أبريل 17, 2009 - فكر و حضارة    2 تعليقان

سعيد الحارثي الملاك الثائر

 لا يموت المثقف بوفاة الجسد طالما ظلت روح فكره حاضرة في وعي الأجيال المتعاقبة،وقليل ما هم أولئك المثقفون الذين يتفاعلون مع الزمان ويتفاعل هو معهم فيصنعون جزءا من التاريخ إما بالفعل والممارسة أو بالتدوين،والشيخ سعيد بن حمد بن سليمان الحارثي الذي انتقل إلى رحمة ربه يوم الأحد الماضي هو أحد هؤلاء المثقفين الذين لم يدونوا التاريخ فحسب بل ساهموا في صناعته ونحت معالمه. لقد تميزت كتابات الشيخ سعيد الحارثي بالثورية الحكيمة التي لا تدعو إلى الفتنة والفوضى، كما اتسم خطابه بالنقد المنصف الذي يعترف بإحسان الخصم بنفس الدرجة التي يثبت فيها تجاوزاته. لقد كان كتاب الشيخ سعيد الحارثي (اللؤلؤ الرطب) أول كتاب يصف المرحلة التاريخية الواقعة بين وفاة الإمام محمد بن عبدالله الخليلي رحمه إلى فترة تولي السلطان قابوس بن سعيد آل سعيد حفظه الله، كانت تلك المرحلة من أكثر حلقات التاريخ العماني فتنا وفوضى واحترابا خاصة مع الانقسام الداخلي والتدخل الخارجي ووجود مطامع إقليمية ودولية.

لم يكن الشيخ سعيد في كتابته لأحداث تلك الحقبة يصدر من مصادر روائية للخبر بل كان هو ذاته ينقل الخبر ويرويه، لقد كان الكتاب عبارة عن سيرة ذاتية للشيخ سعيد الذي كان أحد الرموز السياسية في تلك الحقبة. لقد كان الشيخ الحارثي شاهدا على حقبة من أشد تاريخ عمان ظلمة واسودادا ومع ذلك استطاع أن يوثق الكثير من الأحداث بأسلوب تجلى فيه الوعي السياسي والفقهي والاجتماعي.  وهذا الوعي الثقافي الواسع بارز في كل مؤلفات الشيخ سعيد الحارثي، فالناظر إلى كتاب (نتائج الأقوال من معارج الآمال) يكتشف بداية أن الشيخ سعيد ألفه استجابة لإلحاح طلبة العلم الذين رأوا في الشيخ الحارثي خير شارح لكتاب (معارج الآمال) للشيخ السالمي، وهذه الثقة من طلبة العلم لها دلالاتها الاجتماعية العاكسة لشخصية الشيخ الحارثي المنفتحة على كل الأجيال، والكتاب يبرز مكنة فقهية هائلة لدى الشيخ الحارثي استطاع من خلالها اختصار كتاب المعارج المطبوع في ثمانية عشر جزءا في أوراق معدودة، إضافة إلى تضمين هذا المختصر (نتائج الأقوال) الكثير من تجارب وقراءات الشيخ الحارثي. 

 كان الشيخ الحارثي قريبا جداً من الناس، كان كثير الأسفار والترحال، ودائماً ما يحدثك في جلساته العامرة في بيته المفتوح لكل زائر وخاطر عن مشاهداته الحضارية والاجتماعية، ولقربه من الناس ومعرفته بأحوالهم شرع في تألف رسائل (غرس الصواب في قلوب الأحباب) لغرس روح الفضيلة في المجتمع بأسلوب أدبي رائع جمع بين بساطة العبارة وجزالة المعنى. كان الشيخ الحارثي متابعاً لأحداث العالم تبهجه أفراح الأمة وتحزنه أتراحها،كان بيته قبلة يأمها طلبة العلم وعامة الناس، حين سكن في مطرح كانت المنطقة التي حل فيها عامرة بالزائرين وحين انتقل منها أضحت جدباء موحشة لا زائر فيها ولا عامر. مجلسه لا يكاد يخلو من جماعة غادية ورائحة. لقد أعطى الشيخ سعيد كل وقته للناس تواصلا وتعليما وتوجيها وتطبيبا لجروح النفس، لقد كان الشيخ سعيد في خلقه وتواضعه وسمته ملاكا يمشي على الأرض يشع وجهه بنور الإيمان ويتوشح جسده ثياب الإحسان. لقد فقد الزمان الشيخ سعيد الحارثي وبكاه المكان الذي عمره بالإيمان والأخلاق الإنسانية النبيلة، ونحن لا نملك سوى الدعاء له بالرحمة والرضوان ولأنفسنا بالثبات على طريقه والسير في دربه وأن يجمعنا الله تعالى به في مقعد صدق عند مليك مقتدر. 

 

 

زكريا بن خليفة المحرمي

ملاحظة: نشر هذا المقال في جريدة الوطن العمانية يوم الجمعة 21/4/1430هـ 17/4/2009م ولكنه جاء مشوها حيث قامت الجريدة بحذف أجزاء منه وترقيع أجزاء أخرى، وقامت بتغيير العنوان إلى (سعيد الحارثي المنفتح على الأجيال) دون الرجوع إلي أو التشاور معي والحمد لله على كل حال.

2 تعليقان

  • أشكرك أخي (أبو حمزة).

    أشكرك سيدتي (الأميرة)

  • مقال جميلٌ جداً..

    رحمة الله على تلك القلوب الطاهرة

اترك تعليق