أبريل 11, 2007 - فكر و حضارة    التعليقات على قراءة في فكر محمد أركون ج2 مغلقة

قراءة في فكر محمد أركون ج2

إعداد: د. زكريا بن خليفة المحرّمي 

اللغة العربية والحصار المزدوج  

أما فيما يتعلق بموقف أركون من اللغة العربية فيكفي أن نستشهد منه بالأقوال التالية: (إذا استمر الفكر زمناً طويلاً وهو يكتفي بترديد ما تسمح به اللغة والنصوص العقائدية والرامزات الثقافية وإجماع الأمة ومصالح الدولة بالتفكير فيه، فإنه يتضخم ويثقل ويتراكم. ويسيطر على العقل عندئذ ما لم يُفكّر فيه بتلك اللغة وفي تلك الدائرة المعرفية وتلك الحقبة التاريخية. وهذا ما يختبره كل عربي ناطق باللغة العربية فقط، ولا يعرف غيرها من اللغات الأجنبية الحديثة، أقصد اللغات التي كيّفتها الثورات الفكرية والعلمية والفلسفية الحديثة) [أركون “الفكر الأصولي” ص11].

وهذه العبارات تفصح عن موقف اتهامي ضد اللغة العربية والتراث الإسلامي معاً، فحسب أركون أن العقل الإسلامي أسير للغة العربية التي هي أسيرة للتراث الإسلامي الضخم والمتراكم، وبذلك يكون العقل الإسلامي رهين المحبسين (اللغة والدين)، ولا يتوقف أركون عند هذا الطرح الإنتقاصي من اللغة والدين معاً بل يتجاوز ذلك إلى تبخيس مسيرة تعريب العلوم والمعارف في الدول العربية ويصف العملية بأنها إعلان لـ”التبعية” حيث يقول في كتابه “قضايا في نقد العقل الديني” ص41: (إن اختيار اللغة العربية والثقافة العربية كمقومات للهوية وكأدوات للبناء الوطني في الدول المغاربية الخمس قد خلق حالة من التبعية بالنسبة للبلدان العربية في المشرق بعد الاستقلال)، هذا الموقف السلبي حيال اللغة أدى بأركون إلى التحريض ضد عمليات التعريب في بعض الدول العربية حيث يقول في كتابه “الفكر الإسلامي” ص17: (إن الضبط الإيديولوجي الصارم المفروض على المجتمع من قبل كل أشكال الأنظمة الموجودة منذ عام 1960 بالإضافة إلى التعريب والتفريس بالمعنى اللغوي للكلمة للحياة القومية قد أدّيا إلى تعميم الرقابة الذاتية والإكراهات السيمانتية المعنوية والبلاغية المرتبطة باللغات الإسلامية التي لم تشارك حتى الآن إلا قليلاً في التفكير بمسائل الحداثة الفكرية، والدّنيوة أو العلمنة، وحقوق الإنسان، ودراسة الظاهرة الدينية، الخ… وقد راح الفكر النقدي يفقد مواقعه كلما راح التعريب يتسع ويكتسح المواقع. هذا ما لاحظته الحكومة التونسية مؤخراً ودفع بها إلى إعادة تعليم اللغة الفرنسية كلغة ثانية من جديد).  إن الموقف الإتهامي الأركوني ضد اللغة العربية يقوم على فهم حدّي للعلاقة بين الفكر واللغة، فهو ينظر إلى اللغة باعتبارها تابوتاً مغلقاً يدفن العقل في مقبرة التراث، وأنها بجانب تحديدها لقدرتنا على الكلام تؤطر قدرتنا على التفكير، فبالنسبة إلى أركون ليس العقل سوى نتاج بيولوجي للجينات المتنحية التي تحتويها اللغة، وهذه النظرة الأركونية مستقاة من يوهان هامان المعروف بـ”مجوسي الشمال” الذي كان خصماً لإمانويل كنت وأطروحاته العقلية، وكان هامان رائداً للاعقلانية الدينية التي شنت حملات صليبية ضد العقلانية التنويرية لإمانويل كنت، ومن أقوال هامان التي تمثلتها الرؤية الأركونية (العقل يساوي لغة، لوغس)، و(اللغة أمُّ العقل والوحي)، و(من لم ينفذ إلى داخل اللغة التي هي رحم العقل فلا معمودية له).    

وقد تصدى فلهلم فون همبولت للاعقلانية الهامانية قائلاً: أن اللغة إن كانت تحدد رؤية الأمة في فترة ما من فترات نشوئها فإنها لا تحدد ملكة التفكير عند الأفراد، والتفكير ليس ملكة للأمم إلا بقدر ما تكون تلك الأمم أقرب للبدائية، حين تكون لغتها نوعاً من الغناء، وفي الأطوار التالية من الحضارة تبدأ التمايزات الفردية وتنبت لكل فرد هويته الخاصة، وتكون اللغة مجرد أداة طيعة تابعة للفكر، فاتهام اللغة العربية بالتخلف والقيام بدور سجّان التراث هو اتهام تحقيري للأمة الإسلامية جميعاً بأنها أمة بدائية تعيش في كهوف وأدغال التراث. وقد طرح ادوارد سابير فكرة الافتراق بين مسار تطور الفكر ومسار تطور مورفولوجيا اللغة (النحو والإيقاع) إلى درجة عكسية أحياناً، فاللغة حسب سابير تتبسط من تعقيداتها النحوية والإيقاعية كلما تقدمت وتعقدت طرائق التفكير، ويضرب سابير اللغة الإنجليزية والألمانية مثالاً على ذلك، وانتفاء العلاقة السببية بين اللغة والفكر يعني ضمناً انتفاء تشكيل اللغة لوعي الإنسان ونظرته للكون [طرابيشي “اشكاليات العقل العربي” ص71-277].

والعربية غنية بحروفها وجذورها واشتقاقاتها بجانب امتيازها بالخصوبة الصالحة لاستيعاب المزيد من الكائنات الحسية والمعنوية التي تطرحها الحداثة وما بعدها، فالمفاهيم الحداثية التي يتهم أركون العربية بعدم القدرة على استيعابها ليست سوى معان قائمة في الذهن، وما اللغة سوى مرآة عاكسة للصور المخترقة للذهن، والتعبير عن المفاهيم يأخذ شكلين، أحدهما (شعري) يقوم بنظم المفاهيم والمعاني داخل إطار “المصطلح” كما يفعل الشاعر حين يسبك المعاني في مفردات القصيدة. والآخر (نثري) يقوم بسرد وتفصيل المعنى لذلك المصطلح، ولا يفوتنا أن نذكر في هذا المقام أن ارنست رينان المعروف بعدائه للغات السامية القائم على التعميم الشكلي بسبب اكتشافه قصور اللغة (العبرية) أقرّ بالغنى والمرونة والكمال للغة العربية حيث قال: (إن هذه اللغة التي كانت مجهولة من قبل تتكشف لنا على حين غرة في تمام كمالها وبمرونتها وغناها اللامتناهي، تامة مكتملة إلى حد لم يطرأ عليها منذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا أي تبدل يذكر). أما مسألة التطور التي ينفيها رينان عن اللغة العربية فإنها تعود كما يقول انطوان مييه إلى أن رينان عاش في عصر كان يؤمن بثبات الأنواع، وأنه كان ينظر إلى اللغات السامية من خلال عدسة العبرية.   إن تطور اللغات وتغيرها يعد قانون كوني حيث يقول الألسني الدانماركي الكبير لويس هييمسليف: (إن الاكتشاف الأكبر الذي اجترحته اللسانيات التكوينية في القرن التاسع عشر وجعلت منه السمة الأساسية للشطر الأعظم من لسانيات القرن العشرين هو أن اللغة تتغير). ويقول فريدنان سوسور: (فاللغة تتغير أو تتحول بالأحرى تحت تأثير جميع العوامل التي يمكن أن تطول أصواتها أو معانيها، وهذا التحول محتوم: فليس ثمة من مثال على لغة تستطيع مقاومته)، وحتى لا يقال أن أقوال هؤلاء إنما تقتصر على اللغات الأوربية فإن الفرنسي اندريه مارتينه يأكد أن قانون التطور اللغوي يسري على جميع اللغات حيث يقول: (إنها لواقعة لا تقبل جدلاً أن كل لغة هي، في كل لحظة قيد تطور)، ويذهب الأمريكي ماريو باي إلى ما هو أبعد من ذلك فيقول: (حتى اللغات المسماة بالميتة تشارك في هذه الخاصية التطورية) [طرابيشي “اشكاليات العقل العربي” ص71-277].   فلمز العربية بالسكون وقذفها بعدم التطور يحتاج أصحابه إلى إعادة تأهيل على المستويين النفسي لاقتلاع الهزيمة النفسية أمام الغرب والفكري لبناء منظومة معرفية سليمة وواقعية قادرة على تلمس ما يصفه البعض بالولادة الثانية للغة العربية في عصر النهضة حيث يقول عبدالعزيز الأهواني: إن (هذه اللغة المسجوعة المثقلة بالزخارف والزينة لم تلبث أن نزعت عنها أثقالها وتجردت من زخارفها المصطنعة، وصارت مرسلة طليقة، وخف التزمت في وجوب التزام الصحاح من الألفاظ، فانفسح المجال لآلاف الألفاظ المعرّبة والدخيلة والعامية بعد شيء من الصقل، وسمح لها أن تحتل مكانها بين الألفاظ الأصيلة… وأهم من هذا كله أن اللغة العربية اقتحمت ميادين الثقافة كلها من علوم وآداب وفنون، ودارت المطابع في شرق الوطن العربي وغربه تصدر آلافاً من صحف يومية ومجلات أسبوعية وشهرية، وتضخمت المكتبة العربية الحديثة تأليفاً وترجمة تضخماً هائلاً، وأصبحت ملايين الكتب المدرسية في أيدي الصغار في مدن الوطن وقراه بل صار المستمع الأميّ يفهم ما يوجه إليه في الإذاعة من نشرات إخبارية وأحاديث باللغة العربية).   ويرى جورج طرابيشي أن الطفرة اللغوية التي تعيشها العربية (قد توالت على الأخص عملية التأصيل اللغوي، ليس فقط من خلال الترجمة والتعريب، بل كذلك من خلال التجديد في الاشتقاق وفي التوليد الدلالي)، وأن هذا التطور قد امتد (من الألفاظ إلى التراكيب والبنية المورفولوجية) وأشار مدلالاً على ذلك إلى كتاب صفاء خلوصي (معجم التعابير المعاصرة) الذي حوى عشرين ألف مادة، وكتاب ابراهيم السامرائي (اللغة والحضارة) الذي رصد فيه المئات من التراكيب والأساليب اللغوية التي تنم عن تحول مورفولوجي في سلوكية اللغة العربية تحت تأثير الترجمة [طرابيشي “اشكاليات العقل العربي” ص213-215].   وغنى اللغة العربية وكمالها الذي أشار إليه رينان جعلها تتبوأ الصدارة في الدقة والصفاء فيما يتعلق بصياغة المصطلحات لمنتجات الحداثة، فعلى سبيل المثال تم التعبير في العربية عن مصطلح المؤسسة المالية (Bank) لفظ (المصرف) الذي يصف مكان صرف الأموال والتعامل بها حفظاً وتبديلاً، أما لفظة (Bank) فلا علاقة لها بعملية التبادل المالي إذ هي تعني الركام أو الكومة ، وقد استعملت للتعبير عن (المصرف) بسبب تراكم الأموال وتكومها فيه، فشتان في الدقة والوضوح بين الاصطلاحين العربي والإنجليزي، وكذلك الأمر في الغواصة التي اصطلح على تسميتها في الإنجليزية بـ (Submarine) المركبة من كلمتين (Sub) وتعني تحت أو أدنى وكلمة (marine) وتعني البحري أو الملاحي، فاللفظة الإنجليزية لا تعبر عن الغواصة إلا في كونها متعلقة بأسفل البحر، أما اللفظة العربية فهي تعبر بدقة عن عملية الغوص التي هي بلا شك أكثر إيحاءاً بالحركة والفعل الديناميكي تحت الماء.   

 

التعليقات مغلقة.