ديسمبر 22, 2011 - فكر و حضارة    لا تعليقات

من وحي الثورة (3): الأسباب (2)

قلنا سابقا أن الفرد العربي كان يشعر بالحصار والقمع مما اضطره إلى الهرب من الواقع إلى العالم الافتراضي لعله يأتي منه بقبس، أو يجد في العالم الافتراضي هدى، فوجد في مواقع التواصل الاجتماعي الآية الكبرى، حيث استطاعت نفس العربي وللمرة الأولى أن تكسر حاجز الصمت وتبدأ الجهر بالظلم والشكوى.

لقد ساهمت مواقع الحوار والتدوين في إحداث تغييرات شعورية ولا شعورية هائلة أثرت بشكل كبير على طريقة تعاطي العربي مع واقعه اليومي، ومن بين تلك المتغيرات يمكننا تحديد ثلاثة تحولات نفسية حاسمة ساهمت بشكل مباشر في الحراك الشعبي العربي:

الأول: الشعور بالأنس الجماعي، حيث بدأ الناس في إدراك أن هناك من يستشعر آلامهم ويشاطرهم همومهم وأحزانهم، وبات الفرد أقدر على التضحية بالذات من أجل هؤلاء المتضامنين الجدد مع الأفكار والأحلام، وقد ساهم الاشتراك في الهم والحلم إلى تداخل سريع في حيز الحميمية الاجتماعية، والإنسان بطبعه يهتم بتجميل صورته عند الآخر، ويحب أن يظهر بين المقربين منه في صورة البطل الأسطوري الذي لا يقهر، وقد جاء في الآثار أن رجلاً تم جلده في جمع من الناس فلم يذرف دمعا ولم يتأوه، وحين سأل عن سرّ  بأسه ذاك واحتماله الألم، قال: كان فتى بين الجموع يظن فيّ الشجاعة والجلد فخشيت إن أنا بكيت أن تهوي صورتي في عينيه، وكثير من المتظاهرين الذين صمدوا أمام آلة البطش القمعية إنما هم يتمثلون لا شعوريا صورة ذلك الرجل الملهم الذي يخشى أن تتبدد صورته الأسطورية في أعين مريديه.

الثاني: التراتيبة الثقافية الجديدة التي فرضها العالم الافتراضي، فبعد إن كان العرف يقضي بأن يكون عامة المجتمع تبعاً لرموز الفكر والثقافة، خلقت مواقع التواصل الاجتماعية شريحة من المدونين ارتقوا بين متابعيهم إلى درجة الأبطال الأسطوريين. هؤلاء الكتاب الجدد صاروا يتسابقون لا إلى التعبئة ضد الأنظمة العربية فحسب، بل وإلى تسفيه جميع الكتّاب الذين لا يتفقون مع أطروحاتهم، مما اضطر الكثير من المثقفين إلى ركوب نفس الموجة كي لا يتم إسقاطهم أو دفن أقلامهم تحت الأساطيل الرقمية للكتاب الجدد، هؤلاء الكتاب الرقميون ليسوا بالضرورة أبطالا ثوريين، فالكثير منهم لم ينزل إلى الشوارع، ولم يشارك فعليا في المظاهرات والاعتصامات، ولكنه استطاع خلق حرب وهمية داخل عالمه الافتراضي انعكست صورتها في عالم الناس الواقعي، كما وفرت طبيعة العالم الافتراضي الفرصة أمام الكتاب الرقميين لخلق جيوش وهمية من الشخصيات التي يظن الناس أنها لآلاف وربما ملايين من الأفراد بينهم هم نسخ متعددة يتحكم فيها شخص واحد يقبع خلف الحاسوب، هذه الميزة للعالم الافتراضي أعطت الشباب المحرضين قدرة على خلق رأي عام وهمي انعكس تأثيره في وجدان الشارع العربي وجعلته أكثر تنظيما واستعدادا للمواجهة، وللتدليل على قدرة مواقع التواصل الاجتماعي على خلق رأي عام مؤثر قام عالم نفس هولندي بتجربة حيث أنشأ صفحة في الفيسبوك دعا إليها 125 من أصدقائه عنوانها حماية إحدى نوافير الماء الأثرية ضد قرار الحكومة بهدمها، ولم يمر يوم واحد حتى تعدى المشاركون في الصفحة عشرات الآلاف من الهولنديين الذين بدأوا التخطيط للتظاهر والاعتصام اعتراضا على الهدم المزعوم، فقرر العالمُ إغلاق الصفحة وإبلاغ الناس حقيقة تجربته..

الثالث: تبدد الخوف، فقد كان حاجز الخوف وما يزال العائق الأكبر أمام مطالبة البؤساء والمحرومين بحقوقهم، فيما المواجهة -خاصة تلك المصحوبة بالقتل والدماء- تقتلع الخوف اقتلاعا وتستبدله برغبة عارمة في الحياة، وقد جاء في بعض الروايات أن أحمد بن حنبل سئل في محنة خلق القرآن الشهيرة عن سر ثباته، فقال: إنما هو السوط الأول. أي أن كل المخاوف تتساقط مع المواجهة الحقيقية للخطر، حيث يقوم اللاوعي باستبدال الخوف برغبة كاسحة في البقاء والانتصار على الأخطار. إن خوف الشعوب من عقاب الحكومات القمعية يُعد جزءا من الخوف الفطري من المجهول، ولكن حين يبرز هذا المجهول وتتكشف ملامحه يتبدد الخوف منه، وتكتسب النفس ثقة في مواجهته، فلهذا تخطأ الأنظمة المستبدة التي تعمد إلى مواجهة معارضيها بقوة السلاح لأنها تبدد بذلك تأثير عامل الخوف من بطشها… المجهول.

هذه هي الأسباب النفسية التي أطلقت شرارة الثورات العربية وفجرت بركان الغضب الشعبي ضد الحكومات القمعية المستبدة، وأخرجت الشعوب في مظاهرات احتجاجية للمطالبة بالعدالة الاجتماعية وإعادة الاعتبار للشعوب المهمشة والمشاركة في صنع القرار والمساهمة الفاعلة في بناء الأوطان، غير أن هناك عوامل أخرى ساهمت في إلهاب أوار الثورة وانتقال جذوتها من بلد عربي إلى آخر، وأهم هذه العوامل هو الإعلام العربي الذي تعرضنا له في مقابل سابق بعنوان “الإعلام العربي بين سندان الموضوعية ومطرقة الثورة” على صفحات شرفات، وعامل القوى الخارجية الذي لم نطرقه بعد.

 

نشر هذا المقال في ملحق شرفات الذي تنشره جريدة عمان يوم 6 ديسمبر 2011

اترك تعليق