلك فالقاريء العماني ينتهض في ذهنه الوعي بفريضة الزكاة التي يشكل “في سبيل الله” أحد مصارفها، ولعمري لا أعلم شيئا “في سبيل الله” هو أفضل من خدمة العلم والتعليم ونشر الكتاب في أمة “الكتاب العزيز” التي كانت القراءة “أقرأ” هي أولى فرائضها.


 

وإن لم يؤمن القاريء بضرورة دعم الكتاب العماني مادياً ومعنوياً فلا أقل من أن يدعمه بالانتهاء عن قراءته بعقل دوغمائي مسكون بالرغبة الحاقدة في التشفي والتبكيت، ليسوا قليلا أصحاب النظارات السوداء الذين تنطلق قراءتهم من مواقف حاقدة على المؤلفين لأسباب إيديولوجية بعيدة عن الموضوعية والنزاهة العلمية، وهؤلاء بقدر ما يسيؤون إلى أنفسهم يسيؤون إلى الوطن وترابطه الاجتماعي، فمثل هذه القراءات لا تفرخ سوى الاصطفافات العدائية المفخخة للسلم والترابط الأهلي للمجتمع.

  

 “المتبقي” مصطلح أستعيره من جان جاك لوسيركل في كتابه “عنف اللغة”، الذي طرح فيه نظريته اللغوية التي عُني فيها باللغة التي لا تدخل ضمن السياق اللغوي المتواضع عليه أثناء الحديث، وإنما يظهر على هيئة سقطات اللسان… 

وهو يدافع في نظريته هذه عن هذا المتبقي؛ بأنه هو الآخر له تأثيره على المتكلم والسامع، بل يمكن أن يشكّل بنفسه نسقاً لغوياً خارج النسق اللغوي العام.

 إذن عندما أتكلم عن المتبقي في الفكر فإنما أقصد تلك الكائنات الفكرية التي لا تظهر مباشرة ضمن المنظومة العقلية للإنسان، وحتى يتضح الأمر دعوني أقربه بمثال: 

عندما تدخل محلاً تجارياً تجد النظام ساكناً كل ربوعه؛ قُرنة للملبوسات، وأخرى للمطعومات، وثالثة للمشروبات، وهناك رَبْعة للمنظفات، وتقابلها أخرى للأدوات المنزلية، العمال بلباس موحد، تجد فيهم حسن المعشر في التعامل، والبضاعة بأسعار معتدلة، وهكذا…

 لكنك قد تجد مادة على وشك الانتهاء، ونوعاً من الغذاء عالي الجودة يتميّز عن بقية المواد، ونوعاً آخر أرخص مقارنة بسعر السوق العام، وقد تلاحظ انحرافاً في ترتيب بعض المبيعات، وتلمح غباراً في زاوية، وهكذا… 

 وحينها ربما تقول: ما أجمل نظام المحل؛ لولا هذه الهنات. وقد يقول غيرك: جميل رخص هذا المادة وجودة تلك، ليت كله كذلك. وقد يأتي ثالث ولا يبصر هذه المختلف من النظام العام. 

إذن ما نراه قد خرج عن النظام العام هو المتبقي، وطبعاً قد لا نراه، أو لا نرى أكثره.

 والسؤال: هل هذا المتبقي لا يحويه نظام عام؟ هل هو مجرد فوضى عارمة تنهش النظام خلسة؟ أو هو فوضى خلاّقة؟ وأسئلة أخرى قد ترد علينا ونحن نحلل هذا الموقف. 

 نأتي إلى الفكر والمتبقي فيه؛ كل إنسان يفكر، وتنتظم عقله مجموعة من الأفكار، تدفعه للسير في الحياة، والفكر ليس صخرة صلدة تكبس تفكير الإنسان بنمط جامد منذ ميلاده وحتى وفاته، بل التفكير نهر جارٍ لا يمكن أن تستقر مياهه عند نقطة واحدة، ولذلك الإنسان بكونه كائناً مفكراً اليوم ليس هو نفسه في الأمس، ولا هو كذلك في الغد، ولذا تجده يطور منظومة تفكيره بيولوجياً باستمرار، ونحن هنا لا يعنينا التطور إيجاباً أو سلباً، وإنما أقصد أن التفكير في حركة دائبة. 

والإنسان وهو يفكر لا يفعل ذلك خبط عشواء، بل يحكمه منهج واعٍ، والسؤال: هل كل الكائنات الفكرية التي يحويها دماغه تدخل نظامه الفكري الواعي؟.

 طرح سجموند فرويد نظريته في العقل؛ بأن الإنسان يوجد فيه عقل ظاهر وعقل باطن، وأن ما يتحرك به في الحياة بشعوره هو العقل الظاهر، هذا ما يبدو، ولكن في الحقيقة أن للإنسان عقلاً باطناً له تأثيره القوي عليه، يظهر في سقطات اللسان والأحلام والاضطرابات النفسية والعصبية، وقد يكون هذا العقل أخطر أثراً على حياة الإنسان؛ من جهة أنه لا يدركه، فضلاً أن يسيطر عليه، بل العقل الباطن قد يوجهه في أحيان كثيرة وأوقات حاسمة. 

 خرج فرويد في نظريته هذه أن العقل الباطن عشوائي وغير نظامي ولا مرئي، بيد أنه حتماً يتدخل في تسيير السلوك الإنساني.  ثم جاء بعده جاك لاكان ليطوِّر هذه النظرية فيقول: إن العقل الباطن هو الآخر منظم ويتحرك بانسجام مع كائناته، ويمكن أن يكون مرئياً بدراسته وتحليله. 

[انظر مقدمة محمد بدوي على “عنف اللغة” لجان لوسيركل، طبعة المنظمة العربية للترجمة، 2005]

 مرة أخرى نقول: إن الإنسان كائن مفكر وفق منظومة شعورية، إلا أن خلفها تقبع كائنات فكرية أخرى لا يشعر بها الإنسان مباشرة، هذه المنظومة اللاشعورية هي ما أسميها هنا بالمتبقي. 

 وبعيداً عن مناطق الشعور واللاشعور الفرويدية نعيد ترتيب المسألة كالآتي:  الإنسان يفكر وفق محددات فكرية ينتظمها منهج معيّن مُدرَك يقوم بتحريك الفعل الإنساني، هذا الإنسان يشعر تماماً بطبيعة تفكيره، ويكون مسؤولاً أدباً عن اتخاذ قراراته في الحياة. 

بيد أنه يوجد خلف هذا المنهج متبقٍ من الكائنات الفكرية تسلك طرائق عدة في البروز والتخفي لكنها مؤثرة، وأحياناً مزعجة، هذا المتبقي في رأينا لا يمكن أن نتبنى فيه نظرة فرويد وحدها، ولا نظرة لاكان وحدها، بل تتوزعه مجموعة لانهائية من البروز والتخفي، والشعور اللامنتظم واللاشعور، ومنه ما ينتظمه –مع خفائه– منهج، ومنها ما يعيش طليقاً تتقاذفه الأنواء الذهنية، فبينما هناك ما لا يحصى من الكائنات الفكرية التي تنخر عقولنا دون أن نشعر بها، نجد في المقابل كائنات نكاد نمسك بها، إلا أننا لا نستطيع إليها طولاً، ويتردد بين هذين الطرفين ما لا يحصى من الكائنات الفكرية أحب أن أسميها بالأشباح الفكرية، هي ليست أشباحاً وهمية بل هي كائنات قائمة، وإنما تتبدى لنا في صور لا نكاد نستطيع أن نمسك بها.

 والسؤال: كيف ينتج هذا المتبقي؟. 

 إنه ثمرة المعارف التي تدخل من نفس منافذ الشعور، بل ومنذ اللحظات الأولى للإنسان التي قد تسبق لاشعوره، فالإنسان يتغذى بالمعلومات كل لحظة، هذه التغذية يقوم بصفها في قالب شعوري منهجي يُقْدِرُه على فهم الحياة حوله، لكن الزخم الهائل من المعلومات تفوق كثيراً مقدرة الإنسان على صفها في قالب منهجي واحد متكامل في وقت واحد، كما أن كل معلومة تدخل ذهنه ليست بريئة تماماً، بل هي تحمل قدراً كبيراً من المضامين اللاشعورية التي لا يحسّ بها الإنسان مباشرة. 

ولذلك يملك الإنسان جهاز صف ومراجعة بيولوجي في عقله، يقوم كل حين بإعادة تدوير المعلومات وفق منهج شعوري، هذا الجهاز فوري وذو مقدرة هائلة في عمله.

 لكن هل يقوم بإعادة تركيب كلية كل لحظة؟. 

لا، لا يقوم بإعادة كلية، لأكثر من سبب، أولاً: لأن المعلومات تتجدد كل حين، وثانياً: لأن هذه المعلومات من طبيعتها قد لا تؤثر مباشرة؛ بل تختمر لفترة من الزمن، وثالثاً: لأن كل معلومة أو مجموعة معلومات لا تعطي منظومة مكتملة وإنما هي الأخرى ناقصة، ورابعاً: لأن هذه المعلومات قد تتمحور في منهج خفي لا يسهل كشفه، وإن اكتشفه الإنسان فيصعب عليه دمجه في منهجه الشعوري، لأنه يحتاج إلى طاقة فكرية هائلة ليصنع من منهجين منهجاً واحداً منسجماً مع مجموع مفرداته الجديدة.

 لكل هذا يوجد دائماً متبقٍ. 

 وأخيراً: لو افترضنا هذه الإعادة الكلية لما كان هناك متبق أصلاً. 

والأهم من كل هذا أنه كثيراً ما توجد خطوط ممانعة لإعادة الصف والمراجعة في المنهج الشعوري تنشأ من أعراف اجتماعية أو قصور معرفي أو تصورات دينية، ونحو ذلك.

 إن كان هذا المتبقي وجوده حتماً في الإنسان؛ فهل يمكن أن يهمشه جانباً، ثم يتحرك وفق منهج شعوري ثابت؟. 

في الحقيقة؛ لا يملك الإنسان تثبيت هذا المنهج، لأنه آلة ذهنية تقوم بعملها في المراجعة والصف لاإرادياً؛ لتعطي كل مرة منهجاً محسوساً، إن أي عملية تهميش قد يقوم بها الإنسان اتجاه بعض كائنات متبقيه تؤدي في النهاية إلى التراكم وفق منهج خفي قد يقوم في لحظة ما بقلب المنهج الشعوري الذي عليه الإنسان عادة إلى منهج آخر، وإن ضغط ليحول دون هذا الانقلاب فإنه سيعيش حياة قلقة فكراً ونفساً، أو يُجبَر على الانسحاب من المعترك الفكري في الحياة؛ ليعيش حياة باردة لا لون لها ولا طعم ولا رائحة.

وبما أن هذه المراجعة هي ذاتية، أي تخص كل إنسان بذاته، وعند ظهورها قد تبدو متقاطعة أو حتى نافرة عن المنظومة الاجتماعية الكلية –سنتكلم عن ذلك في حلقة لاحقة– وهذا قد يتهدد الذات الاجتماعية أو الدينية، فإن الإنسان لجأ إلى التثبيت الخارجي، ونقصد بذلك إنشاء مناهج ثابتة لمعارفه، كالمنطق والنحو والفلسفة وأصول الفقه والقانون وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد، ونحوها.

طبعاً نحن لا ننكر أن هذه المناهج قد خدمت الإنسان كثيراً، واختصرت له المسافات المعرفية، وضبطت له بوصلة معارفه، إلا أن كثيراً منها ثبّط إعادة البناء المنهجي الذاتي للتفكير الإنساني، وهذا لم يحلّ الإشكال ولم يحسم المسألة، بل أدى إلى التناقض بين الذات وخارجها.

عند عدم فسح المجال لظهور قراءات مستمرة لمنظوماتنا الفكرية، أي تغييب التركيب المنهجي العلني الذي يمنح الفرصة لكشف الخلل وإعادة تركيب دائمة، فإن المتبقي لا يختفي بل يعمل عمله في النفس الإنسانية، وهذا ما قد يظهر على هيئة انفصام بين الأجيال، أو تناقض فكري أو اضطراب عقلي أو قلق نفسي.

إن الإنسان ولو حاول جهده أن يزيح هذا المتبقي عندما تظهر له أشباحه فإن لا يملك ذلك، بل تستمر منظومته في التشكّل من جديد، فإذا كُبِت فإنه ينفجر بطريقة أو أخرى، وربما بمنظومة بعيدة كلياً عن نسق المنظومة الاجتماعية العامة.

ومن هنا فعلى الإنسان أن لا يخجل من إبراز متبقيه الفكري إلى العلن مهما كان نوعه، بل عليه أن يعرضه على العقول الأخرى، إذ يمكن أنها قد وصلت إلى حلٍّ فلسفي أو معرفي يفيده، بل عليه أن يتصيّد أشباحه الفكرية فيقوم بوضعها في موقعها من منظومته، وعليه أيضاً أن يفتش عن تلك الكائنات الفكرية المختبئة في لاوعيه، ويقوم بترويضها داخل منهجه الواعي، حتى لا تفريه من الداخل وهو لا يدري، أو تحوله إلى كائن ذي شخصيتين؛ إحداهما: يعيشها مع نفسه، يخجل بها من الناس، وأخراهما: يتعايش بها مع مَن حوله، ولو كان غير مقتنع بها.

وعلى المجتمع أيضاً أن يعطي فرده مساحة واسعة من التفكير العلني حتى يعينه على المراجعة الواعية لمنهجه فيستطيع من خلاله فهم شتات متبقيه، ويتمكن من إعادة صفه دورياً بسلاسة، وبصورة أقرب إلى النجاح، وتخطي العثرات والمزالق الفكرية التي قد تترك عليه آثاراً لا تحمد.

إن من المآزق الفكرحضارية التي تعاني منها شعوبنا عدم تربيتها على إعادة صياغة منهجها الشعوري الفوري صياغة سليمة مُدْرَكة، وإنما جلّ مناهجنا –لاسيما الدينية منها– تعمل على التثبيت الخارجي للمناهج، أو التربية على المناهج الثابتة، دون تقدير صحيح لتغيّر الزمان، إن هذا التثبيت كما أنه يعني جمود عند لحظة ماضية كابحة عن الانطلاق نحو مستقبل أفضل؛ يقوم كذلك بعمله السيء في الانفصام المعرفي والفكري، وكثيراً ما يؤدي إلى القلق النفسي والاضطراب العصبي، الإنسان بطبيعته مفطور على تجاوز هذه الحواجز، لكنه عندما يجد التركيبة الفكرية من حوله تشدّه نحو مركزية رافضة المراجعة، فإن أقل ما يصيبه هو موت آلة الإبداع، والتمرغ بلذة على تراب التقليد، وعدم القدرة على السعي نحو الأفضل.

وأخيراً: لو حذفنا –جدلاً– المتبقي فإن المنهج الشعوري سيكون معلَّقاً، يمكن لأدنى ريح تهب عليه أن تقتلعه من جذوره، وذلك لأن المتبقي يكوِّن أعمدة غير مرئية يقف عليها المنهج الشعوري، والفراغ الناشئ من الاقتلاع لا يعني سكون النفس وهدوء البال، بل مناهج أخرى تحل محله وتملأ فراغه، فالحياة لا تؤمن بالفراغ، ثم تبدأ دوره جديدة من المنهج الشعوري ومتبقيه.

 ولذلك على الإنسان أن لا يخاف من هذا المتبقي، بل هو فرصة لإعادة تطوير منهجه الشعوري بطريقة مُرْضِية وسليمة، وليس من وسيلة أنجع في ذلك من القراءة والبحث والحوار والمصارحة الفكرية وطرح سيل من الأسئلة على النفس والآخرين مهما كانت محرجة في نظرنا، وصدق الله العظيم القائل: ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيـمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَـئِنَّ قَلْبِي)). 

 

انتشر في كثير من خطابات الإسلاميين عبارات تنفر من الأخذ بالآراء المبنية على اليسر والتخفيف، وصاروا يسمون تلك الآراء بـ “الرخَص”، و “التساهل في الدين”، وأن الأخذ بها هو ضرب من النفاق، ويرَون أن الإيمان الحق لا يكون إلا عند من اتبع أشد الأقوال وأصعبها، وسموا ذلك بـ “العزيمة”. لا ريب أن هؤلاء يقصدون من وراء ذلك ترسيخ مبدأ الانقياد والطاعة للشرع الحنيف، إلا أن الأمر قد تمادى لدى بعضهم فصار الأصل عنده في الأشياء الحُرمة حتى يثبت الدليل على حليّتها، وهنا وقعت الواقعة التي لم يستطع الناس لها دافعة، فالنفس الإنسانية بالفطرة ميالة إلى البعد عن التكاليف والأثقال، ولا يمكن لأي ديانة أو فلسفة أن تنتشر إلا بتحقيقها هذا الشرط الإنساني الأولي. فلذلك تجد أن الديانات والفلسفات القائمة على التطرف والغلظة لا يكتب لها الانتشار بل تميل إلى التقلص والانحسار، وكأمثلة حية على ذلك يمكننا النظر إلى الديانة اليهودية المنحسرة كما نقلها أحبارهم، والديانة النصرانية المنتشرة كما نقلها قساوستهم، وقس على ذلك الفلسفات الوضعية والأديان البشرية.

يذكرُ علي الوردي أن المجتمعات التي تعتمد التشدد في مسألة تحريم إظهار وجه المرأة تفشو فيها الأمراض الاجتماعية والأُسرية، وما ذلك إلا لأن هذا الرأي مع وجاهته لم يدرك البعد الإنساني لسكوت المُقدَّس (الوحي) عن هذا الموضوع، فالمرأة بطبيعتها ترغب بالشعور أنها مقبولة وأنها ليست مُقالةً اجتماعياً ومتقاعدة بشرياً ولا قيمة لها إنسانياً، فهي تكتفي بالشعور أن الأعين البريئة لا تهجرها كي تشعر بالرضى النفسي والثقة بالذات والقبول الاجتماعي، وحين تُمنع المرأة من هذا الحق الفطري يتجه الحال ببعضهن إلى البحث عن تلبية هذا الشعور في دهاليز لا يرضاها العُرف ولا تقبلها الشريعة.

بخلاف ما ذهب إليه أصحاب الخطابات المشددة على وجوب الأخذ بالآراء المُغلّظة والمُعسّرة والمُحذّرة من الأخذ بالآراء المُوسّعة المُيسرة نجد القرآن الكريم يقرّر أن شريعته ليست سوى شريعة سعة ويسر، يقول تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}البقرة: 185. لا يمكن للفقيه أن يغفل وهو يأسس رأيه الفقهي هذا النص الواضح في دلالته والذي يعززه الكثير غيره من النصوص القطعية في ترسيخ ذات دلالة اليُسر، حيث يقول تعالى: { يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا}النساء: 28.

 فتخفيف الله تعالى عن الإنسان إنما هو نابع من معرفة الله تعالى الشاملة بضعف الإنسان وحدود قدرته. وهذا الضعف الإنساني هو الذي راعاه القرآن في توزيع التكاليف على البشر، حيث يقول تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}البقرة: 286، ويقول تعالى أيضاً معززاً لهذا المعنى الرحيم: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}الطلاق: 7. فاليسر في التشريع هو مبدأ قرآني أصيل نابع من علم الله تعالى الأزلي بضعف الإنسان وقصوره ومحدودية قدرته، فلهذا أنزل الله تعالى عليه هذا الدين كي يخفف عنه ويرفع عنه الحرج، يقول تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}الحج: 78.

هذا هو القرآن في سماحته ورحمة تشريعه، وما أنزل الله تعالى علينا هذا القرآن إلا ليخفف عنا ويوسع علينا وييسر أمورنا، يقول تعالى: { طه، مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}طـه: 1-2. وقد نعى على بني إسرائيل حين غلّوا في دينهم وتشددوا على أنفسهم، واعتبرهم مخالفين للنهج الرباني حين حرّموا على أنفسهم مُتع الدنيا وزينتها، يقول تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ}الحديد: 27، ويقول تعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}الأعراف: 32. وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ}المائدة: 87. فهذه هي شريعة القرآن وهذه هي توجيهات الرحمن: اليُسر، والتوسعة، ورفع الحرج، ورفع الشقاء.

وعلى هذا سار النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن هديه يخرج عن نور القرآن حتى قالت عنه عائشة أم المؤمنين: (إن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن) مسلم. ونحن لو تتبعنا هدي اليسر والتوسعة في سنة النبي عليه السلام مقتصرين في النقل على ما رواه الشيخان سنجد أن البخاري روى عن عائشة أنها قالت: (ما خُير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه). وأنه عليه السلام قال: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا). وقال أيضاً: (يسرا ولا تعسرا، وبشّرا ولا تنفّرا)، وقال عليه السلام عاتبا على امرأة تطيل قيام الليل (مَهْ، عليكم ما تطيقون من الأعمال). وقال: (هلك المتنطعون. قالها ثلاثاً). وقال لعبدالله بن عمر: (يا عبدالله، ألم أُخبَر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ فقلت: بلى يا رسول الله. قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينيك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزََوْرِكَ عليك حقاً)، وقال: (ما بال أقوام، قالوا: كذا وكذا. لكنّي أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني).

وعلى هذا النهج القرآني والهدي النبوي سار أئمة المسلمين وعلماءهم. حيث يقول أبو سعيد الكدمي: “وإذا وقع الشيء أحببنا أن لا نضيق على الناس ما وسعهم”. وقال وائل بن أيوب: “إنما الفقيه الذي يعلم للناس ما يتسع للناس مما سئل عنه، وأما من يضيق عليهم فكل من شاء أخذ بالاحتياط”. وقال أيضاً في وصف المؤمنين: “والاتساع بما وسّع الله في دينه، والأخذ بتيسيره، وما منّ به من رحمته فيما أراد لعباده باليسر وجعل لهم فيه العذر”.

وحتى لا يكون كلامنا عاماً وبعيداً عن واقع الناس فإننا نضرب أمثلة من مواقف العلماء التي تؤكد على روح التيسير ورفع الحرج، فمعلوم قطعاً أن هناك طائفة من العلماء حرّمت قص اللحية وتزينها، إلا أن ما قد لا يدركه البعض منا أن هناك طائفة كبيرة اعتبرت قص اللحية سنة يندب الإنسان إليها، فقد روى ابن جعفر في جامعه أن ابن دينار قال: (رأيت رجلاً محرماً قصّر لأبي الشعثاء يحلله، قلت: ما الذي أخذ من شعر رأسه ولم يأخذ من لحيته؟ قال: يجزئه، وقد يستحب له، ويؤمر أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظافر يديه ورجليه قبل أن يجامع). وقال الربيع بن حبيب بعد روايته خبر الأمر بإعفاء اللحية: (يريد القطع لما طال منهما) أي ما طال من اللحية والشارب، وهو نفس الأمر المروي عن شيخه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة حيث قال السالمي في المعارج: (قال الشيخ إسماعيل: ورخص في الأخذ منها أبو عبيدة، وهو مسلم فيما وجدت عنه.  قال: واستحسنه الشعبي وابن سيرين في ما وجدت عنهما …. قال الشيخ إسماعيل: والأمر في هذا قريب إذا لم ينته إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب، فإن الطول المفرط قد يشوه الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين).

وقال أبو المؤثر الخروصي: (سمعنا أن المحرم إذا أحلّ من إحرامه، وأخذ رأسه، أخذ من عفا لحيته. قال [أبو المؤثر]: والذي معنا، أنه يأخذ من عرضها أكثر من طولها). وقال عمروس بن فتح النفوسي: (ثم يقص رأسه ويأخذ من شاربه ولحيته وأظافره). وقال أبو سعيد الكدمي معلقاً على كتاب الأشراف: (وكان ابن عمر يأخذ من لحيته وشاربه وأظافره إذا رمى الجمرة. وكان عطاء وطاووس والشافعي يحبون لو أخذ شيئاً من لحيته. قال الشافعي: حتى يضع من شعره شيئاً لله. قال أبو سعيد رحمه الله: معي أنه يخرج ما حكي كله مما يؤمر به ويستحب).

وقال أبو الحسن البسيوي: (ويستحب للمحلل أن يأخذ من لحيته وشاربه إذا قصّر، ومن أظافر يديه ورجليه). وقال أحمد بن عبدالله الكندي: (ثم احلق رأسك وخذ من عفا لحيتك، وقلّم أظافرك).وقال خميس بن سعيد الشقصي: (ويستحب له ويأمر أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظافر يديه ورجليه). وقال عبد العزيز الثميني: (ويأخذ من عرض لحيته أكثر من طولها).

والأمر في الموسيقى أشبه بذلك فمع وجود أقوال لعلماء تحرّم جميع أنواع الموسيقى والغناء توجد هناك آراء لأئمة معتبرين أجازوا أنواعاً من المعازف والغناء مما لا يخرج إلى حدّ المجون والسفه، ومن ذلك ما أورده الكندي في بيان الشرع: (ولا يجوز استماع القصبة للهو إلا أن يريد بذلك ذكر الآخرة)، وقال: (وقيل لا بأس باستماع القصبة)، وقال: (وأما القصبة الكبيرة فلا إلا على الجماعة على اللهو والغناء لأن المسلمين قد أجازوا استماعها يتذكر بها الآخرة، يتذكر بها الموت، أخبرني زياد بن الوضاح أنه رأى أباه يستمعها وهو يبكي).

وقال: (وقيل لو استمع مستمع إلى الغناء إذا كان لا يقدر على إنكاره وهو كاره للغناء مبغض له إلا أنه يستمع إليه يتذكر بذلك أمور الآخرة، وإن وقع في نفسه ذلك لم يكن بذلك بأس)، ونقل عن محمد بن محبوب أنه قال: (إن ضرب الطبل لا بأس به)، وأنه قال: (عن رجل ضرب الدفاف والمزامير والأدهار هل ينكر عليه؟ فأما الدف وحده من غير لعب فلا بأس به من غير لعب). وقال أبو المؤثر: (ما كان من ضرب الدهرة والطبول من الهند وغيرهم فهو يكسر ويغير إذا كان من الملاهي وإن كان من جهة الحرب فيستحب فعله).

ولا يُظن أن الاختلاف حول هذه المسائل الفرعية القائمة على أدلة ظنية كمرويات الآحاد هو اختلاف قطيعة ونفور، بل العكس هو الصحيح، حيث يقول الشيخ أحمد الخليلي: (فمسائل الرأي هي المسائل التي ربما تعارضت فيها الأدلة، أو كانت أدلتها فيها أخذ ورد من حيث ثبوتها، فقد يرى بعض العلماء ثبوت رواية من الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويرى آخرون عدم ثبوتها، فمن هنا يكون الاختلاف بينهم، ولا يفسق بعضهم بعضاً، ولا يضلل بعضهم بعضاً، ولا يقطع بعضهم عذر بعض، لأن قطع العذر إنما هو في مخالفة القطعيات، أما قضايا الفروع فالاختلاف فيها لا يفضي إلى الشقاق بل يجب التسامح فيه، فلذلك لا يفسق ولا يضلل الناس فيها بعضهم بعضا)، فلهذا وجدنا هذه الآراء وغيرها مبثوثة في كتب الفقه الإسلامية لتسع كلّ باحث عن التفقه في دينه دون أن يفسق العلماء بعضهم بعضا ودون أن يضلل بعضهم بعضاً.

الخلاصة أن الشريعة الإسلامية هي شريعة رحمة وتيسير وسعة، وأن من هدي النبي عليه السلام التيسير والرفق والنهي عن التنطع والتشدد على النفس والناس، وأن علماء المسلمين أيام الوهج الفكري الأول حين انتشر الإسلام واتسعت رقعته وكانت الأمة الإسلامية هي القائدة للأمم ساروا في بناءهم الفقهي على ذات التوجيه الرباني القرآني النبوي، ونحن اليوم في أشد الحاجة إلى إتّباع منهج القرآن وسلوك هدي نبي الرحمن لكي يكتب لأمتنا النهوض والقيادة والسبق والريادة.

 زكريا بن خليفة المحرمي

في مسيرة البحث عن ينابيع العلم يكتشف المرء أن هناك علوماً سهلة المنال، وأخرى بعيدة النوال، وفي العلوم الشرعية تعتبر أصول الدين مثل علم الكلام وأصول الفقه من أصعب العلوم وأكثرها تعقيداً لما تستلزمه من مقدمات عقلية ومطولات نقلية، فلهذا تجد كثيراً من طلبة العلم بل والعلماء يضربون صفحاً عن الخوض في لجتها، ويفضلون الركون إلى ما سهل من المعارف مما شاع عند العوام خبره وقلّ في الفقه أثره، يقول الغزالي: (العلوم ثلاثة: عقلي محض.. ونقلي محض كالأحاديث والتفاسير والخطب في أمثالها يسير، إذ يستوي في الاستقلال بها الصغير والكبير، لأن قوة الحفظ كافية في النقل وليس فيها مجال للعقل. وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والنقل، وعلم أصول الفقه من هذا القبيل).

وكم رأينا وقرأنا عن أئمة يندبون زمانهم حين هجر طلبة العلم الأصول وارتضو بالحفظ والخمول، يقول ابن بركة في ذم أمثال هؤلاء (فالواجب عليه إذا أراد علم الفقه أن يتعرف أصول الفقه وأمهاته، لأني رأيتُ العوام من متفقهي أصحابنا ربما ذهب عليهم كثير من معرفة ما ذكرنا).

ولا يكاد ينقضي زمان إلا هاجت الأرض بمصلح للحال، وماجت الجموع بمجدد للآمال. ولإن كان وراء كل حدث عظيم رجل عظيم، فإن بعض هؤلاء العظماء يتجاوز تأثيرهم زمانهم، ويتجدد عطائهم مع إعادة اكتشاف ابداعاتهم، ومن هؤلاء العظماء الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (ت 1287هـ)، الذي أصدرت مكتبة الظامري له مؤخراً سفر (كرسي أصول الدين) تحقيق خليفة البوسعيدي. الكتاب يقع في أربعمئة صفحة من الحجم المتوسط، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول يتحدث عن موضوع “الولاية”، والثاني عن أصول الفقه، أما القسم الأخير فهو يتحدث عن “البراءة”.

لا شك أن موضوع “الولاية والبراءة” يعبر في حقيقته عن مسألة “الإنتماء والإقصاء” داخل الجماعة، وهذا العلم لم يتم تحريره والإسهاب في شرحه وتفسيره إلا حين واجهت الجماعات والمذاهب الإسلامية أنواعاً من الانقسامات الداخلية، ومن أبرز من كتب في هذا العلم أبو سعيد الكدمي (ق 4هـ)، فقد أفرد للقضية مؤلفان هما “الاستقامة” و “المعتبر”، وقد تمت صياغتهما قطعاً في جو المفاصلة التاريخية المشهورة بين المدرسة العمانية النزوانية التي كان الكدمي أبرز رموزها والمدرسة الرستاقية التي كان ابن بركة السليمي أكبر ممثليها. ومن ثم كانت المؤلفات في موضوع الولاية والبراءة مقتصرة على اجترار آراء أبي سعيد قصاً ولصقاً، ومع روعة وتمام مؤلفات الكدمي إلا أنها تعاني من فقر لغوي وضعف تعبيري في رأي ناصر بن جاعد الخروصي وهو شيخ واستاذ سعيد الخليلي.

إن مما يمميز كتاب “كرسي أصول الدين” للخليلي عن باقي المؤلفات حول هذه القضية انطلاقه المباشر في التأصيل لها من مصادر التشريع بعيداً عن مرجعية النقل من كتب أبي سعيد الكدمي التي أعتمدها أهل النقل، كما امتاز في تفريعه للمسائل بنفس صوفي مجلل بالرقة ولطف العبارة مع وقار في الطرح وسعة في الرأي، بل ربما يكون الخليلي أولّ من أضفى مسحة صوفية على قضية “الولاية والبراءة”.

يقول الخليلي في أحدى تجلياته الصوفية: “وهم في ذلك على منازل ومقامات لتباين الأحوال في الكرامات، وفي كل منها منازل لا تحصى ومقامات لا تستقصى وإن كانت الأخرى هي المنزلة الكبرى، ومن ظهرت عليه شواهد هذه المحبة الإلهية مع الاستقامة الدينية فهو المعبر عنه بالولي عند الصوفية، ولكن في التوحيد لمقام التفريد يقال بعكسها في أصل قدسها، فلا منافاة لأنهما حكمان أفادهما علمان أحدهما الظاهر رعاية للمظاهر، والثاني لغريق الأنوار خارق ستور الآثار”.

ويقول أيضاً: “وأما الصغائر فهي ما عدا الكبائر من المعاصي مطلقاً كقبلة ونظرة ومس في بدن أجنبية، وعلى قول آخر فجميع المعاصي كبائر، وكأنه قول من استغرقته هيبة الجلالة فأسكرته ودهشته بوارق العظمة فحيرته، فأتى في مقاله بشاهد حاله”.

قد لا نجانف الصواب إن وصّفنا الخليلي بأنه غزالي زمانه، فكلاهما راسخ في الأصول وله من همسات التصوف فصول، والخليلي يؤكد على القاعدة الغزالية المطالبة بالرسوخ العلمي، حيث يقول: “فدع عنك الإقتحام على الولاية قبل أحكام الدراية، فهو القول الأصح، والمنهج الأوضح”. وهو يصرح في أكثر من موضع بممارسته للاجتهاد وإعمال النظر، فيقول: “والذي يرجح عندي في كفة النظر بميزان الفكر وقانون العبر أن الأحداث قد لا تكون على دستور واحد في الحكم، فلا بد من تنقية الأخلاط لتمييز الأجناس قبل تمهيد القياس”.

إن كتاب “كرسي الأصول” هو كما قال راشد اللمكي في مقدمته: “تندهش من جلالة عظمته العقول، تصنيف من عقم الزمان أن ينتج بمثاله من الجهابذة الفحول، فهذا السفر قد أسفر مخدرات أبكار معانيه في شوامخ قصور مبانيه، بناموس الإلهام، بحر الشريعة، وقطب الحقيقة الرباني الإمام الشهيد السعيد الخليلي الهمام، فأبرزها مفصلة يندك في شهود عظمتها طود بلاغة أولي النهى من الأعلام، فما الجمان في نظامه لسلكه، وما العقيان في صفائه بسبكه، وما الرحيق والمسك له ختام”.

ليس هذا الكتاب هو الوحيد للخليلي فله عدة مؤلفات أغلبها لم ير النور بعد مثل “الإنتصار للزمخشري”، و”النواميس الرحمانية في تسهيل الطريق إلى العلوم الربانية”، والمكتبة التراثية العمانية حبلى بالكثير من هذه النوعيات الفخمة من الكتب والمؤلفات التي تنتظر من ينفض عنها غبار الإهمال وتستصرخ من يزيل عنها دثار النسيان. 

استنزفت محابر كثيرة في معركة الحداثة الأدبية، أقلام كثيرة جفت وهي تسجل قصفاً أو رداً، البعض رأها تعبيراً عن تزاحم أجيال وآخرون رأوها تخلياً عن هوية أمة وتاريخ حضارة، اهتم أغلبهم بالأشكال وفاتهم احتضار الفكرة ومُواتها في حمأة هذا الصراع. غاض الاهتمام بالإبداع، ونضب الاحتفاء بالفكرة، فصار ما يسمى “النقد” منصباً على الشكليات دون الغوص في المضامين، إلا أن الأكثر إثارة للقلق -غير الحميد- اعتماد من يُسمون “النقاد” معايير غربية وشرقية لقراءة النص العربي عامة والعماني خاصة.

وفي خضم هذا المعترك والصراع بين الأصالة والتحديث غابت الهوية العمانية أو كادت حتى بتنا لا نفرق بين نص لكاتب عماني بخرته رطوبة البحر الدافيء بعبق اللبان وبين نص لآخر غربي تجمدت أحساسيه بصقيع رياح الشمال القارصة.

قليل هي الكتابات التي استطاعت أن تمزج الإبداع الأدبي بالأصالة الحضارية للكاتب، وآخر هذه الإبداعات التي اطلعت عليها كتاب “أبواب أغلقتها الريح” لسماء عيسى. أورد عيسى في كتابه مجموعة من النصوص التي تتحدر أصالة كما تتحدر الأفلاج (وهي تسير منحدرة من الجبال إلى القرى) كما يقول عيسى. ليست الأفلاج والجبال والقرى وحدها ما امتلئت به نصوص عيسى، فهي حبلى بالكثير من المفردات المعبرة عن جغرافية الوطن وتضاريسه التي استقل بها عن غيره من العوالم والأكون، فهناك (الرستاق، وإزكي، وبركة الموز، والروضة، وسمد الشأن، وسيح الظبي، والعامرات) وهناك الصحراء والبحر، وهل عمان سوى واحة قلعتها الجبال وحصنها الصحراء وحارسها البحر؟!

حين نقرأ للكُتاب الفاقدين لبوصلة الأصالة والتاريخ نجدهم يحدثوننا عن قصص أشجار السنديان وغيرها مما لا نراه في بيئتنا نشعر بالتيه النصي الذي يحوي أشتاتاً متشاكسة من مناخات ابتذلتها عقلية الانشطار عن الواقع وعن جغرافيا الكاتب. أما سماء عيسى فقد أضاء في نصوصه قناديلأ معلقة على (النخلة، والسدرة، والشخر، والنبقة، والفيفاية، والغافة، والموز، والليمونة، والشريشة، والسمرة)، لا يشعر القاريء معها باغتراب وهو يسري في بساتين الإبداع النصي.

بل حتى الأداوت والآلات احتفظت في نصوص سماء عيسى بحميميتها لدى القاريء، فهي ذات الأدوات التي عهدها في بيئته ومجتمعه وتعبر بالضرورة عن حضارته وتراثه، إنها جزء من هوية العماني من قبل ومن بعد، فهناك (القلعة التي صارت سجنا مركزياً، ومدرسة القرآن، والمنجل، والهيب، ومساكن الطين، والمجذمة، والماعون، ومرجام الباب، والإزار، والطوي الذي سقطت به المرأة، والسجم، والسلالم الحجرية، والمروق الصغيرة، والسبلة الصغيرة، والتفق القديم، ودرس البقر، وزريبة الغنم، والمندوس).

لم تخلو نصوص سماء عيسى من توثيق لبعض الأساطير المحلية والتي تناقلتها الأجيال عبر تاريخ مليء بالأحداث والمتغيرات، فهناك أساطير مرتبطة بالحيوانات كأسطورة الوشق الذي يقول عنه سماء عيسى (يسمي العمانيون الوشق بالباعث لأنه يبعث الموتى من قبورهم ليلاً، يتغذى من هذه القبور). وأسطورة المسحورين الذين صاروا كلاباً، وأسطورة الصبية الجميلة التي ماتت وأصبحت عنزة.

كما لم تخلو نصوصه من الاعتزازر بهويته الدينية التي لا تخلو من مسحة صوفية رقيقة، فهو يتحدث عن (باب المسجد، وإمام المسجد، ومدرسة القرآن، ومصلى البيدار، وعابدة القرية ووهجها النوراني)، كما يأكد أن شعائر الإسلام هي جزء من الهوية التي يحملها ويمارسها صباح مساء، فهو يقول: (ثم قرأت بعضاً من القرآن الكريم، وأسير إليها اليوم الأول من شهر رمضان كل عام فقط للإفطار معها، لكم وددت أن اتوضأ من ماء الساقية والصلاة تحت ظلال شجرة الليمون)، بل أنه وبخلاف الأدباء الذين يطعّمون نصوصهم بأقوال أدباء وفلاسفة الغرب فإن سماء عيسى يجلّل كتابه بنص قرآن رائع وهو قوله تعالى {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}الضحى: 4-5.

في نصوص سماء عيسى لا نجد حضوراً لنيتشه ودوستويفسكي كما يفعل بعض أصحاب النصوص التائهة، وإنما نجد حضوراً لـ (قيد الأرض، وأبا مسلم البهلاني وميمته: معاهد تذكاري سقتك الغمائمُ)، بل نجد ما هو أكثر تعبيراً عن الاعتزاز بالهوية والافتخار بالأصالة حين يخاطب سماء عيسى بودليرَ بقوله (إلى بودلير، أرقد الآن تحت شجرة فيفاي ميتة أنا وقط عجوز)، ففي خطابه لبودلير لم يتصنع عيسى سمات حضارية لا علاقة لها ببيئته، بل صاح مفتخراً بأنه يحمل إلى بودلير والغرب صوت الهوية العمانية التي تمثل شجرة الفيفاي أحد رموزها الأصيلة.

 كم نحن بحاجة اليوم إلى أدباء من طراز سماء عيسى يتواصلون مع العالم من خلال هوية العماني وتراثه الذي ينتظر الآخر أن نكشف له كنوزه وأسراره، فالعالم لا ينتظر التقليد والاجترار بل ينتظر الإبداع وإعادة الاكتشاف لكل الرموز الحضارية التي تدون في صفحات التاريخ العلمي والأدبي حضارة الإنسان ومنجزاته. 

 

 

كثير هم العمالقة في تاريخنا العربي المجيد، وكثيرة هي المحطات التي نستطيع استجلائها من خلال اقتفاء آثارهم لو أدركنا أننا نستطيع بناء الذات وأننا جديرون بالتميز عوضا عن التوسل والرضى بالفتات. ابن بطوطة وابن خلدون علمان عملاقان تميزا بالسياحة والمطالعة وقراءة واقع الناس وتاريخهم ودراسة علاقتهم ببعضهم، أراد الإثنان أن يقدما للعالم رؤيتهما لأسباب نهوض الأمم وانهيارها، أحدهما آثر السياحة والسفر، والآخر عاش بين العرب والبربر، ولكنهما قرأا كثيراً وكتبا كثيراً، وكانت كتابتهما هي الأكثر تميزا في مجال علم الاجتماع والتاريخ والجغرافيا البشرية، فأين نحن منهم، ولماذا أضحت سفراتنا خاوية إلا من الترفيه أو الانحباس في مغاليق الدراسات والدورات التعليمية دون التفات ولا اكتراث بواقع الناس وأحوالهم وطبائع معاشهم وأسرار تقدمهم أو فضائح تأخرهم.

في رحلتي الأخيرة أغرقني سيل الرسائل النصية المشيعة والمودعة المليئة بالحب والأمل، فتفكرت في المنقطعين عن الناس والقابعين في أبراجهم الورقية بدعوى النخبوية أو الثراء والجهوية وهم يظنون أنهم في كراسي عاجية وهي ليست سوى سجون وحشية تمارس فيها الروح رذيلة الاعتلاء على البشرية، فحمدت الله على البساطة وحب الأهل والجماعة.

في المطار يدهشك منظر المدخنين في قفصهم الزجاجي كالقطط الحبسية حيث تم عزلهم حتى لا يسرقوا منا نعمة الجو وصفاءه والهواء ونقاءه، فهل هم منتهون عن هذه العادة القبيحة التي ليس من ورائها سوى رائحة نتنة وأسنان خربة وشرايين متيبسة وقلوب عليلة وأسر منتحبة لمتمرد فضل مصارعة ثور سرطان السجائر بدل الالتفات إلى أحلام أطفاله وأمال أزواجه.

تخيل أن يتمزق حذائك بل ويتفت وأنت في الطائرة، هذا ما حصل دون مقدمات ولا إشارات، فالفقير ملزم دائماً أن يدفع مرتين الأولى حين يشتري شيئاً رخيصاً والثانية حين يهتريء ويفسد فيحتاج إلى استبداله، وقديماً قيل أن الحذاء يعكس شخصية صاحبه باعتباره الأساس الذي يقف عليه ويستند إليه، ولحسن الحظ كانت هناك محطة تغيير طائرة حيث الأسواق الحرة لا تخلو من محل لبيع الأحذية، والناس عادة لا يفضلون الطائرات غير المباشرة، ويتطيرون مما يسمى عرفاً بـ (الترانزيت)، لكنه كان ترانزيت خير وبركة جنبنا الإحراج وتعكر المزاج، وصدق الحكيم الكريم حين قال في الخمر والميسر {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}، فحتى شر الأمور لا تكاد تخلو من منفعة لمن علم أسراراها.

الخير ليس معدوما من البشر، فلا تكاد تطلب حاجة في الطائرة أو المطار إلا وامتدت إليك الأيدي معينة ومساعدة وموجهة، ليت هذه السماحة تستمر في الناس خارج عالم الطيران، ليت الطائرات تنفث أجواء العالم المليء بالعداوة والحروب ببعض من سماحة راكبيها، ليت غيث السماحة الطائر ينهمر على عراقنا ولبنانا وفلسطيننا وسوداننا وصومالنا وأفغاننا وشيشاننا وتشادنا ونيجرنا، والكثير من (ننا) لإننا وحدنا من كتب علينا أن لا يسامحنا أعداؤنا، وربما أن لا نسامح أنفسنا!

الناس مذاهب في ممارسة فضيلة الصمت، كما أنهم ليسوا سواء في ممارسة فريضة الكلام، ولتجدن أكثر الناس ثرثرة في الطائرات المضيفات والذين معهن حتى ليضيق المجلس بالباحثين عن الهدوء حينما تقذف بهم سهام الحظ في المقاعد الخلفية، وما يزيد الأمر تنغيصاً معرفتك بلغة المضيفات، فهن لا يتحدثن عن سباق الرئاسة الأمريكية ولا أسعار النفط القياسية بل أكثر كلامهن عما يتفصد له الجبين عرقاً حياء وخجلاً، باختصار هي أمور نسائية ربما حتى بعض النساء يستحين من الحديث عنها! ولعل في سماعات الأذن وما تنقله من برامج سمعية مخزنة في الهواتف سلوى ومهرب من جلسة (المُعصّرات) في مؤخرة الطائرات!

السفر قطعة من العذاب، هكذا روي عن النبي الأمي، وقولته حكمة لا تخرج إلا من مشكاة القرآن، فلا السيارة أبعدت التعب ولا الطائرة أنهت العذاب. لا شك أن الاحساس بالاجهاد أمر نسبي، ولكن تجربة السفر بالطائرة تكفي للتدليل على ما يصيب المرء من تعب ونصب، والناس في الرحلات الطويلة تحسبهم أيقاظاً وهم رقود، وترى المطبات إذا طلعت تقلبهم ذات اليمين وإذا غابت تقرضهم ذات الشمال وهم في ضيق من الطائرة. مغبون من يلبي النوم نداءه حين يشاء، ومسكين من يبات سهير الرحلة داجي العين، وهو يعلل نفسه ويسليها بالقول غابطاً النائمين: ناموا ولا تستيقظوا، ما فاز إلا النوم.

القصة أو الرواية هي خير أنيس في وحشة السفر، وكنت فيما مضى أظن أن ثقافة الأوربيين هي ثقافة قصص وروايات وحسب لأنك لا تراهم يقرأون إلا القصص والروايات، حتى سماهم البعض بأهل “ثقافة هاري بوتر” نسبة إلى روايات هاري بوتر الخرافية التي بيع من الجزء الأخير منها وحده أكثر من عشرة ملايين نسخة! وفي الطائرة وما قبلها وبعدها تدرك أن القصة والرواية هما وحدهما الجديرتان بمليء فراغ الرحلات، فالكتب العلمية والثقافية والفكرية المدرسية تحتاج إلى أجواء تختلف تماماً عن أجواء الطائرات لما تستلزمه من تركيز وانتباه وحضور لقواميس ومعاجم ومراجع لا تحتاج إلى أي منها وأنت تقرأ القصة والرواية، ولأن الأوربيين يقرأون كثيراً فقد أدركوا بالتجربة والاختبار أن أفضل كتاب للرحلة هو قصة أو رواية بينما الكتب العلمية محلها مكتبة المنزل أو الجامعة أو المكتبات الوطنية، فأدركت ساعتها أن تعبير “ثقافة هاري بوتر” لا يدلل على خواء قرائي أوربي بقدر ما يعبر عن ضعف قرائي عربي للآخر.

 أخيراً يجدر بنا أن لا ننسى أن أروع القصص والروايات وأصدقها وأعظمها فائدة هي تلك التي جاءت في ثنايا القرآن المجيد، وصدق الحق حين قال في سورة يوسف: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ}. يقول الدكتور حمود الدغيشي أن القرآن حوى في قَصصه كل عناصر القصة والقصة القصيرة جداً بل وحتى الرواية، وهو يتعجب كيف غفل المسلمون عن استلهام تلك العناصر الكامنة في النص القرآني لبناء تصور نقدي أدبي حتى سبقهم الأوربيون إلى ذلك، والإجابة على تساؤل الدكتور الدغيشي تعود بنا إلى مجدداً إلى هجران تراث ابن بطوطة وابن خلدون والانكفاء العربي عن التدبر والبحث وقراءة تجارب الآخرين.  


 

التنافس الرئاسي على أشده هذه الأيام في أقوى دولة في العالم، كلا الطرفين يحشد قواه للإطاحة بالآخر، الجانب الجمهوري خلف لواء العجوز جون ماكين، والحزب الديموقراطي خلف الشاب الأسود ذي الأصول الكينية المسلمة! طبيعي جداً أن نرى قصفاً متبادلاً بين الطرفين حول قضايا السياسية والاقتصاد غير أن هناك أبعاداً أخرى مسكوت عنها أو أنها مغيبة في زحام الاهتمام بالسياسية الخارجية والاقتصاد الأمريكي الذي يمر بأسوء حالة ركود عرفتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى.


 

هذه الأبعاد تتمثل في الشق الثقافي (الديني والاجتماعي) الذي يستند إليه كل طرف في معادلة التنافس الرئاسي، فباراك أوباما وإن كان منتمياً إلى الكنيسة الإنجيلية البروتستانتية إلا أن أصوله الإسلامية ما تزال شاخصة لدى الناخب الأمريكي ولدى ذاكرة أوباما ذاته الذي ينتسب إلى جده المسلم (الحسين)، ونحن لا ندري هل كان الحسين الكيني ذاك من أصول عمانية أم لا، فقد كان العمانيون من أوائل من نشر الإسلام في جنوب شرق أفريقيا، وانتشر الإسلام في تلك النواحي كالنار في الهشيم بفضل أخلاق العمانيين القائمة على رحمة القرآن وسماحة نبي الإسلام، أما الغربيون فقد جاءوا إلى تلك النواحي بحثاً عن مناجم الذهب والجواهر والعبيد! والمفارقة أن أمريكا وهي التي كانت الراعي الأكبر لتجارة الرقيق تتهم عمان الرحمة والسماحة بالاتجار بالبشر! مع أن عُشر الشعب الأمريكي وهم من أصول أفريقية سوى ثماراً لتجارة البشر، أما في الوقت الراهن فتهريب القُصّر والمومسات من أمريكا اللاتينية إلى لاس فيجاس وغيرها غير خاف على دائرة الهجرة الأمريكية.


 

وبغض النظر عن أصول الحسين جد أوباما إلا أن الجدير بالملاحظة أن شخصاً مثله من أصول أفريقية بل وإسلامية لم يكن ليصل إلى زعامة الحزب الديمقراطي لولا الميول الليبرالية الواضحة لهذا الحزب، والليبرالية فلسفة براجماتية تسيرها المصالح والمنافع. بيد أن اليبرالية الأمريكية هي الأضعف تأثيراً في المجتمع مقارنة مع الدول الغربية الأخرى -الكاثوليكية- حيث التدين يعاني من احتضار وتراجع أمام المدّ الليبرالي.


 

أما ماكين فإنه ينتمي إلى الحزب الجمهوري ذو الميول المحافظة، وأغلب الرؤساء الجمهوريين هم من المتدينين، وقد تجلى التأثير الواضح للتدين عند الرؤساء الجمهوريين من عهد رولنالد ريجان ومن بعده جورج بوش الأب وبوش الابن.


 

انتشرت في الأدبيات التي تعاطت مع التحولات الدينية في أمريكا فكرة أن بروز التيار الديني المحافظ في أمريكيا ليس سوى نتاج تغيرات ثقافية وفكرية حديثة ترجع ربما إلى العقود الثلاثة الماضية بدايةً من عهد ريجان في ثمانينيات القرن المنصرم، إلا أن هذه الفكرة لا تعبر سوى عن قصور في دراسة التاريخ الفكري والثقافي الأمريكي، فالتدين في أمريكا هو سمة بارزة منذ الهجرات الأوربية الأولى إلى العالم الجديد، بل أن بعض المؤرخين يزعمون أن المذاهب المسيحية المتطرفة وجدت لها في أمريكا ملاذاً آمنا من شرور قمع الكنيسة الكاثوليكية في روما!


 

يقول كارل ماركس (ت 1883م) في كتابه “المسألة اليهودية”: (إن شمال أمريكا هو بلد التدين بصورة خاصة كما يؤكد كل من بومون وتوكفيل والانكليزي هاملتون بالإجماع). وقال جوستاف لوبون (ت 1923م): (ونبدأ بذكر مجمل من صفات الشعب الإنجليزي السكسوني الذي يسكن الولايات المتحدة، فهو أشد شعوب الأرض على التقريب وحدة وتماثلاً ونشاطا قديرا ومشاعر دينية شديدة). بل يشير بعض الؤرخين إلى أن الجيوش الإنجليزية وفرقها القتالية المتطوعة كانت تحارب السكان الأصليين في أمريكا الشمالية باعتبارهم أعداء المسيح! فالتدين في أمريكا ليس وليد الفترة الراهنة بل هو سمة امتاز بها المجتمع الأمريكي مع بداية تكونه، واختزال روح التدين لديه في فترة ثلاثة عقود إنما يعبر عن جهل تاريخي واجتماعي وبالتالي عجز عن قراءة السلوك الأمريكي السياسي والاقتصادي.


 

من هذه المقدمة نخلص إلى حقيقة مفادها أن وصول باراك حسين أوباما إلى الحكم قد يعبر عن ثورة ليبرالية مضادة للاخفاق الديني زمن جورج بوش الابن بيد أنه ليس معبراً بالضرورة عن توجه ليبرالي من قِبل الجمهور الأمريكي، وبالتالي لا نستغرب أن تتم التضحية بباراك حسين أوباما إذا ما عنّت وشيجة التدين في الضمير الأمريكي، خاصة وأن الأصوات المتطرفة في الجناح الأمريكي المتدين تشكك في ولاء الأمريكيين السود، فقد قال برنارد لويس: (وتم لفظ اليهودي بوصفه شرقياً متطفلاً فتحول لتأييد الشرقيين الأكثر سلطة وقوة بحثاً عن المساندة، وبذلك فهو يشبه الأمريكيين السود الذين ينظرون لأفريقيا او حتى لآسيا في الوت الراهن للسبب نفسه في الحالتين).


 

 وأخشى ما يخشاه المرء بسبب هذه الأصوات وتلك الخلفية الثقافية الأمريكية المتعصبة أن يتعرض الحسين الكيني أو العماني إلى هلوكوست سياسي دموي شبيه بمجزرة الحسين الهاشمي في كربلاء، فتصفية الرؤساء جسدياً ليست استثناءا في الولايات المتحدة وآخر الرؤساء المغدورين جسدياً كان الرئيس الديموقراطي جون كينيدي وآخر الرؤساء المغدورين سياسياً هو الرئيس الديموقراطي أيضاً بل كلنتون الذي وقع ضحية إغراء الفتاة اليهودية المدسوسة مونيكا لوفنسكي. فهل سيكون باراك حسين أوباما إذا ما فاز في الانتخابات الأمريكية استثناءا للقاعدة؟ أم أنه ينتظر كربلاء أمريكية وشيكة!.

ملاحظة: هذا المقال تم نشره في شهر يوليو 2008م في ملحق “شرفات” الثقافي في جريدة عمان وفوجئت بعدها بمقال لأحد الصحفيين العرب الذي اقتبس فكرة مقالي ليصوغ منها مقالا مشابها دون إشارة منه إلى مقالي! والحمد لله على كل حال.

  

ثار الجدل وما يزال بين الفلاسفة والمفكرين حول دائرة المُقدَّس، حدودها وضوابط الولوج إليها، المتدينون اعتبروها محرمة على العقل، وأن مجرد التفكير في قراءة المُقدَّس موضوعياً هو تعدّي وانتهاك للدين وحرماته، فصار المُقدَّس عند هؤلاء أشبه بـ (الطوطم) عند قبائل الأرونتا الأسترالية، أما الفلاسفة فقد اعتبروا المُقدَّس مرحلة من مراحل تاريخ الوعي يمكن تجاوزها والتعامل معها باستباحة فجة كما فعل فرويد في كتابه (الطوطم والمحرّم)، ويرى بعض المفكرين مثل ميرتشا إلياده أن المُقدَّس هو عنصر من عناصر بنية الوعي تنتشل الإنسان من الفوضى إلى التنظيم عبر استجلاء المقدس في الحياة البشرية.

لم يُبحث مفهوم المُقدَّس عند العرب والمسلمين إلا من خلال الدلالات اللغوية لمفردة المُقدَّس، وتعاني الكتابات الإسلامية حول هذا الموضوع من قحط وجدب، ولا يتم التعاطي معها إلا من خلال استحضار مصطلح (الأسماء الحسنى)، حيث يمثل اسم (القُدّوس) حسب النظرية الإسلامية التقليدية أحد تلك الأسماء كما جاء في رواية أبي هريرة (إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً …الخ). ورواية أبي هريرة متأخرة في الظهور حيث لم تظهر في عهد أوائل مدوني الحديث مثل الربيع بن حبيب والإمام مالك، فلهذا تجنبها البخاري ومسلم، وقد يعكس تأخرها في الظهور ثقافة العصر التي نشأت فيه، والغالب أنها نشأت في عصر تبلور فيه مفهوم المُقدَّس على صيغته النهائية التي سيتم تداولها فيما بعد باعتبارها التعريف النهائي لهذا المصطلح، وأول المصادر اللغوية التاريخية التي تشير إلى اكتمال مفهوم المُقدَّس هو كتاب “العين” للفراهيدي (ت 175هـ) الذي يقول في تعريفه لهذه المفردة: (قدس: القُدْسُ تنزيهُ الله، وهو القُدّوس والمُقدَّس والمُتَقَّدِّس). وهو ذات الأمر الذي سيتكرر في المعاجم العربية اللاحقة. بيد أن ذات هذه المعاجم لا تُخفي بعض اللمحات التي تشي بأن مصطلح المُقدَّس متشكل في العقل الجمعي العربي قديماً حتى قبل ظهور الإسلام، ينقل ابن منظور عن امرؤ القيس -وهو شاعر جاهلي- القول واصفاً صِبْيةً من النصارى يتمسحون بثوب راهب لهم حتى قطّعوه: (فأدركنه يأخذن بالسَّاق والنَّسا، كما شبرَقَ الولدانُ ثوبَ المُقَدَّسِي)، والملاحظ على بيت امرؤ القيس نسبته المُقدَّس إلى الإنسان (الراهب)، فهل تم لاحقاً استيراد مفهوم (المُقدَّس) كما كان مستقراً في الثقافة العربية قبل الإسلام أم أن نزول النص القرآني قد هذّب دلالة هذا المفهوم نهائياً؟!. هذا ما سندرسه في الفقرات القادمة.

بداية نسجل ملاحظة هامة وهي أن مصطلح المُقدَّس وغيره من المفردات مع ارتباطها الوثيق بالدين لم يتم دراستها من خلال النص الديني الخالص، وهو القرآن، ويُمكن اعتبار توشيهيكو إيزوتسو صاحب كتاب “الله والإنسان في القرآن” أول من قام بدراسة المفاهيم والدلالات القرآنية للمصطلحات والمفردات العربية لا من خلال جرد حضور تلك المفردات في النص القرآني وحسب بل ومن خلال دراسة العلاقة بين تلك المفردات وغيرها من الكلمات داخل النص القرآني، وهو ما سماه إيزوتسو بـ “الدلالة العلائقية” للمفردة القرآنية.

لم يلتفت المسلمون في خضم انغماسهم في المناهج التفكيكية التي فرخت حالة الانقسام المذهبي إلى محاولة الرجوع إلى النص الخالص واستنباط منهج كلّي شمولي يأسس القواعد من الآيات المحكمات المشكّلة للأصول القرآنية {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}آل عمران: 7، والأمُّ هي الأصل الذي ترجع إليها الفروع “الآيات المتشابهات”. وسوف نحاول فيما يلي دراسة مفهوم المُقدَّس داخل النص القرآني لاكتشاف دلالاته وأبعاده النفسية والاجتماعية.

ورد لفظ المُقدَّس في القرآن باشتقاقاته المتعددة في ثمانية مواضع، الأول في حديث الملائكة مع الله وقولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}البقرة: 30. وفي ثلاثة مواضع كلها تصف الروح الذي أُيد به عيسى، مثل قوله {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ}البقرة: 87، وجاء في وصف الملَك الذي نزل بالقرآن على محمد، {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ}النحل: 102، وجاء في موضعين لوصف الوادِ الذي تكلم الله فيه مع موسى أول مرة، منها قوله {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}طـه: 12، وجاء في موضع واحد لوصف الأرض التي أَمر موسى وقومه بالهجرة إليها، {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ}المائدة: 21.

واللافت للنظر في جميع هذه المواضع عدم ارتباط لفظ المُقدَّس بوصف الإنسان، وإنما جاءت لوصف فعل من أفعال الملائكة، ووصف الروح، ووصف الملَك الذي نزل على الأنبياء، ووصف أماكن على الأرض. ويتجلى من خطاب الملائكة وقولهم {وَنُقَدِّسُ لَكَ} وأمر الله موسى خلع نعليه {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} أن معنى التقديس في القرآن لا يخرج عن دلالة معناها اللغوي وهو (التنزيه والطهارة)، إلا أن الأهم من ذلك كله هو أن ارتباط فعل التقديس بالمخلوق لم يرد في القرآن الكريم إلا في موضع واحد وهو قول الملائكة {وَنُقَدِّسُ لَكَ}، أما روح القُدُس والوادِ المُقدَّس والأرض المُقدّسة، فهي جميعاً ارتبط التقديس فيها بالاختيار الإلهي الذي ليس للإنسان فيه حول ولا طول، فهي بالتالي مُطهرة ومنزهة إلهياً.

إذاً فالمُقدَّس حسب دلالة النص الديني الخالص في الإسلام لا تنسحب على البشر، بل حتى الأنبياء ليس لهم من المُقدَّس سوى الوحي. وبذلك نجد أن دلالة مفهوم المُقدَّس قد تطورت في العقل الجمعي العربي بفعل تأثير القرآن.

 إن هذا المفهوم القرآني للمُقدَّس والذي وجدنا لمعة منه في إشارة الفراهيدي حين قال: (القُدْسُ تنزيهُ الله، وهو القُدّوس والمُقدَّس والمُتَقَّدِّس) يفتح أمام الدارس أبواب البحث الموضوعي والنقد العلمي لجميع الأشخاص والأفكار والرؤى والعادات والتقاليد، كل ذلك في دائرة تنزيه الله وتقديسه، وتقديس الوحي الذي جاء من عنده، لكن المدارس الإسلامية وفي حمأة الصراع الأموي العلوي مالت قليلاً عن الدلالة القرآنية للمُقدَّس، فتعاملت مع أئمتها وفقهائها وآرائهم بحساسية أقرب إلى الأرتكاريا بحيث اعتبرت كل مخالفة أو تخطئة أو نقد لأحد رموزها هو تعدٍّ على المُقدَّس، فاتسعت دائرة المُقدَّس، وتقلصت مساحة حرية الرأي، وغاض النقد الموضوعي، وأطلّ المفهوم الذي أشار إليه امرؤ القيس بخيله ورجله. الأمة اليوم بحاجة إلى العودة إلى النص الخالص لتعيذ صياغة مفاهيمها كي تتمكن من مواكبة حركة الحياة القائمة على البحث العلمي والنقد الموضوعي. 

 

 

تنديس المُقدَّس ليس حكراً على مذهب فكري دون آخر، فحتى حرّاس الهيكل لم يخلعوا نعليهم عند بابه، فانتهكوا حرمته من حيث لا يدرون، وأسباب هذا التدنيس مختلفة باختلاف أطياف تلك المذاهب، فالأدباء الذين دنسوا المُقدَّس كانوا مدفوعين بحماسة التشفي من سدنة المُقدَّس، بل هم ناقمون على المجتمع راغبون في تجريعه ذات الغصص التي كابدوها حين وقف الكهنوت حيال رغبتهم في التحليق الإبداعي والفني، فكان تدنيس المُقدَّس في نظر هؤلاء هو أقرب وسيلة إلى التشفي والانتقام.

أما الفلاسفة فمع أن علي شريعتي وتونبي يريان أن تدنيسهم للمُقدَّس عبارة عن ردة فعل مادية ثائرة ضد الزهد والرهبنة والكهنوت التي سادت العصور الوسطى إلا ان ذلك ربما لا يفسر جوهر الإشكال الفلسفي المدنس للمُقدَّس، فالتنديس الفلسفي للمُقدَّس نابع من المناهج غير السوية التي اعتمدها الفلاسفة في البحث حول دائرة المُقدَّس، فأكبر إشكال يقع فيه هؤلاء هو عدم الفرز بين دائرة الظن ودائرة اليقين، وعدم التفريق بين اليقين الذاتي الغنوصي واليقين الموضوعي العلمي القائم على دراسة العلاقات الداخلية والخارجية للفكرة.


 

المتدينون أيضاً ليسوا أقل انتهاكاً للمُقدَّس من الفلاسفة والأدباء، فهم قد دفعوا الناس إلى تعدي الخطوط الحمر للمُقدَّس حين وسعوا دائرة المُقدَّس وقلصوا دائرة الإباحة والممكن. فالنفس الإنسانية بالفطرة ميالة إلى البعد عن الأثقال والتكاليف، ولا يمكن لأي ديانة أو فلسفة أن تنتشر إلا بتحقيقها هذا الشرط الإنساني الأولي. فلذلك تجد أن الديانات والفلسفات القائمة على التطرف والغلظة لا يكتب لها الانتشار بل تميل إلى التقلص والانحسار، وكأمثلة حية على ذلك يمكننا النظر إلى الديانة اليهودية المنحسرة كما نقلها أحبارهم، والديانة النصرانية المنتشرة كما نقلها قساوستهم، وقس على ذلك الفلسفات الوضعية والأديان البشرية.


 

لم ينتبه الفقهاء إلى هذه المسألة أثناء تأصيلهم العلمي،  بل على العكس من ذلك أسسوا قواعدً وأصولاً تكرس مبدأ توسيع دائرة المُقدَّس وتضييق مساحة الممكن، ومن هذه القواعد قاعدة (سد الذرائع) التي توسَّعَوا فيها إلى درجة صارت فيها المُحرّمات الوضعية أكثر من محرمات النص المُقدَّس، إضافة إلى تعويلهم في بناء الأحكام على الروايات الظنية التي لم تجتمع عليها الأمة. ظن هؤلاء أنّهم بهذه المنظومة يُحصنون المجتمع من انتهاك محرمات النص المُقدَّس كـ(الزنا والربا والسرقة والقتل وشرب الخمر)، فأضافوا إلى قائمة المحرمات (الموسيقى والغناء وحلق وتقصير اللحى والإسبال والتأمين وتجارة الأسهم و….الخ)، وجميع هذه المُحرّمات لم تثبت حُرمتها بالنص القطعي وإنما هي مأسسة وفق قاعدة (سد الذرائع) ودلالات مرويات أحادية غير مجتمع عليها.


 

ومع أن هذا المسلك محمود النية إلا أنه يُعاب عليه عدم مراعاته الطبيعة البشرية والفطرة الإنسانية، حتى بلغ ببعضهم هوس الوسواس القهري إلى تحريم كل شيء بدعوى سد الذرائع، إن هذه الممارسات لا تحمي دائرة المُقدَّس قط وإنما تدفع نحو انتهاكها وتحقيرها، فالناس بطبعهم لا يصبرون على الشدة والغلظة والمنع والحرمان، ويثورون رغبة في الحصول على كل ما يحقق لهم السعادة والمتعة في الحياة، ولا شك أن الكثير مما تُوسع في تحريمه والتشديد على منعه مما لم يرد ذكره في النص المُقدَّس (القرآن والسنة والمجتمع عليها) يعتبره الناس ضروريا لسعادتهم ومتعتهم، فلهذا هم لا يعبهون بأحكام التكفير التي تصدر ضدهم، وليت الأمر يقف عند هذا الحدّ، وأن يبقى في دائرة المباح التي اشتغل هؤلاء بتضيقها، إلا أن ردة فعل النفس البشرية بطبيعتها دائماً تميل إلى المبالغة والتضخيم، فصار المرء لا يفرق حين ينتهك ما يعتبره حراماً بين الحرام الوضعي وبين حرام المُقدَّس.

إن تحريم الأمور التي ارتبطت بحياة الإنسان اليومية وعلاقاته الإجتماعية العصرية مثل الموسيقى وتزيين اللحى جعل المرء يتوهم أن انتهاكه المتواصل لهذه الأمور قد صيّره في خانة المغضوب عليهم والضالين، وأن اللعنة قد حلّت عليه إلى يوم الدين، فلا يضيره بعد هذه اللعنة والطرد من الرحمة أن يقترف غيرها من المُحرّمات سواء أكانت من صنف المُحرّمات الوضعية أم المُحرّمات المرتبطة بالمُقدَّس.


 

يذكر علي الوردي أن المجتمعات التي تعتمد التشدد في مسألة تحريم إظهار وجه المرأة تفشو فيها الأمراض الاجتماعية والأُسرية، وما ذلك إلا لأن هذا الرأي مع وجاهته لم يدرك البعد الإنساني لسكوت المُقدَّس (الوحي) عن هذا الموضوع، فالمرأة بطبيعتها ترغب بالشعور أنها مقبولة وأنها ليست مُقالةً اجتماعياً ومتقاعدة بشرياً ولا قيمة لها إنسانياً، فهي تكتفي بالشعور أن الأعين البريئة لا تهجرها كي تشعر بالرضى النفسي والثقة بالذات والقبول الاجتماعي، وحين تُمنع المرأة من هذا الحق الفطري يتجه الحال ببعضهن إلى البحث عن تلبية هذا الشعور في دهاليز لا يرضاها العُرف ولا تقبلها الشريعة.


 

إن أفضل علاج لظاهرة تدنيس المُقدَّس هو بإحسان الظن بالآخر وعدم قراءة النصوص الأدبية قراءة كهنوتية مغلقة لا تحتمل سوى تأويلاً واحداً، فترك مساحة للإبداع سيقلل ثورة الأدباء الناقمين والمدنسين للمُقدَّس، كما أن على الفلاسفة إعادة صياغة المنهج الفلسفي الذي خرج بالفلسفة عن السكة وجعلها معزولة غير قادرة على مجاراة التطور العلمي المادي القائم على القطعيات التجريبية، كما ينبغي على الفقهاء الالتزام بالدوائر التي ثبتّها الوحي المُقدَّس (الإباحة والتحريم) فلا يجوز لأيّ كان أن يتوسع فيها ولا أن يضيّقها، يقول تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ}النحل: 116، فلهذا نجد الرعيل الأول من الفقهاء أيام الوهج الفكري ملتزماً بهذا التوجيه المُقدَّس، يقول القرطبي: (عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم قط يقول حلال ولا حرام، ولكن كان يقول: كانوا يكرهون وكانوا يستحبون. وقال ابن وهب قال مالك: لم يكن من فتيا الناس أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقولوا إياكم كذا وكذا، ولم أكن لأصنع هذا)، والناظر في كتب المتقدمين من الفقهاء مثل “مدونة أبي غانم الخراساني” و “جامع ابن جعفر” و”بيان الشرع” و”المصنف” وغيرها، يجد أنها لا تخرج عن هذا المسلك الذي يراعي الفطرة الإنسانية ويلتزم بالتوجيه الرباني العالِم بالإنسان وضعفه {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} النساء: 28.


 إن الأمة اليوم بحاجة إلى إعادة النظر في قواعدها وأصولها، وعلى الفقهاء أن يعووا خطورة الخطاب الذي تسوده ذهنية التحريم، على المفكرين والفقهاء الحوار حول آليات قراءة النص المُقدَّس وعلاقاته الدلالية بالطبيعة الإجتماعية والنفسية كي لا يكون الخطاب الفقهي مفارقاً للواقع ولا مناقضاً للفطرة ولا سبيلاً إلى تدنيس المقدّس وتعظيم المدنّس.
   

 

الصفحة التالية »