ديسمبر 31, 2011 - فكر و حضارة    لا تعليقات

من وحي الثورة (6).. موراليس أم وائل غنيم

في كتابه “وهم الإنترنت” الذي صدر قبل أيام من اندلاع الثورات الشعبية العربية قال المفكر الأمريكي من أصل بيلاروسي إيفجني مروزوف أن شابا كولومبيا يدعى أوسكار موراليس حشد مليون متظاهر في عام 2008م من خلال حملة الفيسبوك ضد منظمة الفارك الكولومبية.

الإدارة الأمريكية أرسلت إلى موراليس وفدا برئاسة جارد كوهين الذي كان له دور بارز في تأجيج الثورة الخضراء الإيرانية في 2009م التي عرفت بثورة التويتر، فقد أرسل كوهين برقية إلى إدارة التويتر التي كانت تعتزم غلق الموقع للصيانة، متوسلا إياها تأجيل الصيانة إلى ما بعد انتهاء الثورة الإيرانية!. بعد أشهر من مقابلة موراليس أنشأت الخارجية الأمريكية رابطة “حركة الشباب”، ليقينها أن ما حدث في كولومبيا سيتكرر في أماكن أخرى من العالم، وأن على الولايات المتحدة أن تستبق الآخرين في هذا الميدان حفاظا على مصالحها في الثورات الرقمية الحتمية.

اجتماع هذه الرابطة الأول تم في نيويورك برئاسة جيمس جلاسمان مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية ومؤسس معهد جورج دبليو بوش، وقد شاركت في هذا الاجتماع جميع الشركات الرقمية الأمريكية كجوجل والتويتر والفيسبوك واليوتيوب، ومن بين أعضاء هذه الرابطة شخصيات من إيران وسوريا ومصر وكولومبيا وكوبا، في افتتاح مؤسسة بوش قال ديفيد كيس أحد تلامذة ناتان شارنسكي مؤلف كتاب “الحرية في مواجهة الإرهاب والاستبداد” والذي يعتبر أحد أهم الكتب التي شكلت عقلية جورج دبليو بوش، قال: “مهمتنا هي جعل الناشطين الرقميين والداعمين للديمقراطية في الشرق الأوسط محبوبين في الغرب”.

ونحن لا ندري من هي الشخصيات التي حضرت تلك الاجتماعات، وهل كان وائل غنيم موظف شركة جوجل وأمثاله من مشاهير الثورة الرقمية العربية حضورا أم لا. ولكننا ندرك تمام الإدراك أن أول اختبار فعلي لقدرة هذه الرابطة تجلى في الثورة الشعبية الإيرانية عام 2009م التي عرفت بالثورة الخضراء أو ثورة التويتر، وقد علق بعض المعجبين بنجاح التويتر في تأجيج تلك الثورة بالقول: “لقد قام التويتر بما عجزت عنه الأمم المتحدة والإتحاد الأوربي مجتمعين لتهديد النظام الإيراني”.

الصين أدركت خطورة هذه المواقع على أمنها، وقد نشرت الأكاديمية الصينية لعلوم الاجتماع في يوليو من عام 2010م تقريرا يحذر فيه من أن أمريكا ودولا أخرى تستخدم مواقع التواصل الاجتماعي لخلق الفوضى وعدم الاستقرار، فقامت الصين بتعطيل خدمة مواقع الشبكات الاجتماعية ومحرك البحث جوجل، كما عملت الحكومتان الصينية والروسية منذ سنين عدة على استقطاب أفضل الكفاءات الوطنية في مجال الانترنت وشبكات التواصل لخلق مواقع مؤيدة للنظام ضد أي هجوم رقمي.

الرئيس الفنزويلي هوجو تشافيز والرئيس الإيراني أحمدي نجاد استوعبا الدرس جيدا، وفي ثورة رقمية مضادة انشئا لهما حسابا في تويتر، واكتسبت مواقعهم شعبية كبرى اكتسحت شعبية مواقع المعارضة. بسبب هذه المواقف الاستباقية استطاعت أنظمة تلك الدول إخماد أنفاس أية ثورة افتراضية يمكن أن تنتقل من العالم الرقمي إلى العالم الواقعي.
فهل ما حصل في العالم العربي كان مؤامرة مدبرة من قبل مؤسسات العالم الافتراضي التي أنشأتها الاستخبارات الغربية؟ ربما، لكن قبل إلقاء اللوم على الغرب علينا أن نستحضر حقيقة أن الحكام العرب لم يدركوا أهمية الإنترنت وتأثير شبكات التواصل الاجتماعي التي أسقطت بعضهم وفي طريقها إلى إسقاط آخرين، فلهذا لم نجد لهم حضورا في هذا العالم البراق الذي يجذب كل ما حوله كما يفعل الثقب الأسود، هذا الغياب عن شبكات التواصل الاجتماعية أظهر الأنظمة العربية في أعين شعوبها بصورة الديناصورات الأحفورية المتخلفة التي ما تزال تحيا في عصور ما قبل التاريخ! والمفارقة أن أول رئيس عربي له حساب في تويتر هو منصف المرزوقي رئيس تونس ما بعد الثورة.

ما يحتاجه الحكام بدلا من اتهام الغرب بالتدخل في شؤون بلدانهم الداخلية أو تبديد طاقات إعلامهم المحنط في الترويج لفكرة المؤامرة عليهم السعي جاهدين للتصالح مع الشعوب والتواصل معها واقعا في المجالس المفتوحة والمناسبات العامة، وافتراضا في العالم الرقمي كي يجس نبض شعبه، ويهجس آلامهم، ويقاسمهم همومهم، ويشاركهم أحلامهم، ليس لأي حاكم من سبيل سوى التواصل مع شعبه، فإن أغرته النفس الأمارة بالسوء بالانعزال بعيدا، هوت به إرادة الشعب من حيث لا يحتسب.

 

 

 نشر هذا المقال في ملحق شرفات الصادر عن جريدة عمان يوم الثلاثاء تاريخ 27/12/2011

اترك تعليق