أكتوبر 3, 2008 - فكر و حضارة    التعليقات على خواطر طائرة مغلقة

خواطر طائرة

 

كثير هم العمالقة في تاريخنا العربي المجيد، وكثيرة هي المحطات التي نستطيع استجلائها من خلال اقتفاء آثارهم لو أدركنا أننا نستطيع بناء الذات وأننا جديرون بالتميز عوضا عن التوسل والرضى بالفتات. ابن بطوطة وابن خلدون علمان عملاقان تميزا بالسياحة والمطالعة وقراءة واقع الناس وتاريخهم ودراسة علاقتهم ببعضهم، أراد الإثنان أن يقدما للعالم رؤيتهما لأسباب نهوض الأمم وانهيارها، أحدهما آثر السياحة والسفر، والآخر عاش بين العرب والبربر، ولكنهما قرأا كثيراً وكتبا كثيراً، وكانت كتابتهما هي الأكثر تميزا في مجال علم الاجتماع والتاريخ والجغرافيا البشرية، فأين نحن منهم، ولماذا أضحت سفراتنا خاوية إلا من الترفيه أو الانحباس في مغاليق الدراسات والدورات التعليمية دون التفات ولا اكتراث بواقع الناس وأحوالهم وطبائع معاشهم وأسرار تقدمهم أو فضائح تأخرهم.

في رحلتي الأخيرة أغرقني سيل الرسائل النصية المشيعة والمودعة المليئة بالحب والأمل، فتفكرت في المنقطعين عن الناس والقابعين في أبراجهم الورقية بدعوى النخبوية أو الثراء والجهوية وهم يظنون أنهم في كراسي عاجية وهي ليست سوى سجون وحشية تمارس فيها الروح رذيلة الاعتلاء على البشرية، فحمدت الله على البساطة وحب الأهل والجماعة.

في المطار يدهشك منظر المدخنين في قفصهم الزجاجي كالقطط الحبسية حيث تم عزلهم حتى لا يسرقوا منا نعمة الجو وصفاءه والهواء ونقاءه، فهل هم منتهون عن هذه العادة القبيحة التي ليس من ورائها سوى رائحة نتنة وأسنان خربة وشرايين متيبسة وقلوب عليلة وأسر منتحبة لمتمرد فضل مصارعة ثور سرطان السجائر بدل الالتفات إلى أحلام أطفاله وأمال أزواجه.

تخيل أن يتمزق حذائك بل ويتفت وأنت في الطائرة، هذا ما حصل دون مقدمات ولا إشارات، فالفقير ملزم دائماً أن يدفع مرتين الأولى حين يشتري شيئاً رخيصاً والثانية حين يهتريء ويفسد فيحتاج إلى استبداله، وقديماً قيل أن الحذاء يعكس شخصية صاحبه باعتباره الأساس الذي يقف عليه ويستند إليه، ولحسن الحظ كانت هناك محطة تغيير طائرة حيث الأسواق الحرة لا تخلو من محل لبيع الأحذية، والناس عادة لا يفضلون الطائرات غير المباشرة، ويتطيرون مما يسمى عرفاً بـ (الترانزيت)، لكنه كان ترانزيت خير وبركة جنبنا الإحراج وتعكر المزاج، وصدق الحكيم الكريم حين قال في الخمر والميسر {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}، فحتى شر الأمور لا تكاد تخلو من منفعة لمن علم أسراراها.

الخير ليس معدوما من البشر، فلا تكاد تطلب حاجة في الطائرة أو المطار إلا وامتدت إليك الأيدي معينة ومساعدة وموجهة، ليت هذه السماحة تستمر في الناس خارج عالم الطيران، ليت الطائرات تنفث أجواء العالم المليء بالعداوة والحروب ببعض من سماحة راكبيها، ليت غيث السماحة الطائر ينهمر على عراقنا ولبنانا وفلسطيننا وسوداننا وصومالنا وأفغاننا وشيشاننا وتشادنا ونيجرنا، والكثير من (ننا) لإننا وحدنا من كتب علينا أن لا يسامحنا أعداؤنا، وربما أن لا نسامح أنفسنا!

الناس مذاهب في ممارسة فضيلة الصمت، كما أنهم ليسوا سواء في ممارسة فريضة الكلام، ولتجدن أكثر الناس ثرثرة في الطائرات المضيفات والذين معهن حتى ليضيق المجلس بالباحثين عن الهدوء حينما تقذف بهم سهام الحظ في المقاعد الخلفية، وما يزيد الأمر تنغيصاً معرفتك بلغة المضيفات، فهن لا يتحدثن عن سباق الرئاسة الأمريكية ولا أسعار النفط القياسية بل أكثر كلامهن عما يتفصد له الجبين عرقاً حياء وخجلاً، باختصار هي أمور نسائية ربما حتى بعض النساء يستحين من الحديث عنها! ولعل في سماعات الأذن وما تنقله من برامج سمعية مخزنة في الهواتف سلوى ومهرب من جلسة (المُعصّرات) في مؤخرة الطائرات!

السفر قطعة من العذاب، هكذا روي عن النبي الأمي، وقولته حكمة لا تخرج إلا من مشكاة القرآن، فلا السيارة أبعدت التعب ولا الطائرة أنهت العذاب. لا شك أن الاحساس بالاجهاد أمر نسبي، ولكن تجربة السفر بالطائرة تكفي للتدليل على ما يصيب المرء من تعب ونصب، والناس في الرحلات الطويلة تحسبهم أيقاظاً وهم رقود، وترى المطبات إذا طلعت تقلبهم ذات اليمين وإذا غابت تقرضهم ذات الشمال وهم في ضيق من الطائرة. مغبون من يلبي النوم نداءه حين يشاء، ومسكين من يبات سهير الرحلة داجي العين، وهو يعلل نفسه ويسليها بالقول غابطاً النائمين: ناموا ولا تستيقظوا، ما فاز إلا النوم.

القصة أو الرواية هي خير أنيس في وحشة السفر، وكنت فيما مضى أظن أن ثقافة الأوربيين هي ثقافة قصص وروايات وحسب لأنك لا تراهم يقرأون إلا القصص والروايات، حتى سماهم البعض بأهل “ثقافة هاري بوتر” نسبة إلى روايات هاري بوتر الخرافية التي بيع من الجزء الأخير منها وحده أكثر من عشرة ملايين نسخة! وفي الطائرة وما قبلها وبعدها تدرك أن القصة والرواية هما وحدهما الجديرتان بمليء فراغ الرحلات، فالكتب العلمية والثقافية والفكرية المدرسية تحتاج إلى أجواء تختلف تماماً عن أجواء الطائرات لما تستلزمه من تركيز وانتباه وحضور لقواميس ومعاجم ومراجع لا تحتاج إلى أي منها وأنت تقرأ القصة والرواية، ولأن الأوربيين يقرأون كثيراً فقد أدركوا بالتجربة والاختبار أن أفضل كتاب للرحلة هو قصة أو رواية بينما الكتب العلمية محلها مكتبة المنزل أو الجامعة أو المكتبات الوطنية، فأدركت ساعتها أن تعبير “ثقافة هاري بوتر” لا يدلل على خواء قرائي أوربي بقدر ما يعبر عن ضعف قرائي عربي للآخر.

 أخيراً يجدر بنا أن لا ننسى أن أروع القصص والروايات وأصدقها وأعظمها فائدة هي تلك التي جاءت في ثنايا القرآن المجيد، وصدق الحق حين قال في سورة يوسف: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ}. يقول الدكتور حمود الدغيشي أن القرآن حوى في قَصصه كل عناصر القصة والقصة القصيرة جداً بل وحتى الرواية، وهو يتعجب كيف غفل المسلمون عن استلهام تلك العناصر الكامنة في النص القرآني لبناء تصور نقدي أدبي حتى سبقهم الأوربيون إلى ذلك، والإجابة على تساؤل الدكتور الدغيشي تعود بنا إلى مجدداً إلى هجران تراث ابن بطوطة وابن خلدون والانكفاء العربي عن التدبر والبحث وقراءة تجارب الآخرين.  

التعليقات مغلقة.