ديسمبر 22, 2011 - فكر و حضارة    لا تعليقات

من وحي الثورة (1): إرهاصات وكرامات

ما سيتم تسطيره في هذا العمود حول الثورات في العالم العربي واحتجاجات الشعوب لم ينزل به الروح الأمين، ذلك أن الأحداث في العالم العربي ما تزال حبلى بالكثير من المفاجئات التي تجعل مهمة استقصاء أصولها واستشراف فصولها عملاً أشبه بالاستحالة، فلهذا ليس مستغربا أن تعيد الأحداث المتواترة صياغة كتابات الدارسين وأبحاثهم بغية اللحاق بقطار التفاصيل خشية وقوعهم في لعنة (فاتكم القطار) التي أطلقها الرئيس اليمني ضد مناوئيه.

كفل مما سنتناوله بالبحث قد تم طرق أشتات منه في بعض الكتابات، بيد أن هذا العمود لا يروم جمع الأجزاء المتناثرة من صورة الواقع العربي المتفجر فحسب، وإنما يتعدى ذلك إلى الغوص في الأبعاد المجهولة التي لم تطأها أقدام الدارسين، من خلال فحص البنى الثقافية وتشريح المكونات المعرفية التي تأسست عليها المجتمعات العربية في العقود وربما القرون الماضية.

 لن نقدم في هذا العمود إجابات جاهزة حول الإشكالات المطروحة، ذلك أن الإجابات المعلبة تؤدي غالبا إلى تسميم العقل وتعطيله، بل الهدف كامن في استثارة الذهن وتحفيزه لطرح مزيد من التساؤلات وتفجير كثير من الإشكالات التي تسعى إلى شحذ الفكر وتدوير عجلة التأمل من أجل النظر إلى الأمور من زوايا مختلفة ورؤية الأشياء من مناظير متعددة حتى يكتمل المشهد العربي الذي ما يزال في طور التشكل، هكذا، أي حين يكون المسطور معبرا عن الحقيقة وحدها، وهكذا فقط يكون المكتوب قريبا من وحي الروح الأمين وبلسان عربي مبين.

أغلب الدراسات التي تعاطت أسباب الأحداث في العالم العربي انتهت إلى إرجاعها إلى عامل واحد فقط، وهو الثورة من أجل الكرامة. وأصحاب فكرة الثورة من أجل الكرامة ينطلقون من حقيقة أن  الأنظمة العربية الشمولية ساهمت في خلق عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية أدت إلى امتهان الشعوب وشعورها باليأس والإحباط والذل والقنوط، والثورة التي تنتشر بين الشوب العربية اليوم هي من أجل التحرر من هذا الذل ومن أجل العيش بكرامة.

لكن ما المقصود بالكرامة؟ فالعرب قديما كانت لهم تفسيرات مختلفة للكرامة، فمنهم من يقول هي تسخير الكون لخدمة الإنسان أخذا بقوله تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}، ومنهم من يرى بأنها العقل باعتبار أن بقية الكائنات غير عاقلة، ومنهم من يعتبر الكرامة هي الدين أو الموت على الاستقامة، وآخرون يزعمون أن الكرامة هي خوارق العادات التي يختص بها رفيعو الدرجات، أما اليوم فيبدو من الشعارات التي يرفعها المحتجون أن كل فريق لديه تفسيره الخاص لمعنى الكرامة، فمنهم من يلخصها بحرية التعبير، ومنهم من يختزلها في المشاركة السياسية، وهناك من يذهب إلى أن الكرامة هي مداولة السلطة، بيد أن الغالبية العظمى من بسطاء الناس تقول أن الكرامة هي العيش الرغيد.

هذا الاختلاف والتباين في تعريف الكرامة وعدم إجماع القدماء والثوار الجدد على تفسير جامع لها يجعلنا نشكك في أن الثورات الشعبية التي تحصل في العالم العربي هي ثورات من أجل ما يسمى بالكرامة، أو الكرامة وحدها، ولعل هتافات المحتجين مارست ضغطا لاشعوريا على كثير من الباحثين الذين لم يستطيعوا تحرير أذهانهم من ضغط العبارات النارية والشعارات الثورية التي تعزز فكرة الكرامة وتستثني غيرها من العوامل التي ربما تكون أكثر أهمية وحسما في إشعال فتيل الثورات في هذا الوقت بالذات، ذلك أن قضية امتهان كرامة الإنسان العربي مسألة أزلية وليست مرتبطة بظهور الأنظمة الشمولية الحديثة، بل هي قديمة قدم الحكم الأموي والعباسي وما تلاهما من إمبراطوريات استعبدت الشعوب باسم الدين. إذن لماذا ثارت الشعوب العربية؟ ولماذا هذا الحراك المثير في هذا الوقت دون غيره من الأوقات؟ هذا ما سنحاول قراءته من خلال التهجد في محراب الحقيقة وتدبر آيات الأحداث التي يتنزل بها هذا الحراك الشعبي الذي لم تعرف الإنسانية له مثيلا، ولم تجد له تأويلا.

 

نشر هذا المقال في ملحق شرفات الثقافي في جريدة عمان بتاريخ 22 نوفمبر 2011

اترك تعليق