أبريل 10, 2007 - فكر و حضارة    تعليق واحد

قراءة في فكر محمد أركون ج1

إعداد: د. زكريا بن خليفة المحرمي :

لقد أيقظ دوي مدافع نابليون بو نابرت وهي تدك أسوار القاهرة إحساساً إسلامياً عارماً بتخلف الأمة الإسلامية في قبال النهضة الحضارية الأوربية، وقد قف المفكرون المسلمون حيال الصعقة الحضارية الأوربية موقفين، الأول هو موقف المنبهر بالحضارة الأوربية وعلومها الفلسفية والإجتماعية والسياسية والتقنية وعرف هذا الصنف بـ “الحداثيين” أو “الليبراليين”. الموقف الثاني مثله الناكصون إلى الثقافة الإسلامية بكل إرثها الحضاري، وعرف هذا الصنف بـ”السلفيين”.

والأطروحات الفكرية الإسلامية المعاصرة لا تخرج في جملتها عن هذا الإطار إلا ما ندر من إبداعات مخترقة لحواجز التصنيف المنغلق إلى فضاء الحرية والاستقلالية الفكرية التي تستفيد من الأول لترميم الثاني بحيث تمزج بين التراث والحداثة والتاريخ والمعاصرة. ولا يخفى على متأمل الانتكاسة الواضحة التي منيت بها حركة الإصلاح في العالم الإسلامي، هذه الانتكاسة تتجلى في الانحدار الفكري والإبداعي الحادّ بين الرواد الأوائل وعلى رأسهم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وبين من جاء بعدهم، وليس من المبالغة القول إن الحركة الإصلاحية التي نراها اليوم ليست سوى بقايا تائهة من وهج حركة الرواد.

هذا المدخل المختصر ربما يمثل نافذة نستطيع من خلالها الإطلال على أطروحة المفكر الجزائري الأصل الفرنسي الجنسية الدكتور محمد أركون الذي أثار في أطروحاته حول الفلسفة الإسلامية الكثير من المشاعر المؤيدة لخطابه أحياناً والمضادة لأطروحاته في أغلب الأحايين، لقد أدرك أركون منذ البداية أن مشروعه الناقد للعقل الإسلامي يستتبعه الكثير من المسؤوليات ولا يخلو في بعض جوانبه من اتهامات، وهو يعبر عن ذلك بالقول: (ربما ظن بعضهم أني تبنيت هذا الموقف المعرفي والمناهج التابعة له تأثراً بالتيارات العلمية المتتابعة السائدة في الجامعات الغربية وبخاصة باريس، وربما استنتجوا أني أفرض على الإسلام والفكر الإسلامي ما لا ينطبق عليهما من إشكاليات ومنهجيات ومصطلحات وتأويلات خاصة بالفكر الغربي أو الأوروبي، كثيراً ما سمعت هذا الاعتراض، وكثيراً ما رأيت هذا النقد) [أركون “الفكر الأصولي واستحالة التأصيل” ص13]. وهذه الانتقادات اللاذعة -التي سمعنا ورأينا كفلاً منها- لها منطلقاتها وغاياتها الخاصة والعامة التي قد لا نتقاطع مع مساراتها إلا في ما يعبّر عن الجانب البحثي والأكاديمي المؤسس للنقد والبناء بعيداً عن التشنجات الإيديولوجية والأحكام القيمية المسبقة، خاصة وأن كثيراً من تلك الانتقادات قائمة على قراءات مبتسرة للمشروع الأركوني الذي هو نتاج لحقبة زمنية متطاولة تعود إلى سنة 1957 حين نشر أركون مقاله الأول في مجلة “الفكر” التونسية بعنوان (مغزى تاريخ شمال أفريقيا).

والأطروحات الفكرية الإسلامية المعاصرة لا تخرج في جملتها عن هذا الإطار إلا ما ندر من إبداعات مخترقة لحواجز التصنيف المنغلق إلى فضاء الحرية والاستقلالية الفكرية التي تستفيد من الأول لترميم الثاني بحيث تمزج بين التراث والحداثة والتاريخ والمعاصرة. ولا يخفى على متأمل الانتكاسة الواضحة التي منيت بها حركة الإصلاح في العالم الإسلامي، هذه الانتكاسة تتجلى في الانحدار الفكري والإبداعي الحادّ بين الرواد الأوائل وعلى رأسهم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وبين من جاء بعدهم، وليس من المبالغة القول إن الحركة الإصلاحية التي نراها اليوم ليست سوى بقايا تائهة من وهج حركة الرواد.

هذا المدخل المختصر ربما يمثل نافذة نستطيع من خلالها الإطلال على أطروحة المفكر الجزائري الأصل الفرنسي الجنسية الدكتور محمد أركون الذي أثار في أطروحاته حول الفلسفة الإسلامية الكثير من المشاعر المؤيدة لخطابه أحياناً والمضادة لأطروحاته في أغلب الأحايين، لقد أدرك أركون منذ البداية أن مشروعه الناقد للعقل الإسلامي يستتبعه الكثير من المسؤوليات ولا يخلو في بعض جوانبه من اتهامات، وهو يعبر عن ذلك بالقول: (ربما ظن بعضهم أني تبنيت هذا الموقف المعرفي والمناهج التابعة له تأثراً بالتيارات العلمية المتتابعة السائدة في الجامعات الغربية وبخاصة باريس، وربما استنتجوا أني أفرض على الإسلام والفكر الإسلامي ما لا ينطبق عليهما من إشكاليات ومنهجيات ومصطلحات وتأويلات خاصة بالفكر الغربي أو الأوروبي، كثيراً ما سمعت هذا الاعتراض، وكثيراً ما رأيت هذا النقد) [أركون “الفكر الأصولي واستحالة التأصيل” ص13]. وهذه الانتقادات اللاذعة -التي سمعنا ورأينا كفلاً منها- لها منطلقاتها وغاياتها الخاصة والعامة التي قد لا نتقاطع مع مساراتها إلا في ما يعبّر عن الجانب البحثي والأكاديمي المؤسس للنقد والبناء بعيداً عن التشنجات الإيديولوجية والأحكام القيمية المسبقة، خاصة وأن كثيراً من تلك الانتقادات قائمة على قراءات مبتسرة للمشروع الأركوني الذي هو نتاج لحقبة زمنية متطاولة تعود إلى سنة 1957 حين نشر أركون مقاله الأول في مجلة “الفكر” التونسية بعنوان (مغزى تاريخ شمال أفريقيا).

المنهجية الأركونية: إن البحث في فكر محمد أركون يستلزم استيعاب مكونات الخطاب الأركوني وتشريحه وتفكيكه وصولاً إلى القواعد التي ينهض عليها ومحاكمة مجموع الخطاب وفق مباني تلك القواعد وتطبيقاتها. ومن رام هذا الجهد سيكتشف أن أطروحة الفكر الأركونية قائمة على قاعدتين أساسيتين هما: اجتلاب المناهج الفلسفية الغربية الحديثة مثل علم التاريخ الأنثروبولوجي وعلم الألسنية والسيميائية الأدبية لقراءة وتقويم التراث الإسلامي. وفي هذا يقول محمد أركون: (المهمة العاجلة تتمثل في ما يلي: إعادة قراءة كل التراث الإسلامي على ضوء أحدث المناهج اللغوية، والتاريخية، والسيوسيولوجية، والأنتروبولوجية أي بالمقارنة مع بقية التراثات الدينية، وبخاصة ما حصل في الغرب المسيحي) [ أركون “قضايا في نقد العقل الديني” ص292]. الثانية: إبراز الأبعاد المعرفية الواسعة التي عجزت اللغة العربية عن استيعابها والتعبير عنها والتدليل عليها، وقد اختزل أركون هذه القواعد في عبارة (جدلية الفكر-واللغة-والتاريخ) [أركون “الفكر الأصولي واستحالة التأصيل”]. من المتعذر القيام بقراءة نقدية لتقويم أطروحة محمد أركون إلا من خلال استحضار هاتين القاعدتين وتطبيقاتهما الأركونية على الثقافة العربية والإسلامية.القرآن ودعوى الفوضوية والانتحال:

كان أركون جريئاً بما يكفي في تطبيق أطروحاته حيث ابتدأ تطبيقها على القرآن الكريم، فيقول: (ينبغي أن ننظر إلى القرآن من خلال مقارنته مع الكتب المشابهة له في الثقافات الأخرى أي مع التوراة والأناجيل، فالمقارنة أساس النظر) “المرجع السابق ص22″، ثم يقول (أريد منذ الآن أن أربط بين مسألة القرآن وبين مسألة القطب التاريخي للحداثة من جهة، وبين القطب الأكثر تعقيداً والخاص بالظاهرة الدينية من جهة أخرى) “نفس المصدر ص23” من خلال هذه المقدمات المنهجية يصل أركون إلى النتائج التالية فيما يتعلق بالقرآن وهي:

أولاً: أن القرآن هو الخطاب الشفهي للنبي صلى الله عليه وسلم أمام مجموعة من المستمعين، وأنه توسع مع الزمن بفعل الظروف الاجتماعية والثقافية. حيث يقول محمد أركون في كتابه “الفكر الأصولي واستحالة التأصيل” ص29-30: (لننتقل الآن إلى ما يدعوه الناس عموماً بالقرآن. إن هذه الكلمة مشحونة إلى أقصى حد بالعمل اللاهوتي والممارسة الطقسية الشعائرية الإسلامية المستمرة منذ مئات السنين، إلى درجة أنه يصعب استخدامها كما هي. فهي تحتاج إلى تفكيك مسبق من أجل الكشف عن مستويات من المعنى والدلالة كانت طُمست وكُتبت ونُسيت من قبل التراث التقويّ الورع… وهذه الحالة لا تزال مستمرة منذ زمن طويل: أي منذ أن تم الانتقال من المرحلة الشفهية إلى المرحلة الكتابية ونشر مخطوطة المصحف بنساخة اليد أولاً ثم طباعة الكتاب ثانية. وهذه العمليات حبّذت صعود طبقة رجال الدين وازدياد أهميتهم على مستوى السلطة الفكرية والسياسية. وهذه الحالة تتناقض مع الظروف الاجتماعية والثقافية الأولية لانبثاق وتوسّع ما يدعوه الخطاب القرآني الأولي بالقرآن أو الكتاب السماوي: أو الكتاب بكل بساطة. وهو القرآن المتلو بكل دقة وأمانة وبصوت عال أمام حفل أو مستمعين معينين. لنسم هذ القرآن إذن بالخطاب النبوي). وقال أيضاً في نفس المرجع ص41: (إليكم الآن المعيار الأساسي والحاسم: إن موضوع البحث هو عبارة عن مجموعة من العبارات الشفهية في البداية. ولكنها دونت كتابة ضمن ظروف تاريخية لم توضّح حتى الآن أو لم يكشف عنها النقاب. ثم رفعت هذه المدونة إلى مستوى الكتاب المقدس بواسطة العمل الجبار والمتواصل لأجيال من الفاعلين التاريخيين)

ثانياً: حدثت عمليات بتر وتلاعب بالقرآن أثناء عملية الانتقال من المرحلة الشفهية إلى مرحلة الكتابة والتدوين. حيث يقول أركون في “قضايا في نقد العقل الديني”: (إن الانتقال من مرحلة الخطاب الشفهي إلى مرحلة المدوّنة النصّية الرسمية المغلقة أي إلى مرحلة المصحف، لم يتم إلا بعد حصول الكثير من عمليات الحذف والانتخاب والتلاعبات اللغوية التي تحصل دائماً في مثل هذه الحالات. فليس كل الخطاب الشفهي يدوّن وإنما هناك أشياء تفقد أثناء الطريق. نقول ذلك ونحن نعلم أن بعض المخطوطات قد أتلفت كمصحف ابن مسعود مثلاً).

ثالثاً: أن القرآن نص مشابه للتوارة والإنجيل وكتب البوذيين والهندوس، وقد أصابه ما أصابها من توسعات. حيث يقول أركون في “الفكر الأصولي واستحالة التأصيل” ص35-36: (فإني أقول بأن القرآن ليس إلا نصاً من جملة نصوص أخرى تحتوي على نفس مستوى التعقيد والمعاني الفوارة الغزيرة: كالتوراة والأناجيل، والنصوص المؤسسة للبوذية أو الهندوسية. وكل نص تأسيسي من هذه النصوص الكبرى حظي بتوسعات تاريخية معينة وقد يحظى بتوسعات أخرى في المستقبل).

رابعاًً: ترتيب القرآن الكريم فوضوي. حيث يقول أركون في “الفكر الإسلامي نقد واجتهاد” ص90: (نحن نعلم أنّ نظام ترتيب السور والآيات في المصحف لا يخضع لأي ترتيب زمني حقيقي، ولا لأي معيار عقلاني أو منطقي. وبالنسبة لعقولنا الحديثة المعتادة على منهجية معينة في التأليف والإنشاء والعرض القائم على المحاجّة المنطقية، فإن نصّ المصحف وطريقة ترتيبه تدهشنا بفوضاها). ويقول في “الفكر الأصولي واستحالة التأصيل” ص76: (إن القراءة التي أحلم بها هي قراءة حرة إلى درجة التشرد والتسكع في كل الاتجاهات، إنها قراءة تجد فيها كل ذات بشرية نفسها، سواء أكانت مسلمة أو غير مسلمة، أقصد قراءة تترك فيها الذات الحرية لنفسها ولديناميكيتها الخاصة في الربط بين الأفكار والتصورات انطلاقاً من نصوص مختارة بحرية من كتاب طالما عاب عليه الباحثون فوضاه، لكنها الفوضى التي تحبذ الحرية المتشردة في كل الاتجاهات).

خامساً: القرآن محتاج إلى إعادة تحقيق لنسخته الأولى من خلال الرجوع إلى الوثائق المدمرة لمعرفة كيفية تشكله تاريخياً. حيث يقول أركون في المرجع السابق ص44-45: (هكذا نجد أن المعركة التي جرت من أجل تقديم طبعة نقدية محقّقة عن النص القرآني لم يعد الباحثون يواصلونها اليوم بنفس الجرأة كما كان عليه الحال في زمن نولدكه الألماني أو بلاشير الفرنسي. لم يعودوا يتجرأون عليها أو على أمثالها خوفاً من رد فعل الأصولية الإسلامية المتشددة. وهذه الطبعة النقدية تتضمن بشكل خاص إنجاز تصنيف كرونولوجي (أي زمني) للسور والآيات من أجل العثور على الوحدات اللغوية الأولى للنص الشفهي. ولكن المعركة من أجل تحقيق القرآن لم تفقد اليوم أهميتها على الإطلاق. وذلك لأنها هي التي تتحكم بمدى قدرتنا على التوصل إلى قراءة تاريخية أكثر مصداقية لهذا النص… يبدو لي أنه من الأفضل أن نستخلص الدروس والعبر من الحالة اللامرجوع عنها والتي نتجت عن التدمير المنتظم لكل الوثائق الثيمنة الخاصة بالقرآن، اللهم إلا إذا عثرنا على مخطوطات جديدة توضح لنا تاريخ النص وكيفية تشكله بشكل أفضل).

سادساً: أن نتائج القراءة الأركونية للقرآن هي ثمرة للدراسات الاستشراقية. حيث يقول في المرجع السابق ص70: (جميع أنماط القراءة التي استعرضناها حتى الآن تقود إلى نفس النتائج والملاحظات: وهي أن تقدم الدراسات القرآنية قد تم بفضل التبحّر الأكاديمي الاستشراقي منذ القرن التاسع عشر).

هذه هي النتائج التي توصل إليها أركون من خلال تطبيقه للمناهج والمفاهيم الغربية والاستشراقية التي يرى حتمية الإنطلاق من خلالها لتحقيق النهوض الحضاري للأمة. جدلية الظن واليقين.

إن النتائج التي توصل إليها أركون فيما يتعلق بالقرآن الكريم لا تخلو من إشكالات ونواقص على صعيد المنهج والتطبيق، فهي ليست خلواً من الخلط بين دوائر المعرفة اليقينية والمعرفة الظنية، فمن أبجديات العقل الأولى أن التواتر يفيد اليقين، وأن ما دون التواتر لا يفيد سوى الظن، واليقين هو أعلى مراتب المعرفة بل هو السقف المعرفي الأسمى الذي يهتدى بأنواره الكاشفة في ظلمات الظنون والأوهام. و”اليقين” كما يقول الفراهيدي هو (إزالة الشك، وتحقيق الأمر) و”الظن” كما يقول الفيروزآبادي التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد غير الجازم. ويعرّف لنا الفقيه الليبي عامر بن علي الشماخي (ت 792هـ) التواتر بأنه (ما نقلته جماعة عن جماعة متصلة فيما بين المخبِر والمخبَر عنه، مما لا يصح عليه التواطؤ، ولا التساعي على الكذب، ولا اتفاق الهمم، ولا دعاهم إلى ذلك اعتقاد مذهب، ولا إلحاد، يكون أصل عملهم بذلك عن مشاهدة، ولا يعتبر في ذلك صفات المخبرين من عدالة وغيرها، واتفقوا على اعتبار وجود العقل فيهم). فللتواتر حسب الشماخي أربعة شروط: أولها العقل، والثاني: المشاهدة، والثالث: العدد، والرابع: استحالة التواطؤ على الكذب. وشرط “عدم التواطؤ على الكذب” لا يرتبط بالتحديد الرقمي للرواة بقدر ما يرتبط بالامتناع الحقيقي عن الكذب واختلاق الخبر، فمن المعلوم بداهة أن الجيش المكون من مائة ألف يجوز تواطؤهم على الكذب لنصرة أهدافهم، وهكذا الأمر بالنسبة لكل جماعة قلّت أم كثرت. ومن هنا نقول بأن مصطلح التواتر لا يصح أن يطلق على العدد الغفير إن كانوا من نفس المذهب، والصواب أن نقول عن هذا النوع من الأخبار أنها “مشهورة” أو “مستفيضة” عند مذهب ما لا يتعداه إلى غيره من المذاهب، بينما الخبر الذي تجتمع على نقله جميع المذاهب الإسلامية المعتد بها هو الوحيد الذي يصح أن يوصف بأنه “متواتر” لعدم جواز تواطؤ أهل هذه المذاهب عقلاً على الكذب. فلهذا يجدر بنا أن نصف الأخبار التي اجتمعت عليها الأمة بأنها أخبار متواترة بينما الأخبار التي يرويها أهل مذهب واحد مهما كثر عددهم ولا يرويها غيرهم من أهل المذاهب الأخرى بأنها “مشهورة مذهبياً”، وأن الحجة في الأخبار المجتمع عليها فقط، فهي التي يجوز الاحتجاج بها والتعويل عليها في الاستدلال. يقول ابن بركة العماني (ت 362هـ): (والسنة على ضربين: فسنة قد اجتمع عليها، وقد استغني بالإجماع عن طلب صحتها، وسنة مختلف فيها، ولم يبلغ الكل علمها، وهي التي يقع التنازع بين الناس في صحتها، فلذلك تجب الأسانيد والبحث عن صحتها ثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب).

هذه مقدمات منهجية لابد من استحضارها إن نحن هممنا بقراءة القرآن الكريم قراءة نقدية كما فعل محمد أركون، ولو طبقنا هذه المقدمات لتوصلنا إلى نتائج مخالفة جداً إلى ما توصل إليه أركون، فالقرآن الكريم قد ثبتت ألوهية مصدره إلى جيل الصحابة بما حواه من قرائن دالة على عظمته وأنه وحي من الله، وثبت لدينا بالتواتر -الذي اجتمعت في نقله جميع المذاهب الإسلامية- أن هذا القرآن هو الذي أبلغه النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة دون زيادة أو نقصان، وزيادة في البيان نستشهد بنص لفيلسوف جزائري وهو أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (ت 570هـ) الذي يقول: (اعلم أن القرآن الحكيم أنزله الله تعالى على قلب محمد صلى الله عليه وسلم كما قال جل جلاله {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ` عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ` بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}الشعراء: 193-195، فثبت بالمعجزات الخارقات للعادات أنه من عند الله تعالى كما علمنا بذلك كسباً، وأما معرفتنا بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه بمكة، وبها نزل عليه القرآن الذي في أيدينا، وهو ذلك القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، فمعرفة كل ذلك من الضروريات من جهة التواتر، وأما العلم أنه من عند الله فكسب، وأن العلم بأنه تحدى به العرب فعجزت فضرورة). يفرّق الوارجلاني بين معرفة الصحابة بربانية مصدر القرآن الكريم، والتي نشأت بعلم كسبي “نظري” لأن الناقل له شخص واحد وهو النبي صلى الله عليه وسلم ، وخبر النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه خبر آحاد إلا أنه محفوف بالقرائن التي تؤكد صحته، وهذه القرائن هي التي سماها الوارجلاني “المعجزات الخارقات للعادات” في إشارة إلى الإعجاز البياني والعلمي والتاريخي والمنهجي للقرآن الكريم، بالإضافة إلى قرينة شهرة صدق محمد صلى الله عليه وسلم بين الناس، ومعرفتهم بسيرته وأنه رجل أمي، هذه القرائن جعلتهم ينتقلون من مرحلة المعرفة الظنية إلى درجة العلم اليقيني المكتسب بالنظر والتأمل، ومن أغفل النظر إلى هذه القرائن صعب عليه إدراك صدق النبي صلى الله عليه وسلم. أما معرفة البشرية الآن بمحمد صلى الله عليه وسلم وأنه الذي نزل عليه القرآن وأنه كان بمكة، فهي معرفة توصلنا إليها عن طريق الأخبار التي جاءتنا متواترة من كل حدب وصوب ينقلها كل جيل عن من سبقه في أقطار متنائية بينها مسافات لا متناهية، وهم أناس من أجناس مختلفة ذوو مشارب متباينة ومذاهب متفاوتة، وكلهم مجمعون على صدق هذا الخبر، فوجدنا أن هذه المعرفة قد ولّدت في عقولنا علماً ضرورياً بدهياً لا يحتاج إلى بحث وتنقيب وتأمل في صدقه، فحتى اليهود والنصارى وأتباع الملل الأخرى مؤمنون بأن محمداً قد عاش في مكة وأنه هو الذي جاء بالقرآن الكريم الذي بين أيدينا إلا أنهم يختلفون مع المسلمين في مصدرية القرآن الكريم، حيث يذهب المسلمون إلى أن القرآن الكريم رباني المصدر بما ثبت من حقائق وقرائن لا يمكن ردها، ولتصديقهم لجيل الصحابة الذي نقل صفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم والتي تدل على صدقه، بينما رفض أصحاب الملل الأخرى قبول تلك القرائن إما لضعف في عقولهم أو مكابرة منهم للحق المبين.

جمع القرآن وترتيبه:

إن مكمن الخلل في الأطروحة الأركونية هو عدم استصحابها لهذا اليقين المعرفي بل في انطلاقها من مرويات أنفردت بها مدرسة أهل الحديث تزعم أن جمع القرآن وترتيبه تم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وأن الذي قام بهذه المهمة هو زيد بن ثابت بأمر من أبي بكر ومشورة من عمر وأن المهمة انتهت في عهد عثمان حين قام بإحراق المصاحف. وقد بينا سابقاً أن ما انفرد به مذهب من المذاهب -مهما كثر رواته- لا يمكن أن يخرج من دائرة الظن، والروايات التي انفرد بها أهل الحديث عارضها الشيعة بروايات تزعم أن الذي جمع القرآن هو علي بن أبي طالب الأمر الذي يظهر حقيقة أن روايات جمع الصحابة للقرآن إنما ولدت وتناسلت في أجواء الحرب السياسية والفكرية الطاحنة بين الأمويين والعلويين. هذه الروايات الظنية وتلك لم تستطع أن تحجب الحقيقة اليقينية التي يأكدها القرآن اليقيني نفسه وهي أن جمع القرآن وترتيبه أمر تم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبإشراف مباشر من الوحي، ولم ينقطع الوحي حتى تمت المدونة النهائية للقرآن الكريم وأغلقت فصول جمعه وترتيبه، وهذه الحقيقة هي التي ثبت عليها تلامذة التابعي العماني الكبير جابر بن زيد (ت 93هـ) والذين عرفوا تاريخياً بالإباضية. حيث يقول التابعي أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت 149هـ) “بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزلت آية قال: اجلعوها في سورة كذا وكذا. وما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا والقرآن مجموع متلو”(الربيع 15)، وقد توسع الفقيه العماني أبو محمد عبدالله بن بركة (ت 362هـ) في الاستدلال لهذا الرأي، وتتلخص تلك الاستلالات في التالي:

أولاً: لا يعقل أن يترك النبي صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم الذي هو الحجة وتقم به الدعوة مفرقاً غير مجموع ولا محكم القراءة، وما يجوز من الاختلاف وما لا يجوز، وفي إعرابه، ومقداره، وتأليف سوره، وهذا لا يتوهم على رجل من عامة المسلمين، فكيف برسول رب العالمين.

ثانياً: أن القرآن الكريم نزل في ثلاث وعشرين سنة، كلما أنزلت آية وسورة قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه في صلاته ومجالسه، وكان الصحابة أهل عناية وتعظيم يدرسونه نهارهم، ويصلون به في ليلهم، ويتفقهون فيه ويتفهمون معانيه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك يحثهم على التعليم ويرغبهم فيه، فإن لم يكن القرآن مجموعاً فماذا يقرأ هؤلاء في صلاتهم وماذا يتذاكر أولئك في مجالسهم؟

ثالثاً: أن الأمة اجتمعت على حقيقة جعل النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً “يكتبون الوحي، فإن لم يكن القرآن مجموعاً مكتوباً في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأي شيء كان يكتب هؤلاء؟

رابعاً: العرب مخصوصون بشدة الحفظ وحسن البيان، فهم أصحاب الشعر والمعلقات. ونحن نرى أن أطفال المسلمين اليوم في مشارق الأرض ومغاربها من عرب وعجم يحفظون القرآن كاملاً، فتوهم عدم حفظ الصحابة وأبنائهم للقرآن وهم أرباب الفصاحة والبيان وعليهم نزل القرآن لهو مما يزري بهم ويحط من قدرهم، وإن لم يكن القرآن مرتباً فلا يمكهن حفظ مقاطع لا رابط بينها ولا ضابط.

خامساً: من الدلائل التي تدل على أن القرآن مجموع ومرتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن الصحابة لم يقدموا فيه ولم يأخروا، مع علمهم أن أول ما نزل من القرآن هو قوله تعالى {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}العلق: 1، إلا أنهم لم يقدموها على البقرة ولا سورة براءة التي هي آخر ما نزل من القرآن.

سادساً: أن الصحابة كانوا يعرفون من جمع القرآن من الأنصار، فقد روي عن أنس بن مالك أنه قال: ما جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ستة نفر كلهم من الأنصار، أبي ومعاذ وزيد وأبو زيد وأبو أيوب وعثمان. ومن حفظه من المهاجرين، ومن بقيت عليه السورة والسورتان، ولو لم يكن القرآن مؤلفاً بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان يجمعه هؤلاء الستة وغيرهم.

بالإضافة إلى استدلالات ابن بركة نجد أن القرآن المقطوع بثبوته عن الله تعالى يشهد بحقيقة جمع النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم، حيث يقول تعالى: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}القيامة: 16-19. فجمع القرآن وضبط قراءته وبيانه هي مهمة لا تخرج عن دائرة الوحي والتوجيه الإلهي المباشر. كما أن الله تعالى يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}الحجر: 9، فلو تم جمع القرآن وترتيبه بتلك الصورة غير النزيهة التي رسمتها مرويات أهل الحديث لما كانت لدلالة حفظ الله عز وجل لكتابه معنى! فكل هذه الاستدلالات المنطقية المنطلقة من حقيقة تواتر القرآن الكريم عن النبي صلى الله عليه وسلم والتي تؤيدها نصوص القرآن المؤكدة للرعاية الإلهية لعملية الجمع والترتيب، والقراءة التاريخية لموقف النبي وأصحابه وعنايتهم الفائقة بحفظ القرآن وكتابته وجمعه ليأكد لنا بطلان تلك المرويات الطائفية التي زجت بالقرآن الكريم في أتون الاحتراب السياسي والفكري بين الأمويين والعلويين، بين من يمجد الصحابة وبين من يعظم علياً، فإذا تجلى لنا ذلك نستطيع أن نقول أن المنطلقات الأركونية والاستشراقية التاريخية في دراسة القرآن الكريم ليست سوى أوهام خادعة جرهم إليها أهل الحديث فصاروا أسرى للحبكة الروائية التي أتقن أهل الحديث صياغتها، وما كان لأركون أن يقع فريسة لمرويات أهل الحديث المتهافتة بكل المقاييس التاريخية والأنثروبولوجية إلا لتغلب عاطفة المؤرخ الجامع للأخبار في شخصه على وعي الفيلسوف المفكر الذي كنا نظن!

ومن الإشكالات التي وقع فيها أركون عدم تبنيه لما دعاه (نظرية التنازع بين التأويلات بدلاً من الدفاع عن طريقة واحدة في التأويل) [أركون “الفكر الأصولي” ص14] فنزع في تأويله لحادثة إحراق عثمان للمصاحف نفس المنزع الإيديولوجي الدوغمائي الذي انخرطت فيه المذاهب العلوية والأموية المتناحرة، وهذا أيضاً يعود إلى عدم تطبيق أركون لما أخبرنا أنه سيلتزم به في بحثه وهو (أنه يحرص على الشمولية والإحاطة بجميع ما توفرّ من مصادر ووثائق ومناقشات دارت بين العلماء حول الموضوعات التي يعالجها) [أركون “الفكر الأصولي” ص14] فأركون ما يزال يفاجأنا بفقر مؤلفاته وأطروحاته للنتاج الضخم والهائل للمدرسة الإسلامية الجابرية العمانية التي عرفت بـ “الإباضية” والتي أزدهرت وانتشرت في المشرق والمغرب ومنها الجزائر حيث ترعرع محمد أركون! فهذه المدرسة تروي عن أم المؤمنين عائشة أنها “أمرت أبا يونس مولاها أن يكتب لها مصحفاً، فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ}البقرة: 238. فلما بلغها آذنها، فأملت عليه (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانيتين). فقالت: هكذا سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم “(الربيع 185). فهذه الرواية تنطق دلالالتها بأشياء متكلم عنها وأخرى مسكوت عنها، وتثير معان مفكر فيها وأخرى غائبة عن الوعي والتفكير، فهي تفصح عن حقيقة قيام الصحابة بكتابة تفاسيرهم للقرآن في نفس المصحف الذي لديهم، وما سكتت عنه الرواية مما هو خارج دائرة “المفكر فيه” حقيقة عدم تنقيط الحروف وعدم ظهور فكرة الأقواس والحواشي وغيرها في ذلك الزمان الغابر، يضاف إليه شح الأوراق ووسائل التدوين الأمر الذي دفع الناس إلى كتابة القرآن وتفسيره في المكان ذاته، والظاهر أن عثمان توجس من هذا الأمر، ورأى أن تلك التفسيرات والحواشي قد أحدثت اختلافات تأويلية وربما أدت إلى اختلافات في التلاوة أحياناً، وأنها ربما توهم الأجيال اللاحقة أنها جزء من النص القرآني، فقرر إتلافها والاحتفاظ بالنص القرآني المكتوب خالصاً من كل زيادة تفسير أو تأويل قد تؤدي يوماً ما إلى الاختلاف في القرآن الكريم وآياته. هذه هي قصة جمع القرآن وترتيبه وإحراق المصاحف المشوبة بالزيادات البشرية، وهي تنقض نتائج المذهب الذي اعتمده أركون والذي يزعم أن القرآن الذي بين أيدينا ليس هو ذاته المنزل على محمد.

ترتيب القرآن فوضى أم إبداع؟

أما فيما يتعلق بما دعاه أركون والمستشرقون بـ “الترتيب الفوضوي” لآي القرآن الكريم وسوره فإنه يرجع إلى عدم تقدير هؤلاء للحكمة الكامنة خلف هذا الترتيب المبهر الذي احتار أركون في تحليل أبعاده، فآيات القرآن تتميز بمخاطبة النفس البشرية من خلال أبعاد مختلفة ومستويات متعددة، فهو حين يخاطب العاطفة الدافئة والوجدان الفياض فإنه لا يطمس الطاقات العقلية الثائرة والقوى الإبداعية الخلاقة بل على النقيض من ذلك فهو يستنهض قواها ويحفز طاقاتها ويحشد كل قواتها من أجل السعي إلى البحث والنظر والتدبر والتأمل والاكتشاف والإبداع، وفي هذا الامتزاج ربط ووصل ومزاوجة بين الشريعة والحياة، وبين العلم والإيمان وبين الدنيا والدين.

لم يعمد القرآن إلى حشد آيات الموضوع الواحد كل على حدة لإن في ذلك قتلاً لروح البحث والتنقيب والنظر، وفيه تفريخ للجمود والسلبية وتكريس مبدأ الأبوية العلمية والتلقي اللإرادي، كما أن فيه تفكيكاً للتواصل التاريخي والنفسي بين الظواهر الكونية والأحداث التاريخية، إن من تصيبه الحيرة حين يرى تداخل آيات التشريع مع آيات الإيمان والدعوة وتاريخ الأمم والآيات الكونية قد فاته بلا شك أن الإسلام هو كما يقول محمد الزين: (تطبيق دنيوي مرتبط بالتوحيد والإيمان والأخلاق، وأن حياة الإنسان وحدة متكاملة لا يمكن فصل النواحي الروحية فيها عن النواحي المعيشية سواء للفرد أو المجتمع، فالقرآن يهدي البشرية ليس فقط لسعادة الآخرة بل لسعادة الدنيا أيضاً) [الزين “تفهيم القرآن” ص9]. والنظرة النقدية المتدبرة الاستطلاعية والمستكشفة لا يخفى عليها وشائج الاتصال والترابط بين آيات كل سورة من سور القرآن بل وارتباط تلك السور بما قبلها وما بعدها، فمثلاً ابتدأت سورة البقرة بذكر المواقف الثلاثة حيال الدعوات الإلهية المتمثلة في الرسل، فابتدأت بموقف المؤمنين، وأردفته بموقف الكافرين، وختمته بموقف المنافقين، وانتقلت بعد بيان التكريم الإلهي للعلم الكوني الذي امتاز به البشر على بقية المخلوقات، وأن هذا العلم لا يخلو من صراع بين قوى الخير (آدم) ونوازع الشر (إبليس)، وتجلى هذا الصراع بشكل جلي في قصة موسى مع بني اسرائيل الذين ساهمت مواقفهم في صياغة الفلسفات المنحرفة، وفي سورة آل عمران التي تلي البقرة نجد انتقالاً تاريخياً ووجدانياً يربط موقف بني اسرائيل من رسالة عيسى عليه السلام وموقفهم من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يتجلى دور المرأة (مريم) كحاضن للنبوة والرسالة والدعوة والحضارة كما هي حاضنة للأبناء والأسرة والمجتمع، هذا الدور الخطير للمرأة تأكده السورة التي تلي آل عمران وهي سورة (النساء) التي يشي اسمها بمضامينها المؤكدة على حقوق المرأة النفسية والاجتماعية والاقتصادية مع عدم فصلها للسياق الذي ابتدأته البقرة بذكر تاريخ أهل الكتاب ومعارضتهم المستمرة لهداية الوحي من لدن موسى عليه السلام، والأمر ذاته يتجلى بصورة جديدة في سورة المائدة التي تنتهي بحوار عيسى للحواريين وطلبهم للمائدة، وهكذا نرى الإرتباط العضوي والموضوعي بين كل جزء من السورة والجزء الآخر، وبين كل سورة وما قبلها وما بعدها، وهذا كله ينفي “الفوضى” التي تاه فيها أركون والتي لم تستطع المناهج والمفاهيم الغربية التي يبشر بها أن تخرجه من حيرته وترشده إلى الطريق القويم في التعامل مع القرآن العظيم.

القرآن غير ، والكتب المنتحلة غير:

أما حشر أركون للقرآن في خانة كتب اليهود والنصارى المحرّفة وكتب الهندوس والمجوس والبوذيين المنتحلة فباعثه بلا شك غرق الأطروحة الأركونية في رمال مرويات أهل الحديث الظنية الواهية ذات الأبعاد الطائفية التي خفت على أركون الفيلسوف حين تعامل معها بعقلية المؤرخ الراصد لا عقلية المؤرخ الناقد، فهل يصح لأركون الفيلسوف التنويري أن يقيس القرآن الكريم الذي لم يُختلف في آية من آياته على كتب الهندوس والمجوس والتوراة والإنجيل التي لا تمر حقبة من حقب الزمان إلا وتظهر لنا منها طبعة جديدة مزيدة أو مقصرة! فلو مثلنا بما يسمى “الكتاب المقدس” عند النصارى لوجدنا أن نسخة الروم الكاثوليك تحتوي على ثلاثة وسبعين سفراً في حين أن نسخة البروتستانت تحتوي على ستة وستين سفراً فقط، وأقدم مخطوطة لهذا الكتاب كتبت باللغة اليونانية وهي ترجع إلى ما بعد 200ميلادية وأقدم نسخة آرامية ترجمت من اليونانية ترجع إلى الفترة 411-433م، وأول طبعة إنجليزية غير رسمية ظهرت عام 1524م، فقامت الكنيسة الكاثوليكية بإحراق صاحبها وأمرت بترجمة الكتاب الموجود لديها عام 1582م، وعرفت هذه النسخة بطبعة ريمس-داوي (Douay-Rheims)، فأصدرت الكنيسة الإنكليزية البروتستانتية نسختها الرسمية رداً على النسخة الكاثوليكية عام 1611م وعرفت النسخة البروتستانتية بطبعة الملك جيمس (King James Version)، وتم تعديلها عام 1881م، ثم عدّلت عام 1952م، وتكرر تعديلها في عام 1971م، وآخر طبعة من النسخة البروتستانتية ظهرت في أمريكا عام 1993م حيث أضيف إليها سفر كامل وهو سفر(توما) الذي اكتشف في مصر عام 1945م، هذا عدا عن أن تلك الأناجيل المزعومة ابتدأ تدوينها بعد وفاة المسيح بفترة طويلة وأقدمها هو سفر بولس في الفترة (50-60م)، ثم تبعه مرقس ومتى ولوقا خلال الفترة (70-80م)، ثم السفر المنسوب إلى يوحنا (110-130م)، ثم بعض الرسائل (140-150م) [الزين “المسيحية والإسلام والاستشراق” ص53-64]، فهل يُعقل أن نقبل النتيجة الأركونية التي تزعم أن حال القرآن الكريم في إحكام جمعه وترتيبه وتدوينه كحال ما يسمى بـ “الكتاب المقدس”؟ إن كانت الأنثروبولوجيا وعلم التاريخ بالطريقة الأركونية يقولان ذلك، فلاشك أن هذه المناهج بعيدة عن الموضوعية ولا يمكن قبولها على المستوى الشعبي فضلاً عن اعتمادها أكاديمياً، وفي تصورنا أن هذا المنهج العقيم قد تم تجاوزه في العالم العربي منذ القرن التاسع الهجري حين كتب ابن خلدون مقدمته الرائعة وقال في مستهلها: (اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد… فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن الزلات والمغالط لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكّم أصول العادة وقواعد السياسية وطبيعة العمران… وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً، لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشبهاها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط)، وما عزب عن أركون في تأريخه الروائي الجمعي السالب معيار “الحكمة” الخلدونية التي أفضى افتقاد أطروحة أركون إليها إلى هذا العسف والأغلوطات المتراكبة كظلمات بعضها فوق بعض.

 

 

 

تعليق واحد

  • الأخ (طالب علم):

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    الخمسة لم اعتمده على سبيل القطع وإنما على سبيل النظر، في مجال الأخبار والقصص لا في مجال التشريع والعلم. مع مراعاة كون المخبرين عقلاء يستحيل تواطئهم على الكذب وهو أمر متعذر في العدد القليل.

    وفي الشريعة لم يثبت شيء بالخمسة او بالعشرة لإن كل ما تواتر إنما تناقله العدد الكبير الذي لا يعلم حدوده إلا الله.

    وقد قلت في الكتاب أنه لم يتواتر أي نص لفظي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا القرآن وكل ما عداه من ألفاظ فليست متواترة.

    والتواتر هو ذاته ما اجتمع عليه المسلمون من رواية وعمل.

    والتواتر لا يخص المسلمين وحدهم حتى نسقط مصطلح التواتر نهائيا.

    مصطلح التواتر لم يظهر عند أوائل الإباضية ولا غيرهم ويبدو أنه ظهر بعد ترجمات كتب الفلاسفة الإغريق في العهد العباسي وحين ظهر الفلاسفة المسلمون.

    والأمر يحتاج إلى بحث وجد من طلبة العلم.

    بخصوص تسمية (الإباضية) فقد ذكرت في أكثر من موضع في كتاب “الإباضية” وكتاب “الصراع الأبدي” أنها تهمة ونكاية من بني أمية ولم يتسمى بها أوائل من عرف فيما بعد بـ (الإباضية).

    بالنسبة لقضية الرجم فكل ما استطيع قوله في هذه المرحلة أنه أمر اجتمع على روايته أكثر الأمة مع رواية إنكار الخوارج له وهناك من هو أجدر مني بالبحث فيه. أما مسالة عذاب قوم لوط فلا يصح القياس عليه في البناء التشريعي وإلا للزمنا القول بجواز تدمير مدن الكفار كما دمر الله مدن عاد وثمود وتبع وما يعرش فرعون.

    والسلام عليكم ورحمة الله.