أبريل 11, 2007 - فكر و حضارة    5 تعليقات

قراءة في فكر محمد أركون ج3

إعداد: د. زكريا بن خليفة المحرّمي

منهج أركون وصراع الهوية :

من خلال القراءة السريعة نتبين بما لا يدع مجالاً للشك أن الأطروحة الأركونية تعاني من خلل على مستوى المنهج والتطبيق، لقد تبدى لنا واضحاً التأثير العكسي لحالة الاستلاب التي يعاني منها الطرح الأركوني، كما تجلى بوضوح مفعول الصدمة الحضارية الغربية التي طبعت الفكر الأركوني ليس على مستوى التطبيق فحسب بل حتى على مستوى البنية المعرفية.

 

لقد انطلق أركون معترفاً بمرجعيته الغربية في مزرعة التراث العربي والإسلامي لا زارعاً لشجرها وحاصداً لثمرها بل ليخضدها بالتجربة الغربية على مستوى الأصل حيث العبث بالجينات والأحماض النووية، وعلى مستوى الفرع حيث استخدام الأسمدة الكيماوية السّامة، إن الفكر الاستشراقي الذي اندفعت منه حمم أركون الهجائية على العقل العربي والمسلم لا يريد -كما يظن أركون- التواصل مع الشرق وتقديم الخلاص الغربي له وإنما يريد تجريد هذا الشرق من تاريخه وإظهاره بمظهر الكهف المهجور الذي حطت فيه رحال الثقافة الغربية اليونانية في مرحلة ما من تاريخ الحضارة الإنسانية.من اللفتات المهمة التي لم يتنبه إليها محمد أركون وهو يوزع بالجملة والمفرق ديوان هجائه للعقل الإسلامي الذي وصفه بـ(مشروع العمر) [أركون “قضايا في نقد العقل الديني” ص183] أن المناهج الغربية التي يبشر بها تحتاج هي نفسها إلى أن تدخل في معامل الاختبار لتخضع لموازين المنطق وفق معايير فلسفية صارمة، فهي لا تعتمد على قوانين مطلقة كما هو الحال مع العلوم الطبيعية بل هي قائمة في الكثير من جوانبها على نظريات وفرضيات أو  حقائق نسبية، فالمناهج التاريخية والأنثروبولوجية والسيميائية التي تتردد اسماؤها في مؤلفات أركون ومحاضراته إن كانت بتلك الهشاشة التي أبداها أركون في تطبيقاته على القرآن الكريم واللغة العربية فإنها لا تصلح لتقويم تراث شعوب أقزام البجميز البدائيين في غابات أفريقيا السوداء فضلاً عن أن تتصدى لتقويم الحضارة الإسلامية التي نفخت في جثة أوربا الهامدة الحياة. 

يميز مالك بن نبي (ت 1971م) وهو فيلسوف جزائري عاصر أركون في كتابه (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي) بين نوعين من التثاقف مع الغرب، الأول يتثمل في انتقاء الأفكار الصالحة التي يمكن أن يستفاد منها في صناعة الحياة والبناء الحضاري، والثاني يتثمل في استيراد الأفكار الفاسدة المميتة التي هي عبارة عن أعراض جانبية للثقافة الغربية، ويسمي الأول غذاءً والثاني عفناً، ويذهب الفيلسوف وعالم الإجتماع الإيراني علي شريعتي إلى نعت عملية استيراد الأفكار المميتة بـ(الاستحمار) ويعتبرها عملية ممنهجة تقوم بها دول الاستعمار لقطع العلائق بين المثقف وتاريخه وثقافته فتشككه في أصالتهما وتوهمه بسطحيتهما فريتمي المثقف في أحضان المستعمر كما يرتمي الطفل في حضن أمه حين تضربه، ويرتمي العبد الصوفي القائل بوحدة الوجود في حضرة التجلي المزعوم، فيكون المثقف هو الصوفي والمستعمر في مقام الإله المقدس الذي يسبّح المثقف باسمه ويحمّد، وهذا يفضي بالمثقف إلى الانقلاب على تاريخه ودينه وثقافته [شريعتي “العودة إلى الذات” ص106-109]، وللأسف الشديد فقد كشفنا فيما مضى صوراً من الهجاء الظاهر والباطن للقرآن واللغة العربية بصفتهما المكونين الأساسين للعقل المسلم حسب محمد أركون. 

إن الباحث لتتملكه الدهشة من الممارسة الأركونية المهمِلة لاعتبارات الزمان والمكان والخصوصية والهوية، فحتى الدراسات الطبيعية (الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية) تراعي هذه العوامل للحصول على النتائج المثلى، فكيف يتأتى لنا إسقاط كل المناهج الغربية غثها وسمينها على الثقافة الإسلامية وحضارتها وتاريخها دون مراعاة لعوامل الاتفاق والافتراق بين الثقافتين، فالعلاقة بين الدين والدولة في الثقافة الإسلامية تختلف عن مثيلتها في الثقافة الأروبية المسيحية، فالإسلام كما يقول عبد الجواد ياسين في (السلطة في الإسلام ص11) نشأ ودولته دفعة واحدة، أما المسيحية فعلى خلاف ذلك قد تكونت كما يقول براتراند بادييه: (خارج الهياكل الإمبراطورية لفترة امتدت إلى أكثر من ثلاثة قرون. ثم اندمجت فيما بعد مع هذه الهياكل، الأمر الذي سرعان ما تعرض للخطر بسبب تدهور الإمبراطورية وتحلل النظام السياسي… لقد دفعت العديد من المجازفات منذ وقت مبكر للغاية مسيحية العصور القديمة والوسطى إلى تبني ذاتها كمجال مستقل للسلطة). وذلك يعني أن عملية الإندماج التي تمت بين المسيحية والدولة الرومانية في القرن الرابع الميلادي، إنما كانت تتم بين مؤسستين كاملتين تتمتع كل منهما في مواجهة الآخر بكيان ذاتي مستقل، الأمر الذي ظل يصبغ بصبغة الإزداوجية تاريخ العلاقة بين الكنيسة والدولة، وهي الوضعية التي فرضت على الطرفين مقولة تقسيم العالم بين الرب وبين قيصر، وقد انتبه برنارد لويس إلى هذا الفرق بين الإسلام والمسيحية فقال: (لم تنشأ أمام محمد وأصحابه مشكلة الاختيار بين الله وقيصر، ذلك الفخ الذي لم يقع به المسيح، وإنما وقع في حبائله كثير من المسيحيين، ففي الإسلام لا يوجد قيصر بل الله وحده… فالواقع أنه لم يكن يوجد في المفهوم الإسلامي مقابل حقيقي لمثل تلك الأضداد: ديني ودنيوي، روحي وزمني، كهنوتي وعلماني. ولم يظهر مثل هذا التضاد إلا بعد وقت طويل جدا حين استحدثت كلمات جديدة للتعبير عن مفاهيم جديدة) [عبد الجواد ياسين، المرجع السابق ص10-11]، من هنا يتجلى أن الدعوة إلى نقل العلوم الاجتماعية الأوربية إلى جامعتنا وتدريسها على أنها حقائق مطلقة ومُسلّم في علميتها هي كما يقول علي القريشي (عمل أبله وخطير، وقد كان له بالفعل آثاره السلبية على صُعد الفكر والمعرفة والسلوك) [القريشي “مجلة آفاق الثقافة والتراث” العدد 19، نوفمبر 1997م].  لقد استلزمت تطلعات أركون الواسعة الخيال مَدَيَات أكبر من المصداقية العلمية، فهو حين طالب العقل المسلم بتبني مبدأ الحرص على (الشمولية والإحاطة بجميع ما توفر من مصادر ووثائق ومناقشات دارت بين العلماء حول الموضوعات التي يعالجها) لم يجهد نفسه كي يطالع الموقف الإسلامي الكلّي من قضية تدوين وترتيب القرآن الكريم مكتفياً بالفتات الروائي المغشوش لأهل الحديث، وهذه الانتقائية المُدينة للفكر الإسلامي والمنتقصة من اللغة العربية تكررت أيضاً حين اكتفى أركون بالطرح الهاماني فيما يتعلق بجدلية الفكر واللغة ولم يعر طرح همبولت وسايبر إية أهمية، وختمها بمتابعة رينان المتعصب للغات الأوربية بالقول بجمود العربية وعدم تطورها مخالفاً بذلك القانون الكوني الطبيعي الذي صرح به أغلب علماء الألسنية، فانتصر لرؤاه بأدلة واهية مزيفة للحقائق، ولم يعمل وهو يفاخر بدعاوى العلمية والأكاديمية بنصيحة إمانويل كنت: (قرائي لن ينتظروا مني أن ادافع عن قضية عادلة بأدلة غير منصفة أو ببراهين غير أمينة).   

5 تعليقات

  • الأخ (youcef tadjrouna)أشكرك على حسن الظن والتقدير.

    اتمنى أن تصل كتبي وجميع الكتب الإسلامية إلى القاريء العربي والمسلم في شرق الأرض وغربها بيد أن ما كل كا يتمنى المرء يدركه، والأخ طالب الظامري صاحب مكتبة الظامري للتوزيع والنشر وعدنا بتوزيع كتبنا في الجزائر وغيرها.

    وفقك الله إلى ما تحب ويرضى.

  • الاخ (zamu01):

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    اخي العزيز كتاب (قراءة حضارية في نعيم الجنة) لم يطبع بعد لظروف مالية.

    نسأل الله تعالى أن ييسر الأمور ويخرج الكتاب إلى النور.

    وشكرا لك على الاهتمام وفقك الله إلى كل خير.

    زكريا المحرمي

  • أشكركم على الرد وأضم دعائي إلى دعائك بأن أطلب من الله أن ييسر الأمور ويخرج الكتاب إلى النور.
    سؤال: هل ترغب في إشراك الآخرين في المساهمة المالية لطبع الكتاب؟ أعرف من لديهم الرغبة في المساهمة في هكذا أمور.
    سؤال آخر: هل لديك مانع من اقتباس واستعمال- حرفيا أو ضمنيا- القراء لبعض المواضيع التي كتبتها واستعمالها في أماكن مختلفة كالمحاضرات والدروس وعمل المطويات مثلا ووسائل مدرسية الخ؟ على سبيل المثال: مقالك عن العيد والتقوى، هل يمكن لشخص ما أن يستعمل هذا المقال لالقاء درس للآخرين أو تلخيص ما جاء فيه في مطويه تطبع وتنشر؟
    شكرا،
    zamu01
    بالمناسبة، بعد ضغطي على (أرسل تعليقك) انتهزت فترة انتظاري للنت ليرسل إليك التعليق فقرأت الجزء الثالث من (قراءة في فكر محمد أركون ج3). جزاك الله خيرا
    لم أكن أعرف عن محمد أركون وعن وجوده. عرفته الآن. جزاك الله خيرا.

  • الأخ الكريم (zamu01) أشكرك على الاهتمام.

    كل ما أنشره في هذا الموقع يجوز للجميع أن يستفيدوا منه بالطريقة التي ترضي الله سبحانه وتعالى وتخدم الإسلام والمسلمين سواء أكان ذلك على شكل دروس أو مطويات أو مقالات أو برامج مع الإشارة قدر الإمكان إلى المؤلف والناشر أو على الأقل إلى الموقع.

    بخصوص الدعم المالي أرجو مراسلتي على البريد الإلكتروني:

    drzaknet@maktoob.com

  • أظن أن خطأ محمد أركون هو إعتماده على التفكيك دون
    تقديم البديل عكس السيد الحاج حمد الذي إستفادة من الأخطاء الفكرية التي إرتكبها أركون.لهذا تبقى العالمية الإ سلامية الثانية الأرضية الصلبة للإنطلاق بفكر ونهج جديد يفتح أفاق ونظرة جديدة أمام التراث الإسلامي.